موقع اللغة والثقافة العربية
Accueil
الصفحة الأساسية > العالم العربي > كتاب وأدباء > ولاّدة بنت المستكفي (994 - 1091)، قرطبة، شاعرة وأديبة

ولاّدة بنت المستكفي (994 - 1091)، قرطبة، شاعرة وأديبة

الأحد 26 حزيران (يونيو) 2016 بقلم محمد بكري


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الاثنين - 17 جمادى الآخرة 1436 هـ - 06 أبريل 2015 مـ
الصفحة : فضاءات
لندن : د. ماهر شفيق فريد


ولادة بنت المستكفي.. عودة مع تصاعد الحركة النسوية

غدت أسطورة في قرطبة أكثر منها تاريخًا


في 8 مارس (آذار) الماضي، احتفل العالم باليوم العالمي للمرأة. وفي عدد مارس 2015 من المجلة الشهرية البريطانية «التاريخ اليوم» كتبت لي كوين Leigh Cuen مقالة عنوانها «شاعرة الحب» عن الشاعرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي محبوبة ابن زيدون وملهمته، وقصتهما ترد في تواريخ الأدب وفي رواية علي الجارم «هاتف من الأندلس» ومسرحية فاروق جويدة «الوزير العاشق» وغيرهما.

كانت ولادة التي عاشت في القرن الحادي عشر الميلادي – صاحبة صالون أدبي يسبق تلك الصالونات التي كانت أديبات فرنسا وكواكبها الاجتماعية اللامعة يقمنها في القرن الثامن عشر وبعده.

والدعوى الأساسية التي تتقدم بها لي كوين هي أن ولادة أثرت في الشعر الأوروپي خلال العصور الوسطى، خصوصا فيما يعرف بالحب الرفيع الذي شاع في بلاط الملوك والأمراء courtly love. كان صالونها في قرطبة مركز جذب للأدباء والساسة – وفيهم من يتنافسون على حبها. وكانت تجمع بين صفات الشاعرة والأميرة وراعية الفنون. وتقول الصحافية الإسبانية ماتيلدا كابيلو: «لقد غدت ولادة أسطورة في قرطبة، أسطورة أكثر منها تاريخا. لقد سمعت بها من أبي في طفولتي، ولكني لم أعرف أنها كانت شخصا حقيقيا». وقد ذهب دارسون – كالدكتور عبد الواحد لؤلؤة وماريا روزا منوكال – إلى أن بعض آثار العصور الوسطى وعصر النهضة مثل قصة «تريستان وأيزولت» و«حكايات كانتربري» للشاعر الإنجليزي تشوسر، و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، وأغلب أساطير الملك آرثر وبلاطه وفرسان المائدة المستديرة، إنما تدين بشئ لأديبات أندلسيات مثل ولادة. وفي (1977) ذهب جيمز مانسفيلد نيكولز إلى أن ولادة «وأخواتها من الشواعر» يمثلن الحلقة المفقودة بين الشعر العربي القديم وقصائد الرومانسات الأوربية التي ظهرت في العصور الوسطى. غير أن المؤسسات الثقافية الأوروبية في القرون التالية قد جنحت إلى تجاهل تأثير كتابات النساء، خاصة النساء المسلمات.

كانت ولادة ابنة لمحمد الثالث وهو واحد من آخر الخلفاء في قرطبة. وقصة غرامها مع ابن زيدون تحتل في الأدب العربي مكانة كتلك التي تمثلها مسرحية شكسبير «روميو وجوليت» في الأدب الإنجليزي. امتازت ولادة بالبلاغة والفصاحة، ومع ذلك لم يصلنا من آثارها سوى بضعة أبيات شعرية، ورسائل إلى ابن زيدون. لقد كانت من رواد الحركة النسوية قبل أن يشيع استخدام هذا الاسم. وكانت تطرز أبياتا شعرية في ثيابها.

ولدت ولادة في عام 994، إبان العصر الذهبي للعرب في الأندلس. وكانت قرطبة، مسقط رأسها، عاصمة الأمويين تضم جامعة وقصورا فخيمة وحدائق غناء وعشرات الحمامات العامة. تزخر شوارعها بدكاكين الوراقين، وقلما تلقى فيها شخصا أميا. وكان الدارسون من مختلف البلدان الأوروبية يفدون إليها منبهرين بثراء المدينة وجمالها. وقد زارتها الشاعرة الألمانية هروسويثا في القرن العاشر فوصفتها بأنها «حلية العالم».

نشأت ولادة في أحضان العز ولكن سنين مراهقتها شهدت أحداثا جساما. فقد ضرب الطاعون مدينة قرطبة في عام 1011. وفيما بعد قتل أبوها – الذي اعتلى العرش بعد ثورة عنيفة – في عام 1025. ويصف مؤرخ الأندلس ابن بسام صالونها فيقول إنه كان مفتوح الأبواب دائما لعلية القوم وصفوة الأدباء. وإذ اصطخبت الحياة السياسية من حولها دخلت – كما يقول المؤرخ ابن بشكوال – في مباريات أدبية مع أدباء كثيرين وتفوقت عليهم. وكانت النساء – من مختلف طبقات المجتمع – يفدن على صالونها كي يتعلمن فنون القراءة والكتابة والموسيقى. وممن ربطتها بهم أواصر الصداقة ابن حزم مؤلف كتاب «طوق الحمامة»، وكان معجبا بعقلها وأدبها، نصيرا للأمويين وإن كان يكره أباها – الخليفة القتيل – ويصفه بالسكير. وكتابات ابن حزم في فلسفة الحب و«الرقيب» و«الواشي» كلها قد دخلت في نسيج الأدب الإسباني والفرنسي. وقد ذهب دارسون محدثون – منهم الشاعر الأميركي إزرا باوند – إلى أن الشعر الغنائي الأندلسي هو منبع الشعر الرومانتيكي الحديث. وفي قصر ولادة كان يلتقي النبلاء والإماء، المسلمون والمسيحيون واليهود، الرجال والنساء، دون تفرقة. وأغلب الظن أن ابن زيدون قد تعرف عليها حين بدأ يرتاد صالونها وكان وقتها شاعرا ناشئا لم تستطر شهرته بعد. وقد ألهمته أجمل قصائده مثل «إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا». وغيرها. وكما هو الشأن في قصة «روميو وجوليت» المأسوية، فقد كان ابن زيدون وولادة ينتميان إلى أسرتين متعاديتين. كان ابن زيدون قد ناصر أعداء الأمويين قبل مقتل أبي ولادة، ومن ثم اضطر الحبيبان إلى التلاقي سرا، تحت جنح الليل، وإلي تبادل الرسائل حين يكون ابن زيدون موفدا في مهام دبلوماسية بعيدا عن حبيبته. وكانت رسائلها إليه تشتمل على قصائد حب طويلة تردد صداها فيما بعد في شعر عصر النهضة.

قارنها بعض مؤرخي الأدب بالشاعرة الإغريقية سافو. وقد تغزل بها ابن زيدون قائلا إنها صيغت من مسك بينما سائر الناس من حمأ مسنون. وقصائده حافلة بالضراعة إليها والشكوى – شأن المحبين في كل زمان ومكان – من قسوتها عليه. ويقال إنه عشق جارية سوداء لها، مما ساءها وأنهى العلاقة بينهما. بل إنها وجهت إليه قصائد هجاء ساخرة.

وكان لابن زيدون منافس خطير في حب ولادة هو ابن عبدوس وزير الخليفة. وحين بدأ ابن عبدوس يختلف إلى صالون ولادة، وازداد منها اقترابا، ثارت غيرة ابن زيدون، وكتب رسالة في ذم الوزير فرمى به هذا الأخير في السجن، خصوصا بعد أن زعم ابن زيدون أنه كان يتلهى بولادة ثم مجها حين ملها. وتمكن ابن زيدون فيما بعد من الفرار من سجنه ومغادرة قرطبة. وفي هذه الفترة كتب خير شعره الذي ينضح شوقا إلى محبوبته، وشكوى من الأقدار التي فصلت بينهما، وفي طليعته قصيدته النونية التي دخلت ديوان الشعر العربي.

عاشت ولادة حتى سن المائة تقريبا، ولم تتزوج قط. توفيت في عام 1091 في نفس اليوم الذي غزا فيه الموحدون قرطبة. وكان موتها إيذانا بغروب شمس الأدب في تلك المدينة الزاهرة.

توارى اسم ولادة في التاريخ الأدبي على حين علا نجم ابن زيدون. ولكن مجموعة من الشواعر الإسبانيات في ثمانينات القرن الماضي شرعن ينشرن قصائدهن في مجلة اسمها «ولادة». وبذلك عادت إلى الأذهان ذكرى المرأة التي سحرت أدباء عصرها وساسته.

ومع تصاعد الحركة النسوية أصدرت الشاعرة الإسبانية ماجدالينا لاسلا في 2003 رواية عن ولادة. وأعدت الشاعرة السورية مرام المصري ديوانا شعريا ثنائي اللغة (بالعربية والفرنسية) عنوانه «عودة ولادة». واليوم يقوم في أحد أحياء قرطبة عمل نحتي، يمثل يدين تتلامسان في محبة ورفق، تكريما لذكرى ولادة وابن زيدون، عاشقي قرطبة اللذين غدت قصتهما أسطورة.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط، صحيفة عربية دولية رائدة. ورقية وإلكترونية، ويتنوع محتوى الصحيفة، حيث يغطي الأخبار السياسية الإقليمية، والقضايا الاجتماعية، والأخبار الاقتصادية، والتجارية، إضافة إلى الأخبار الرياضية والترفيهية إضافة إلى الملاحق المتخصصة العديدة. أسسها الأخوان هشام ومحمد علي حافظ، وصدر العدد الأول منها في 4 يوليو 1978م.
تصدر جريدة الشرق الأوسط في لندن باللغة العربية، عن الشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق، وهي صحيفة يومية شاملة، ذات طابع إخباري عام، موجه إلى القراء العرب في كل مكان.
لقراءة المزيد



Audiolangues - mp3 en arabe   Audiolingua - mp3 en arabe   Educasources - Accueil   EduSCOL - Le site d'information des professionnels de l'éducation   Le Bulletin officiel - Ministère de l'Éducation nationale   Portail langues   Portail national de ressources en langues vivantes   Réseau Canopé
موقع اللغة والثقافة العربية الرسمي في فرنسا
رئيسة التحرير : السيدة صوفي تاردي، مفتشة عامة في وزارة التربية - مدير التحرير : السيد علي موهوب، مفتش أكاديمي - مفتش تربوي جهوي
ويب ماستر : السيد محمد بكري، أستاذ اللغة والأدب العربي