موقع اللغة والثقافة العربية
Accueil
الصفحة الأساسية > العالم العربي > مقالات صحفية > علم الآثار ... رؤية عربية

علم الآثار ... رؤية عربية

الاثنين 30 أيار (مايو) 2016 بقلم محمد بكري


جريدة الحياة


السبت، ٤ أبريل/ نيسان ٢٠١٥
جريدة الحياة
خالد عزب


يرسم لنا علم الآثار مسرحاً كبيراً نستطيع أن نشاهد على خشبته تطور حياة البشر منذ عصور ما قبل التاريخ إلى الآن، ففي الوقت الذي يختزل فيه هذا العلم في الاكتشافات الأثرية المثيرة كالمومياوات، فإنه يعيد بناء حياة الإنسان كما كانت، من خلال الأدوات التي كان يستخدمها منذ أن شذَّب أول حجر إلى ابتكاره السكين التي صنعها من الحديد، وبنائه أول مسكن يعيش فيه بعيداً من الكهوف. حتى بقايا عظام البشر صارت لها أهمية كبرى حيث يعتمد رسم صورة هذا الإنسان عليها، وتبين عمره ومظهره وحالته الصحية، وتبين أحياناً سبب وفاته، وحتى في بعض الأحيان تظهر لنا علاقاته الأسرية، على نحو ما نراه في حفائر مقابر عمال الأهرامات المصرية، التي كشفت عن أمراض لدى المصريين القدماء في العمود الفقري.

لقد تقدم هذا العلم لدرجة أنه بات يساعد في الاستدلال على معلومات، حتى من خلال الجثث التي تحللت وتوحدت مع التربة، مثل الجثث التي تحللت نتيجة بركان هائل في إيطاليا، واستطاع علماء الآثار التعرف إلى أسلوب تصفيف الشعر ووضع الجسم، وحتى التعبيرات لحظة الموت.

هناك شغف في العالم يزداد يوماً بعد يوم بفهم أكبر للماضي، فكلما تقدمت التكنولوجيا ويسَّرت حياة البشر، أصبحت هناك رغبة عارمة لمعرفة كيف كان يعيش أجدادنا، والذهول يأتي من عجزنا عن إنجاز بعض ما أنجزه القدماء، كحالة بناء الأهرامات المصرية، لذا سيظل الماضي أكبر علامة استفهام أمام إنسان العصر الحديث.

إن التطورات المختلفة وتداخل علم الآثار مع علوم أخرى أدت إلى إعادة تعريف علم الآثار، فهم علم استعادة الماضي وإعادة بناء حياة الإنسان كما كانت لكي يكون الإنسان المعاصر ملماً بتفاصيل الماضي. لم يعد علماً معنياً بالأثر القائم بذاته فقط أو بتحفة فنية قديمة، بل يربط الإنسان بالأثر ليقدم من خلال هذا الربط حياة الإنسان عبر الأثر كوسيط. لذا تجاوز الزمن فكرة مادية الأثر إلى معطيات الأثر، فالأثر في حد ذاته لم يعد هو الموضوع، بل الموضوع يدور حول تساؤلات يحاول علماء الآثار الإجابة عنها، مثل: لمن صنع الأثر؟ ما السياق الذي بني فيه الأثر أو أنتج فيه؟ ما استخداماته؟ ما طبيعة الأثر وعلاقاته بالبيئة وانعكاس ذلك على تقدم البشرية؟

لذا، فالتعامل مع علم الآثار على أنه علم نظري كما هي الحال حالياً في عدد من الدول العربية، فيه قصور شديد، فهو علم نظري علمي تطبيقي، تفرعت منه علوم كثيرة عابرة للتخصصات منها:

البيوأركيولوجي الذي يعنى بتحليل الحمض النووي للمواد التي يعثر عليها، كما يعنى بدراسة التاريخ الجيني للإنسان من خلال تقنيات علم الوراثة.

علم أنثربولوجيا الآثار: يعني علم الأنثربولوجيا بدراسة الإنسان وعلم الآثار بدراسة مخلفات الإنسان المادية، والعلمان معاً يقيمان تصورات عن حياة الإنسان في الماضي وتطورها عبر مخلفات الإنسان المادية.

علم الآثار البيئي: يعني بدراسة استخدام الإنسان للنبات والحيوان وتكيف المجتمعات الإنسانية مع البيئة المتغيرة باستمرار.

علم الآثار العرقي: يعنى بدراسة حياة الشعوب ورموزها الثقافية بهدف التوصل إلى الفهم العميق للسجل الأثري.

إن أكبر معضلة تواجه علم الآثار في العالم العربي هي عدم وجود نظرية عربية تؤطر لهذا العلم، لذا بات هذا العلم الآتي من الغرب بصورته الراهنة منعزلاً داخل أسوار الجامعات والمتاحف، في حين كان أجدادنا العرب أكثر وعياً منا أجيالنا الراهنة بهذا العلم، فقد كان للعرب محاولات مبكرة لكشف رموز اللغة المصرية القديمة، بل توصل ذي النون المصري في بعض مخطوطاته إلى فك شفرات بعض رموز اللغة المصرية القديمة، ووقف كبار الصحابة والتابعين أمام آثار قدماء المصريين متسائلين، ليس عن كون هؤلاء أمم سابقة فحسب تأخذ منها العبرة، بل باعتبار أن تراثهم يستحق التقدير، فألَّف الإدريسي كتاباً عن الأهرامات وكذلك السيوطي، واعتبر ابن خلدون هذا التراث للعظة والعبرة وبقايا شعوب مندثرة، في حين عنون المقريزي كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»، ليكون أول دليل أثري وتاريخي متكامل لتراث مدينة القاهرة نستطيع أن نستخدمه إلى اليوم على رغم أليفه في العصر المملوكي. منهج المقريزي يذكرنا بما وصل إليه علم الآثار في صورته الحالية، إذ يؤرخ الأثر ويصفه ويحدد استخداماته ويبين لنا تفاعلات المجتمع معه في توثيق متكامل للمكان والحياة فيه وحوله.

ماذا يقدم لنا علم الآثار؟

إن بناء الشخصية الوطنية والتأكيد على مساهمة حضارتنا في المنجز البشري هو ما يقدمه لنا علم الآثار، فالنظرة حاليا تختلف على سبيل المثال لشبه الجزيرة العربية عن النظرة قبل خمسين عاما مضت، إذ إن حياة الإنسان والغابات وحتى صنانير صيد الأسماك على ساحلي عُمان والإمارات المتحدة جعلت لنا تصوراً مختلفاً عما كنا نعتقده عن هذه الصحراء الجرداء الآن.

كما أن هناك قناعة حالياً بأن لغة ما سادت في المنطقة من الخليج العربي إلى المغرب، وليس أدل على ذلك من تشابه قواعد النحو والصرف في لغة قدماء المصريين مع اللغة العربية، ووجود مشترك كبير بين لغة القدماء المصريين والأمازيغية التي سادت بين ليبيا والمغرب.

هناك تراث معماري إسلامي مشترك صاغته فلسفة إسلامية مستمدة من فقه العمارة الإسلامية الذي يحدد طبيعة العمارة وتخطيطها، ومن دون دراسة فقه العمارة الإسلامية ستكون هذه العمارة مجرد حجارة متراصة ذات شكل جمالي، لكن مع دراستها عبر فقه العمارة سنرى فلسفة ورؤية خلف كل حجر.

وتدل الوقفيات الإسلامية على استيعاب أجدادنا لفكرة صيانة الأثر والحفاظ عليه، واستخلص الدكتور بديع العابد في كتاب له عن الحفاظ من خلال الأوقاف، رؤية عربية متكاملة لترميم الآثار، كما أن للدكتور حسام مهدي جهوداً محمودة في هذا الاتجاه.

يجب أن نعتد بمواقع ما قبل التاريخ في العالم العربي التي نملك منها الكثير، كموقع «المسيلة» في الجزائر؛ المسجل على قائمة التراث العالمي.

إلى أين يتجه علم الآثار حالياً في ظل ما سبق؟

يتجه علم الآثار نحو التفاعل مع المجتمع، بخاصة في ظل العالم الرقمي، فالمسح الثلاثي الأبعاد جعل هناك شغفاً أكثر بالماضي، كما أن الأفلام الوثائقية والتسجيلية، بل حتى الروائية كفيلم «طروادة» تعيد الاهتمام بالعديد من المواقع الأثرية حول العالم، لذا فإن الآثار صارت أحد محاور التنمية الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، وقيمة مضافة لأي مجتمع، فهل نستطيع بعد هذا كله بناء نظرية عربية لعلم الآثار؟ في حقيقة الأمر، نعم، فهذه النظرية تبدأ بالعظة والعبرة والتأمل في آثار الأمم السابقة ثم دراسة تراث أجدادنا سواء في الصحراء الشاسعة أم في الأودية الزراعية كالعراق ومصر وصولا إلى البحث عن إدماج هذا في الجهود الرامية للتنمية، فمدينة وادان في موريتانيا، وهي في حاجة إلى ترميم وإنقاذ عاجل، إذا تم ترميمها ستشكل قيمة مضافة للتراث المعماري الإسلامي ومزاراً سياحياً فريداً لكونها مدينة تراثية متكاملة في قلب الصحراء، وعاملا لبناء الشخصية الوطنية الموريتانية.

عن موقع جريدة الحياة


"الحياة" صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت "الحياة" سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت "الحياة" لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت "الحياة" منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت "الحياة" وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل "الحياة" رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم "الحياة" نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.




Audiolangues - mp3 en arabe   Audiolingua - mp3 en arabe   Educasources - Accueil   EduSCOL - Le site d'information des professionnels de l'éducation   Le Bulletin officiel - Ministère de l'Éducation nationale   Portail langues   Portail national de ressources en langues vivantes   Réseau Canopé
موقع اللغة والثقافة العربية الرسمي في فرنسا
رئيسة التحرير : السيدة صوفي تاردي، مفتشة عامة في وزارة التربية - مدير التحرير : السيد علي موهوب، مفتش أكاديمي - مفتش تربوي جهوي
ويب ماستر : السيد محمد بكري، أستاذ اللغة والأدب العربي