موقع اللغة والثقافة العربية
Accueil
الصفحة الأساسية > العالم العربي > قراءات > شخص آخر، نرمين الخنسا (لبنان)، رواية

شخص آخر، نرمين الخنسا (لبنان)، رواية

دار سائر المشرق 2014

السبت 18 حزيران (يونيو) 2016 بقلم محمد بكري


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السادسة والعشرون - العدد 8063 الجمعة 3 نيسان (ابريل) - 14 جمادي الثانية 1436هـ
علي نسر - كاتب لبناني


«شخص آخر» للبنانية نرمين الخنسا : الحب والتعصب المذهبي في المجتمعات العربية


تشكّل رواية نرمين الخنسا الأخيرة «شخص آخر» الصادرة عن دار سائر المشرق، صرخة مدوّية في ظلمات الصمت الّتي تحيط بحركة المواطن على الصعيدين العربي واللبناني…صرخة تحاول إيجاد حيّز لها في ظلّ واقع يتخبّط أهله في شباك رمتها أيادي العابثين في طرقاتهم، حتّى استحال المرء اثنين، والمكان مكانين، والزمن مزدوجًا في اتجاهاته الفوضوية.

تتّخذ الكاتبة عبر راويتها وشخصيتها الأساس «علا»، موضوع الخطف بؤرة سردية يتجمّع فيها الزمن السردي الآني، وكأنّ الكاتبة وعبر هذا الحدث الذي يخيّل إلى القارئ أنه سيكون هو العصب الرئيس في النص، أرادت أن تشير إلى صورة مجتعنا المعرفي الذي ينهل الكتّاب منه حكاياتِهم، وكأنّ هذا مقدّر علينا كلما حاولنا الخروج منه أو عليه يهبط بثقله أكثر ليتكيّف المرء معه ويصبح أمرًا قائمًا ووعيًا فعليًّا، وهنا تكمن الخطورة.

عبر هذا الحدث الغريب بالنسبة إلى من لم يعتدْ عليه، والمألوف بالنسبة إلى من أصبح متكيّفًا معه، تتدفّق القضايا التي أرادت الكاتبة أن تطلّ عليها وتخرجها إلى النور، حيث الأحوال الصعبة التي يعاني منها العرب عمومًا واللبنانيون خصوصًا، مختزَلةً بالانقسامات المذهبية الحادّة، التي خرجت على إطارها السياسي الحضاري، لتقوقع أصحابها في أصداف الهوية الضيقة، إذ تترّس الأهل بدشم المذاهب والطوائف رافضين الآخر، مقفلين باب التفاهم والحوار جرّاء تحريكهم بخيوط غريزية، توحي باختطاف وطن وليس اختطاف مواطنين… مؤكّدة على أن الضياع أصابنا قبل هذه الصورة الدموية المشوّهة، حين أضعنا بوصلة الصراع الحقيقي، متخلّين عن فلسطين كقضية مركزية هي الأَولى التي تستحق النزف والتضحيات. «رحمك الله يا أبي حين كنت تردّد دائمًا، بأنّ العرب اليوم أصيبوا بالحول وأضاعوا بوصلتهم إلى فلسطين.» (ص5).

ولم تعلن الكاتبة عن مخاطر ما يحصل عبر اجترار ما نبّه منه الجميع فنًّا وسياسة ومؤتمراتٍ… إنّما نكاد نشعر بنحيبها عبر الحوارات التي عرفت كيف تديرها من دون السيطرة والتدخّل غير المسوّغ، إنما عبر خيوط جاحظية اعتُمدت في تحريك بخلائه باتقان مخرج مسرحي يتوارى خلف ستارة.. فعبر الحوار الذي تقاسم والسردَ هذه الرواية، قدّمت الكاتبة تحذيرًا هو الأكثر حضورًا في النص، حين أشارت إلى انسحاب هذه التشنجات التعصبية على أوساط المثقفين والطلّاب الجامعيين، وكأنّ كبريت الفتنة تدبّ ناره في الورقة الدفاعية الأخيرة التي يعوّل عليها.. وقد تمثّلت هذه الصور في أكثر الحالات إنسانية والتي انتهت بالفشل والهزيمة، ألا وهي العلاقات الغرامية التي تمكّنت المذهبية من وضع حدّ لها وإفشالها لتكون تنبّؤًا أو تحذيرًا من مستقبل سوداوي ذي إعصار يحدق بنا وبآفاقنا «إنّ هناك واقعًا جديدًا علينا الاعتراف به وتقبّله والتعامل معه بمنطق وواقعية…» (ص74). وما التركيز على فكرة الشخص الآخر المتواري في عباءة جلودنا إلا إشارة إلى تلك الصورة المقبلة، حيث المرء قد يدفع ثمن الالتباس والاشتباه بطريقة بسيطة جدا. وهذه الازدواجية تكمن خطورتها حين يحمل الشخص في داخله ضده.. وهذا ما أشارت اليه عبر تبئير شخصية كريم والعلاقة بين سحر وكمال.. رغم أنّ الأمل لم ينقطع وأكثر ما تجسّده شخصيتا «ماجدة» وخالها «وائل» اللّتان لم يظهر منهما سوى الجانب الإنساني رغم الاختلاف المذهبي مع البطلة.

تسعى الكاتبة إلى تكريس فكرة أنّ النفوس هي التي تتغيّر، ولكننا نرمي ونسقط انقلاباتنا على الظروف والعوامل المحيطة من أمكنة وأزمنة وتحوّلات «… الزمن قد تغيّر وغيّر معه مسار أشياء كثيرة في حياتنا… الزمن لم يتغير، الناس هم الذين تغيّروا فقط بعد أن شرّعوا أبوابهم للجهل وللتعصب المذهبيّ وهو ما سيودي بنا إلى هاوية..» (ص75) فترى أنّ المكان الأكثر خطورة في الرواية وهو القبو حيث كانت مرميّة، ليس قبحه بديكوره وتضاريسه من غبار ورطوبة وعفونة… بقدر ما هو قبيح بمن يخترقه من بشر، مؤكّدة أنّ الانسان هو الّذي يجمّل المكان أو يقبّحه، هو الذي يستخدم الأشياء إيجابًا وسلبًا متّهما الوسيلة بالبشاعات… فالقبو الذي لم يحمل سوى التهديد بالموت والقضاء على أنفاس الحياة، هو نفسه كان مقعدًا لمواعيد العشق من قبل… فلماذا نرمي إخفاقاتنا على المكان والزمان والظروف. «ورحت أتلمّس القلوب المتشابكة المحفورة فيه التي يخترقها رمح الحب، وأنا أبتسم بمرارة لتلك المفارقة. فهذا القبو الذي سيشهد واقعة قتلي، لا بدّ أنّه كان في السابق عشّ حبّ أو شاهدًا عليه» (ص43).

هذا الواقع المأساوي، دفع البطلة إلى النكوص كأولية دفاعية، إذ ارتدّت إلى الماضي مختبئة فيه من رياح الحاضر السموم، وكأنّ هذا متوارث باللاوعي الجمعي عند العربي إذ ارتبطت حياته بماضيه أكثر من حاضره ومستقبله بعكس باقي خلق الله، فترتدّ إلى الذكرى عبر استرجاعات غزيرة، مشيرة إلى شعورها بالنقص والدونية أمام الظرف المهين والمذلّ الذي أصاب الوطن عبر اختطافها لتشعر بأنها مترهلة لا تصلح لشيء. «ألهي نفسي بذكريات حزينة وسعيدة. وبأفكار مشوّشة. أتشبّث بأحلام وآمال من أجل تبديد خوفي وقلقي المتواصل من أن يقتلني الخاطفون وينساني العالم. العالم.. ههه ومن تراني أكون أنا بالنسبة إلى العالم» (ص151).

وعلى الرغم من هذا الجو المخيف، إلا أن الكاتبة تخترق تلبّد الغيم بنجم التفاؤل مطلقة رؤيتها في محاربة هذه الظروف الانهزامية، عبر تحدّي الموت المجاني وانتشار الفكر المذهبي المتطرف، بالحياة والفن والإبداع والانفتاح على الآخر. «… الفن الراقي الذي أجد فيه الخلاص الوحيد لنا وللوطن، لأنه فوق التفاهمات المشبوهة ولعبة المصالح ولأنه الرسالة الأنبل والتعبير الأرقى والفضاءات الملونة التي تجلب الفرح وتسمو بالرؤية إلى أعلى مستويات الإبداع.. عملية الإبداع الوحيدة التي تساهم في توليد الجمال ونشره في كل أصقاع الأرض» (ص53).

وقد أثبتت الكاتبة أن الرواية ليست موضوعًا فحسب، إنما هي فنية ذات جبلة خاصة، وقد عرفت كيف تدير عملها مستخدمة الراوي المشارك ذا الفاعل الداخلي والذاتي، رغم مخاطر هذا النوع من الرواة.. بالإضافة إلى توظيف الوقفات الوصفية في التحليل ووصف الأمكنة التي لم تسهم في إبطاء السرد فحسب، إنما قدّمت عبرها مشاهد حية متحركة مرة وساكنة مرات.. أما من الناحية الزمنية، فإن الزمن السردي لم يستغرق أكثر من ستة أيام، ما يشير إلى اتّكاء الكاتبة على عصا الماضي عبر استرجاعات استغلّت حدث الاختطاف الراهن لاستعراضها، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل بإمكان مخطوف أن يستعرض هذه التفاصيل الدقيقة؟ والمستعرَض كان ذا أهمية أكثر من الحدث الآني. فهل كانت الكاتبة تحتاج إلى عملية خطف لسرد وعرض ما تريد تقديمه؟ فهذا انعكس خلخلة بسيطة على الحبكة التي ازدوجت هي الأخرى كأنّنا أمام حكايتين مفصولتين.

ويبقى أن نشير إلى ما انتهت به الرواية من نهاية مفتوحة تشير إلى مدى احترام الكاتبة متلقيها، إذ تعمل على جعلهم إيجابيين يشاركون في كتابة النص كشركاء أساسيين في الكتابة.

عن موقع جريدة القدس العربي الجديد

عن موقع جريدة القدس العربي

المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.




Audiolangues - mp3 en arabe   Audiolingua - mp3 en arabe   Educasources - Accueil   EduSCOL - Le site d'information des professionnels de l'éducation   Le Bulletin officiel - Ministère de l'Éducation nationale   Portail langues   Portail national de ressources en langues vivantes   Réseau Canopé
موقع اللغة والثقافة العربية الرسمي في فرنسا
رئيسة التحرير : السيدة صوفي تاردي، مفتشة عامة في وزارة التربية - مدير التحرير : السيد علي موهوب، مفتش أكاديمي - مفتش تربوي جهوي
ويب ماستر : السيد محمد بكري، أستاذ اللغة والأدب العربي