موقع اللغة والثقافة العربية
Accueil
الصفحة الأساسية > العالم العربي > بيبليوغرافيا وموارد > اللغة العربية في روسيا القيصرية : رؤية تاريخية

مقال صحفي

اللغة العربية في روسيا القيصرية : رؤية تاريخية

السبت 20 حزيران (يونيو) 2015 بقلم محمد بكري


جريدة القدس العربي


السنة الخامسة والعشرون ـ العدد 7681 الثلاثاء 4 آذار (مارس) - 3 جمادي الأولى 1435 هـ
جريدة القدس العربي
ناظم مجيد حمود، باحث وأُستاذ جامعي / روسيا


شغل تعليم ودراسة اللغة العربية وآدابها وتاريخ الشعوب الإسلامية وثقافاتها مكان اللُب في مجمل الدراسات الشرقية المبكرة في روسيا القيصرية. وتمت إجراءات التعليم والبحث الأكاديمي استناداً إلى لائحة النظام الداخلي العام للجامعات الروسية التي أُقرت في الخامس من تشرين الثاني عام (1804)، وفرضت استحداث كراسي اللغات الشرقية في أقسام علوم اللغات، بعد إعادة بناء الجهاز الإداري والأكاديمي في جامعة موسكو وتأسيس جامعتي قازان وخاركوف،. وحينذاك كان يقصد باللغات الشرقية، في روسيا كما هو في أوروبا، لغات الإنجيل ولغات الشرق الإسلامي. ويُذكر أن أول مدرسة روسية لإعداد المعلمين تأسست في عهد القيصر أَلكسندر الأول في مدينة بطرسبورغ عام (1803)، وفي السنة التالية رُقية إلى معهد التربية، وفي الثامن من شباط عام (1819) حوّل إلى جامعة بطرسبورغ بمفهومها الحديث، واليوم تواصل رسالتها التربوية والتعليمية كواحدة من أهم وأكبر الجامعات الروسية والأوروبية.، وفي هذا المعهد أنشأ كرسيان للغات الشرقية هما: كرسي اللغة العربية وكرسي اللغة الفارسية. وللشروع في تدريس هاتين المادتين دعت وزارة المعارف الروسية المستشرقين الفرنسيين ديمانش (ت:1839) وشارموا (1793-1868)، وفي نهاية آذار (1818) بدءا التدريس. وكلاهما كان يحمل لقب بروفيسور. ولغرض مساعدة المستشرقين الفرنسيين في توجيه الدروس العملية لطلاب اللغتين العربية والفارسية عُين الأستاذ ميرزا توتشيباتشيف مدرساً، وكان الأستاذ ميرزا ذا معارف علمية عالية.

تدريس اللغة العربية

في تاريخ الاستشراق الروسي يُعد عام (1818) عاماً مشهوداً. إذ بدأ في نهاية آذار، كما ذكرنا، تدريس اللغتين العربية والفارسية في معهد التربية المركزي، وفي الحادي عشر من تشرين الثاني قررت إدارة أكاديمية العلوم الروسية إنشاء قسم خاص بالأوسمة والمسكوكات والمخطوطات والكتب الشرقية وعينت المستشرق كريستيان فرين (روسي النشأة ألماني الأصل) خازناً لهذا القسم الجديد. وهكذا جرى في عام (1818) تأسيس مركزين أكاديميين في مدينة بطرسبورغ قاما بدور كبير في تطوير علم الاستشراق الروسي: الأول في معهد التربية المركزي، الذي شكل نواة كلية اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ (تأسست عام1855)، والثاني المتحف الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم الروسية (تأسس عام 1818)، أول مؤسسة أكاديمية للبحوث والدراسات الشرقية في روسيا.

وبعد مضي عامين على إعادة تأسيس جامعة بطرسبورغ، وتحديداً في عام (1819) أُنشئت ثلاثة أقسام جديدة في كلية التاريخ والآداب هي:1- قسم التاريخ، 2- قسم الآداب، 3- قسم العلوم الشرقية. وفي القسم الأخير درّس الأستاذ الفرنسي ديمانش مادة اللغة العربية، ودرّس الأستاذ الفرنسي شارموا مادة اللغة الفارسية. وأدار الدروس التطبيقية في هاتين المادتين المدرس ميرزا توتشيباتشيف. وإثر استقالة كل من الأستاذين ديمانش وشارموا من جامعة بطرسبورغ عام (1821) كلف المدرس توتشيباتشيف بمهمة تدريس مادتي اللغة العربية واللغة الفارسية، بعد أن رُقي إلى درجة أستاذ مساعد، وحينذاك ترأس كرسي علوم اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبورغ.. وفي عام (1822) دعت جامعة بطرسبورغ المستشرق الشاب يوليان سينكوفسكي (1800- 1858) للتدريس في الجامعة، وبدأ في (18/ آب/ 1822) تدريس مادتي اللغة العربية واللغة التركية على الرغم من أن تدريس مادة اللغة التركية أدخل، رسمياً، في الجامعات الروسية عام (1835). وتميزت محاضرات البروفيسور سينكوفسكي بالمعارف العلمية الغنية والمعلومات الواسعة الضرورية. واجتهد في إطلاع طلابه على مصادر المعرفة الحيّة، هذا ما يؤكده طلابه ومريدو مجالسه العلمية والأدبية ومنهم العالمين غريغوريف وسافيليف. وبعد فترة وجيزة من عمله في تدريس اللغات الشرقية بدأت اهتمامات العلامة يوليان سينكوفسكي بعلوم الاستشراق تتراجع مسجلة ميلاً واضحاً نحو النشاطات الأدبية والثقافية، الأمر الذي دفعه عام (1834) إلى إصدار مجلة (مكتبة المطالعة) وتدريجياً تفرغ للعمل في المجلة وانقطع عن التدريس، وآنذاك فقدت الجامعة أستاذاً قديراً وكسبت المحافل الأدبية الروسية أديباً وناقداً فذاً..، وفي عام (1827) كلف المستعرب فولكوف (تخرج في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة سانت بطرسبورغ عام (1823)، وعمل مساعدا للبروفيسور يوليان سينكوفسكي منذ عام (1824)، والعلامة لاحقاً في المتحف الآسيوي) بتدريس مادة اللغة العربية وآدابها لطلاب السنة الأولى في الجامعة.

مراكز الاستشراق

جدير بالذكر أن وزارة الخارجية الروسية أنشأت يوم 29 أيار عام (1883)، قسماً لتعليم اللغات الشرقية في الدائرة الآسيوية التابعة للوزارة. وجرى في هذا القسم تدريس اللغات: العربية والفارسية والتركية. وهكذا أصبح، مع نهاية عشرينات القرن التاسع عشر،عدد مراكز الاستشراق في مدينة بطرسبورغ وحدها أربعة : 1- قسم علوم اللغات الشرقية في جامعة سانت بطرسبورغ. 2- المتحف الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم الروسية. 3- قسم تعليم اللغات الشرقية التابع للدائرة الآسيوية في وزارة الخارجية الروسية. 4- قسم المخطوطات الشرقية في المكتبة الإمبراطورية الروسية.

وعاماً بعد عام ساهمت هذه المؤسسات في إرساء تقاليد دراسة علوم لغات وتاريخ وأديان وثقافة شعوب الشرق وخلقت ظروفاً مواتية لنمو وتطورٍ عاصفٍ في حقول علم الاستشراق في بطرسبورغ وروسيا عموماً. الأمر الذي حثَّ العلماء- المستعربين: فرين وشارموا وسينكوفسكي على توزيع مذكرة مشتركة في عام (1829) طالبوا فيها الجهات المعنية افتتاح صفوف دراسية خاصة بعلوم اللغات الشرقية وآدابها. وفي وقت لاحق فرضت اللائحة الجديدة لميثاق الجامعات الروسية،أُقرت عام (1835)،على أقسام التاريخ والآداب وكليات الفلسفة في الجامعات والمعاهد إدخال تدريس اللغات الشرقية في مناهجها الدراسية وخصوصا العربية والتركية والفارسية والتترية والمنغولية. ومع أنَّ اللائحة المذكورة نصت على تدريس اللغة المنغولية إلا أن تدريس هذه المادة لم يتم إلا بعد عشرين عاماً.، ومن الملائم أن نذكر أنه حتى ثلاثينات القرن التاسع عشر كانت اللغات الشرقية تدرس في الجامعات والمعاهد الروسية التالية: جامعة بطرسبورغ، جامعة قازان، معهد لازاريّف للغات الشرقية في موسكو،تأسس عام (1815)، المعهد الشرقي في أوديسا..

وأُنشئ في جامعة بطرسبورغ، استناداً إلى ميثاق الجامعات الروسية المُقر عام (1835)، قسم العلوم الشرقية في كلية الفلسفة وضم ستة كراسي هي: 1- كرسي اللغة العربية وآدابها. ترأس هذا الكرسي، حتى عام (1847)، البروفيسور يوليان سينكوفسكي، وعاونه في تدريس مادة اللغة العربية وآدابها المستعربون: فولكوف (توفي عام1846) وموخلينسكي (1808-1877) وكاظم بيك (أول عميد لكلية اللغات الشرقية). ودُعي، بعد اعتزال البروفيسور يوليان سينكوفسكي التدريس، العلامة المصري الشيخ محمد عياد الطنطاوي للإشراف على تدريس مادة اللغة العربية وآدابها، وقبل ذاك ومنذ عام (1840) كان الشيخ الطنطاوي يشغل منصب أستاذ في قسم اللغات الشرقية التابع للدائرة الآسيوية بوزارة الخارجية الروسية. 2- كرسي اللغة الفارسية وآدابها. 3- كرسي اللغة التركية وآدابها. أدرج تدريسها في لائحة النظام الداخلي للجامعات الروسية عام (1835). 5- كرسي اللغة الجورجية وآدابها. بدأ تدريس هذه اللغة عام(1841). 6- كرسي اللغة الأرمنية وآدابها. شرع في تدريس هذه اللغة عام (1845). وتشير المصادر إلى أن لائحة النظام الداخلي للجامعات الروسية عام (1835) لم تتضمن تدريس اللغتين الجورجية والأرمنية.

كلية اللغات الشرقية

وتذكر المصادر الروسية أن أقسام اللغات الشرقية وآدابها في الجامعات الروسية واجهت في أربعينات القرن التاسع عشر أزمة حادة كادت أن تلحق ضرراً فادحاً بالاستشراق الجامعي بسبب عدم وضوح رسالة وغاية الاستشراق الروسي والاتجاهات التي ينبغي أن يعمل وفقها. هذا الأمر أشار إليه بوضوح تام مسؤول دائرة التعليم في مدينة بطرسبورغ عام (1848) قائلاً: لم تبلغ برامج تدريس اللغات الشرقية وآدابها غايتها. بمعنى، لم يجر دراسة لغات وآداب وتاريخ الشرق وفق منهج منفصل وشامل، وإنما اقتصر الأمر، بالنسبة للدارسين،على هدف الحصول على مقعد دراسي في الجامعة أو على لقب مرشح في العلوم.. وكانت غالبية الطلبة الذين انتسبوا إلى أقسام علوم اللغات الشرقية لم يملكوا معارف مسبقة عن الشرق وعلومه، وحتى بعد تخرجهم في الجامعة لم يشتغلوا في علوم الاستشراق!.

وفي عام (1848) أعلن مسؤول دائرة التعليم، في مذكرة وزعها في بطرسبورغ؛ بأن لا جدوى من بقاء أقسام علوم اللغات الشرقية على نحو ما هي عليه، لذا يقتضي الواجب إما النهوض بها وتطويرها أو إغلاقها. واقترح حصر تدريس علوم اللغات الشرقية في جامعة قازان. وفي هذه المذكرة عدّدَ مسؤول دائرة التعليم نواقص الاستشراق الجامعي وطرح الحلول التي رآها مناسبة وأصر على أن يقتصر تدريس علوم اللغات الشرقية على جامعة قازان. هذه المقترحات لم تحظ بموافقة وزير المعارف الذي أصدر تعليمات تقضي بالمحافظة على كراسي اللغات الشرقية في جامعة سانت- بطرسبورغ والجامعات الروسية، معللاً ذلك بحاجة الحكومة وأجهزتها إلى مترجمين ومبعوثين إلى أقاليم ما وراء القوقاز لجمع الضرائب والمحاصيل. ولغرض النهوض بمؤسسات الاستشراق الروسي ظهر في تشرين الثاني عام (1851)، بعد أن سجل الاستشراق في جامعة قازان تراجعاً ملموسا، مشروع جديد يدعو إلى توحيد كراسي علوم اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ وجامعة قازان والمعهد الشرقي في أوديسا وقسم تعليم اللغات الشرقية التابع للدائرة الآسيوية بوزارة الخارجية الروسية، في مؤسسة تعليمية، اقترح المشروع تسميتها (المعهد الآسيوي في بطرسبورغ) غير أن هذا المشروع واجه معارضة قوية من المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الروسية، الأمر الذي دفع السلطات المعنية إلى إبداله بفكرة استحداث كلية للغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ. وفعلاً أصدرت الحكومة الروسية مرسوماً، في الثاني والعشرين من تشرين الأول عام (1854)، قضى بتحويل قسم اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ إلى كلية للغات الشرقية. وكان هدف المرسوم: دراسة اللغات الشرقية وفق منهج سليم.. وحصر تدريسها في جامعة بطرسبورغ التي وضعت الحكومة الروسية تحت تصرفها مصادر مالية وكفاءات بشرية كبيرة للنهوض بهذا الحقل الهام والواسع من حقول العلم والمعرفة.

وبلا شك لم يجر اختيار جامعة بطرسبورغ لتكون مركزاً لدراسة علوم اللغات الشرقية مصادفة، بل جاء لأسباب عديدة نذكر أهمها : 1- وجود الأساتذة والمدرسين والباحثين في علوم اللغات الشرقية. 2- تَوفّر المصادر العلمية والدينية والثقافية والمناهج التعليمية في مكتبات ومتاحف ومعاهد سانت بطرسبورغ. 3- سهولة الاتصال بين وزارة المعارف الروسية وأجهزتها الإدارية والتربوية في بطرسبورغ (العاصمة). 4- وجود ثلاثة مراكز أكاديمية وتعليمية وببلوجرافية حكومية لدراسة لغات وآداب وتاريخ بلدان الشرق وثقافاتها.

وفور تأسيس كلية اللغات الشرقية في جامعة سانت- بطرسبورغ انضمت إليها أقسام علوم اللغات التالية: 1- اللغة العربية. 2- اللغة الفارسية. 3- اللغة التركية- التترية. 4- اللغة المنغولية- الكلميكية. 5- اللغة الصينية. 6- اللغة العبرية. 7- اللغة الجورجية. 8- اللغة الأرمنية. 9- اللغة المنشورية.، وبعد إعادة تشكيل مؤسسة الاستشراق في جامعة بطرسبورغ تم جمع هذه الكراسي التسعة في خمسة أقسام تشكلت منها كلية اللغات الشرقية: 1- قسم اللغات العربية والفارسية والتركية والتترية. 2- قسم اللغات المنغولية الكلميكية التترية. 3- قسم اللغتين الصينية المنشورية. 4- قسم اللغتين العبريةـ العربية. 5 – قسم اللغتين الأرمنية ـ الجورجية.

ونذكر أن البند الرابع من مرسوم الحكومة الروسية الصادر في تشرين أول عام (1854)، الذي نص على إلغاء تدريس علوم اللغات الشرقية في جامعة قازان والمعهد الشرقي في أوديسا، حافظ في الوقت ذاته على تدريس مادة اللغة التترية في جامعة قازان. هذا وبعد أقل من عام على صدور مرسوم الحكومة الروسية تم افتتاح كلية اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ في السابع والعشرين من شهر آب عام (1855). وفي غضون ذلك تم تعيين العلامة كاظم بيك (بطريارك الاستشراق الروسي) عميداً للكلية وشغل هذا المنصب حتى عام (1858). وفي حفل افتتاح الكلية عام(1855) حدد البروفيسور كاظم بيك رسالة الكلية على النحو التالي: رسالة كليتنا ذات طبيعة تطبيقية صرفة مرتبطة بالحياة اليومية وهي: إعداد كوادر شابة للعمل في دوائر وزارة الخارجية الروسية المعتمدة في بلدان الشرق, وأساتذة ومدرسين في لغات وتاريخ الشرق.

الموروث العربي والإسلامي

وبوسع المرء القول، أنَّ إنشاء كلية اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ وانضمام الأقسام الشرقية في جامعة قازان ومعهد أوديسا إليها، وتوظيف الخبرات والمعارف العلمية الرفيعة عند أساتذة ومدرسي الكلية في العملية التعليمية، أدى إلى الارتقاء بمنهجية وشمولية تدريس لغات وآداب وجغرافية شعوب الشرق وتاريخها وثقافاتها، وزيادة حيوية وفاعلية الاستشراق الروسي، الذي كان له، دون منازع، أثر عظيم في تطوير الدراسات الشرقية، التعليمية والأكاديمية، ووضعها على أعقاب مرحلة جديدة خلقت ظروفاً مواتية لنمو عاصفٍ في مجال ترجمة المؤلفات العربية الكلاسيكية وتحقيق المخطوطات، والتوسع في دراسة الموروث الحضاري العربي والإسلامي، وتعاظم الاهتمام في تدريس اللغات الشرقية وآدابها وتاريخ وثقافة شعوب الشرق في الجامعات والمعاهد الروسية، وإيفاد البعثات العلمية والدبلوماسية والإرساليات الدينية إلى بلدان الشرق ومراكز الاستشراق في دول أوروبا.

وهكذا يكون الاستشراق الروسي التعليمي والأكاديمي، ومنذ عشرينات القرن التاسع عشر، قد ساهم وبفاعلية في زيادة الاهتمام في روسيا القيصرية بإرث الحضارة العربية والإسلامية المدون، وبات المضمون الأساسي للأدب العربي، عند الباحثين والأُدباء الروس، يتحدد في تجسيده أصالة الحياة الاجتماعية والروحية للشعب العربي ومصيره التاريخي. وفي النصف الأول من القرن ذاته شهدت روسيا حركة ترجمة نشطة لعدد كبير من مدونات الموروث العربي والإسلامي الأدبية والتاريخية والدينية. وتركزت جهود المستشرقين على المؤلفات الأساسية ذات الصلة بمناهج تعليم اللغة العربية وآدابها، وتاريخ العرب والمسلمين، والديانة والعقيدة الإسلامية وشريعتها، وصرفوا علمهم في تحقيق وترجمة المخطوطات العربية النادرة المحفوظة وبوفرة في خزائن معاهد وكليات الاستشراق الروسي، التي شرعوا في جمعها رسمياً،منذ عصر بطرس الكبير،وبتوجيه من الوزارات والدوائر المعنية حتى غدت روسيا في العصر السوفييتي إحدى دول العالم الخمسة (تركيا، إيران،مصر،العراق وروسيا)،الأكثر اقتناءً للمخطوطات العربية والإسلامية.

ألف ليلة وليلة

ولذا ليس من قبيل الصدفة في رأي المستعربين الروس′ أن تتجلى من قرن لآخر وبقدر متزايد دوماً المزايا الفنية الرفيعة للأثر الشعبي العربي (ألف ليلة وليلة)’ الذي أشْهَرَ إعجابه الشديد به الكاتب القدير نيكولاي تشيرنيشيفسكي (1828-1889)، في كتابه (قصة القصص) وقال أنه صادف في الأدب العالمي نتاجات أردأ منها (الحكايات)، ولكنه لم يصادف ما هو أفضل منها مطلقاً. ولعلي كنت شاهداً في أواخر ثمانينات القرن العشرين على تلك المقايضة الحضارية الفريدة المتداولة بين مطابع الحكومة السوفيتية والقارئ الروسي، الذي كانت إحدى أُمنياته الحصول على نسخة روسية فاخرة من مجلدات (ألف ليلة وليلة). والطريف أنَّ كل ما كان عليه هو جمع عشرات الكيلو غرامات من الجرائد والمجلات التي قراءها على مدى أشهر طويلة ورزمها بعناية. ويومها لاحظت تلك البهجة الفاخرة التي غطت وجوه أولئك الذين ضفروا بهذه الغنيمة الباذخة مدفوعة الثمن. يا لها من معادلة بديعة وبسيطة. ومع هذا مجموعها ومحصولها واحد هو تشجيع الناس على القراءة، قراءة تراث شعوب الشرق الإسلامي وغير الإسلامي. ولا أدري أُي شعور تملكني وأنا أراقب ذاك المشهد، الذي لم ألف مثيلاً له في بلادنا، بلاد (ألف ليلة وليلة)، أهو الاعتزاز بإرثي الأدبي أم القنوط مما هو عليه حال المبدعين والقراء العرب الذين كانوا يلاحقون ويزجون في زنزانات ودهاليز نتنة دامسة الظلام مروعة، فقط لأنهم قرؤوا كتاباً أو تداولوا قصيدة كتبها شاعر اعتز بقومه أو ثقافته أو حتى حبيبته!. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أقول؛ هل من المعقول بل ومن الواعز الديني أو الخلقي أن يُحرم مواطن عربي من رؤية بلده عشرات السنين أو يُذل ويقهر في زنزانات أنظمة الاستبداد والطغيان، ولا أقول تنتزع روحه انتزاعاً غير مسوف عليها! لأنه أعجب وحسب بثقافة وأدب شعب ما أو ترجم ضرباً منهما. وما هو مدهش حقاً أن العرب تعلم أبناءها منذ الصغر، وبإصرار، مادتي القراءة والإنشاء (التعبير) في مدارسها الحكومية والأهلية، وحين يبلغ التلميذ من الوعي والإبداع الملحوظ أشده يداهمه على غرة بلاء المعرفة وأهوالها، التي يحسبها الآخرون هبة الله لبني أدم ونعمته. وما أعرفه وغيري أن العرب هي مَنْ قالت قبل نصف قرن من الزمان وأزيد؛ (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ)!.

امرؤ القيس وعنترة ونحلة الشمال

عملياً يمكن اعتبار النصف الأول من القرن التاسع عشر في تاريخ العلم الروسي,عصر تشكل الاستعراب الرسمي في روسيا والانفتاح على المؤلفات الفكرية العربية والإسلامية، وزيادة اهتمام المستعربين الروس بالمرحلة الكلاسيكية للغة العربية وآدابها وتاريخ المجتمع العربي وثقافته. كما وشهدت هذه المرحلة نشاطاً ملحوظاً، وتميزت بجمع المخطوطات والكتب العربية النادرة من مصادر مختلفة. وقامت القنصليات والإرساليات الروسية في الشرق الأدنى بدور كبير في اقتناء الآثار العربية والإسلامية المدونة من بلدان الشرق الإسلامي والتي تشكل اليوم،كما ذكرنا أنفاً، ثروة غنية في روسيا.، وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر توسع الاهتمام في روسيا بلغة وآداب العرب وتاريخهم، الأمر الذي انعكس على صفحات الجرائد والمجلات والدوريات الثقافية والأكاديمية الروسية، وحينها نشرت مقالات وتحقيقات عن مصر والعراق وسوريا وفلسطين وبلدان المغرب العربي. وتدل مصادر الاستعراب الروسي أنَّ أول ترجمة روسية لسيرة (عنترة) صدرت في روسيا عام (1833) أعدها الكاتب والمستشرق يوليان سينكوفسكي، حينذاك كان ينشر باسم مستعار (البارون برامبيوس). واعتباراً من عام (1840) أخذت المجلة الأدبية ‘سيفيرنايا بتشيله ‘ (نحلة الشمال) التي أصدرها ، تعرف القراء الروس بانتظام على أفضل إبداعات الأدب العربي. كما وترجمت عام (1863) معلقة الشاعر امرئ القيس إلى اللغة الروسية وقد تأثر بها لاحقا الأديب الروسي المعروف إيفان بونين الحاصل على جائزة نوبل للآداب، الذي نظم قصيدة بعنوان (امرؤ القيس) ولهُ أيضاً قصائد من وحي الآثار العربية والإسلامية (أنظر القدس العربي21/1/2014،ص؛10). ولاحقاً، في عام (1889)، صدرت ترجمة (كليلة ودمنة). ومنذ تلك الحقبة جذب وباستمرار إرث عصر الخلافة الإسلامية المتألق انتباه المستشرقين بفضل ما بلغته الآداب والعلوم والثقافة العربية الإسلامية من ازدهار رفيع.

العلماء والمدرسون العرب

ساهمت التحولات السياسية وحروب الاستعمار الغربي في الشرق الإسلامي وخصوصاً (المسألة الشرقية)، التي كانت إحدى أبرز المشاكل العظمى في السياسة الأوروبية، أواخر القرن التاسع عشر، في نهوض وترعرع الاستشراق الروسي، شأنه شأن الأوروبي عموماً. كما وأدت موجة مناهضة الاستبداد والاستعمار إلى تغيير في النظرة الشاملة تجاه الشرق العربي وقضاياه العادلة. وطرح تزايد اهتمام روسيا بهذه المنطقة وتعاظم نفوذها في بعض الولايات العثمانية أمام الاستعراب الروسي مهام جديدة. وطفقت نخبة من العلماء والدبلوماسيين الروس وبعثات الكنيسة الأرثوذكسية إلى الأراضي المقدسة تعالج التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للبلدان العربية وأديانها وطوائفها، في ما توسعت، في الوقت ذاته، الاتصالات مع العلماء والأدباء والمترجمين ورجال الدين من أبناء البلاد العربية والإسلامية، الذين كان لهم إسهام قيّم في تطوير مجمل علوم الاستعراب الروسي التعليمي والأكاديمي، وعرقاناً بعلوم وأعمال أولئك العلماء والمدرسين نذكر منهم: قلزي وصروف والخشاب والشيخ الطنطاوي وبندلي الجوزي وعطايا وغيرهم. وكان من نتائج هذه التطورات إعادة تنظيم الاستعراب الجامعي في بطرسبورغ، بعد أن تم إقرار اللائحة الجديدة للنظام الداخلي للجامعات الروسية عام (1884). ووقتذاك جرى التركيز على تطوير وتعزيز اتجاه البحث العلمي في عمل كلية اللغات الشرقية، ورفد الكلية بذوي الاختصاص والتأهيل العلمي العالي للنهوض بالمهام الجديدة. وبرز من بين هؤلاء العلماء: فاسيليف ومينايف وغالسنوفسكي وبانكانوف وغيرغاس وروزن مؤسس مدرسة الاستشراق الروسي قُبيل ثورة أكتوبر (1917). كما وركز البرنامج التعليمي في كلية اللغات الشرقية بجامعة بطرسبورغ على تدريس المواد التالية: اللغات الشرقية، الآداب الشرقية، تاريخ بلدان الشرق، وشملت المادة الأخيرة تاريخ شعوب آسيا الوسطى والصين وبلاد فارس وتركيا ومصر. واتسم تدريس هذه المواد، حينئذ، بمنهج شامل جمع الأهداف التعليمية- البحثية مع الأغراض العملية- التطبيقية ذات الصلة بمصالح وحاجات الحكومة والمجتمع. إذ أَنَّ؛ )مصالح روسيا كانت دائماً على ارتباط وثيق بالشرق (والشرق عند للمستشرقين الروس، في رأي البروفيسور مينايف، لا يمكن أن يقتصر على ذلك الشرق المطروح في الكتب. واعترافاً بدور الاستشراق الروسي في تطوير الاستشراق الأوروبي عقد في مدينة سانت بطرسبورغ عام (1876) المؤتمر الدولي الثالث لمستشرقي العالم.

مواضيع جديدة

مع تخوم القرن العشرين برزت مواضيع جديدة احتلت موقع الصدارة في دراسات وبحوث المستشرقين الروس منها:1- دراسة بلدان الشرق على ضوء المكتشفات الأثرية الحديثة في أراضي روسيا والشرق الأجنبي، وبرز من بين ممثلي هذا العلم: مايرّ وأربيلي مدير متحف الأرميتاج لاحقاً. 2- دراسة الاتجاهات الجديدة في الآداب الشرقية، نشر في هذا الحقل العالمان سميرنوف وفيسيلوفسكي عشرات الأبحاث.وحينها كان العلامة كراتشكوفسكي أول عالم أوروبي يكتب عن الأدب العربي الحديث،حيث وضع عام (1909) دراسة بعنوان (الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر)، وصف فيها آثار أبرز ممثلي الاتجاهات الأدبية الحديثة: جرجي زيدان وجميل الزهاوي وأمين الريحاني ومحمد تيمور. كما وأعار المستشرق كراتشكوفسكي اهتماماً بالغاً لمبادئ ومناهج دراسة الأدب العربي. ويعود الفضل في دراسة تاريخ الثقافة العربية في العصر الوسيط إلى المؤرخ المعروف بارتولد،إذ أدخل حيز التداول العلمي مادة كبيرة من المصادر العربية والفارسية والتركية ووضع بدايات الدراسات الأساسية لمسائل التطور الاجتماعي والسياسي في الشرق الأوسط في العصور الوسطى. وترك العلامة الأوكراني كريمسكي أبحاثاً وتحقيقات هامة في تاريخ وثقافة ولغات الشعوب السامية وأنجز دراسات منوعة في تاريخ الأدب العربي وعلوم اللغة العربية.

يرى المؤرخ الأكاديمي بارتولد (1869-1930) أن دراسة الشرق في روسيا،حتى بداية القرن العشرين،حققت من الإنجازات الكبيرة ما فاق إنجازات علم الاستشراق الغربي في هذه الفترة. ورغم هذه الإنجازات لوحظ قلة اهتمام المستشرقين الروس بالقضايا والأحداث التي آلمت بالشرق نهاية القرن التاسع عشر وتاريخ واتجاهات الحركات الوطنية في الشرق عموماً. وقد فتحت الحرب العالمية الأولى وما تبعها من أحداث عاصفة في روسيا، مرحلة جديدة في التعامل مع العالم العربي، ويشير المؤرخ نيكولاي دياكوف إلى أن الحماس الثوري بعد الحرب قد حدد بوضوح اتجاه الحركة التحررية في البلدان العربية، ودفعها نحو الاقتراب من روسيا السوفيتية على أساس العداء للاستعمار. فحكومة روسيا الجديدة قد تخلت علانية عن التزامها مع حلفائها في مسألة تقسيم تركيا الآسيوية لدرجة أنها نشرت الوثائق الدبلوماسية السرية لاتفاقية سايكس- بيكو (مايو/1916) التي نصت على خلق مناطق نفوذ في ممتلكات (الباب العالي) العربية.

وهكذا وبعد انتهاء الحرب بدأ عهد جديد في تاريخ الاستشراق الروسي بعامة والاستعراب بخاصة.وكانت المراكز الرئيسية لدراسة اللغة العربية والأدب العربي قبل ثورة أكتوبر عام (1917) في مدن بتروغراد وموسكو وقازان.أما في العصر السوفييتي فأصبحت اللغة العربية – كما يذكر المستعرب غريغوري شرباتوف- تدرس أيضاً في المعاهد العليا المنشأة حديثاً في الجمهوريات غير الروسية.

المخطوطات العربية

تعد مكتبة كلية الدراسات الشرقية بجامعة س.بطرسبورغ من أقدم مكتبات الاستشراق في روسيا ورابطة الدول المستقلة. وفيها تحفظ كنوز ثمينة من مخطوطات وعاديات ومؤلفات نادرة في علوم الشرق باللغات الشرقية والأوروبية، تغطي عصور تاريخية مختلفة.وتشغل المؤلفات العربيةالإسلامية حيزاً كبيراً في خزائن المكتبة. أما تاريخ تأسيس المكتبة فيعود إلى عام (1819)، وآنذاك وبمناسبة افتتاح المكتبة المركزية لجامعة بطرسبورغ،أُهديت،إلى الجامعة،مجموعة مخطوطات ثمينة باللغات العربية والفارسية والتركية والتترية وكتب عن علوم الاستشراق من خزائن (دار التحف)، تأسس سنة(1714)،والمتحف الآسيوي،تأسس سنة(1818)،التابعين لأكاديمية العلوم الروسية.هذه المجموعة شكلت نواة القسم الشرقي في المكتبة المركزية للجامعة، ويوماً بعد يوم أخذت مجموعات القسم تزداد من خلال هبات وهدايا المؤسسات والأفراد. وفي وقت لاحق، وخصوصاً بعد تأسيس كلية اللغات الشرقية عام(1854)، شرعت إدارة المكتبة في شراء واقتناء المخطوطات والكتب والمؤلفات الثمينة بشكل منتظم ومتواصل. وقد أشرف على هذه المشتريات نخبة من المستشرقين والدبلوماسيين والتجار والرحالة الروس.. ونذكر أن مجموعة المخطوطات والكتب النادرة التي جلبت بتعليمات من وزارة المعارف، من جامعة قازان ومعهد أوديسا،هي من أكبر وأغنى المجموعات التي اقتناها القسم الشرقي في مكتبة الجامعة. ولأجل استيعاب هذه المخطوطات والكتب الثمينة شكلت لجنة خاصة ضمت مستشرقين معروفين منهم: كاظم بيك وموخلينسكي وبوبوف وخازن المكتبة بيوش. ومن نتائج أعمال هذه اللجنة أن اقتنى القسم الشرقي مخطوطات نادرة باللغات العربية والفارسية والتركية إضافة إلى عدد من المناهج التعليمية. وفي هذا السياق نذكر أن القسم الشرقي منح في عام (1871) تشكيلة ثمينة من المؤلفات الشرقية عددها (178) مخطوطة من مجموعة البروفيسور كاظم بيك، وكذلك مجموعة العلامة المصري الشيخ محمد عياد الطنطاوي التي أهداها إلى القسم وهي لا تقل أهمية عن مجموعة البروفيسور كاظم بيك..ويمكن أن نلاحظ أن عدد المخطوطات في القسم الشرقي قد بلغ عام(1888)عدة آلاف منها مخطوطات باللغة الفارسية أهدتها عام (1886) اللجنة التحضيرية للمؤتمر الدولي الثالث للمستشرقين، عقد في مدينة بطرسبورغ، إضافة إلى مجموعات أهداها مستشرقون منهم: ليريخ، فيسيلوفسكي، جوكوفسكي، وبقدر ما تطور علم الاستشراق في جامعة سانت-بطرسبورغ ازدادت فائدة وأهمية مجموعات القسم الشرقي التي شكلت أحد مناهل الاستشراق في بطرسبورغ. ولتوصيف نمو هذه المجموعات الغنية نشير إلى أن القسم اقتنى، بين عامي (1888-1917)، حوالى (273) مخطوطة باللغات العربية والفارسية والتركية التترية منها تسع مخطوطات أهداها عام (1911) المستشرق الشاب إغناطيوس كراتشكوفسكي، جلبها من سوريا ومصر…إلى جانب ذلك تظهر أهمية وغنى المجموعات الشرقية التي تلقاها القسم من علماء ومدرسي كلية اللغات الشرقية منهم: سيمونوف، كوفاليفسكي، كوكومتسوف، روماسكيفتش، ميلير، مينايف، كما واشترت مكتبة الجامعة مخطوطات نادرة باللغة الأمهرية من المستشرق لاريونوف. وتنقل المصادر أن أرملة المستشرق فيكتور روزين (1849-1908) أهدت عام (1910) القسم الشرقي كل ما حوته المكتبة الشخصية للعلامة فيكتور روزين، من مؤلفات نادرة باللغات الشرقية والأوروبية. بالإضافة إلى لغات وآداب وثقافات بلدان الشرق الأدنى اهتم علماء وباحثو القسم الشرقي بالموروث الحضاري لشعوب الشرق الأقصى وجنوب آسيا.

وتشهد سجلات مكتبة جامعة سانت – بطرسبوغ بأن القسم الشرقي تلقى مجموعة كبيرة ونفيسة من المخطوطات وكتبا ودوريات نادرة باللغات الصينية والمنشورية والمنغولية والكورية واليابانية والتبتية. أشرف على تصنيفها وفهرستها نخبة من المستشرقين مثل: بيجورون، بوبوف، زخاروف،ألكسندرييف..، أما تصنيف ودراسة المؤلفات الشرقية في القسم من مخطوطات وعاديات وكتب ودوريات فقد بدأ بشكل منظم مع تأسيس كلية اللغات الشرقية عام (1854). والمعروف أن أول فهرس لمخطوطات القسم الشرقي باللغات العربية والفارسية والتركية التترية وضعه الباحث زاليمان خازن القسم (1875-1890) بالتعاون مع المستشرق الأكاديمي روزين.

نقوش ومؤلفات إسلامية

وبعد الحرب العالمية الأولى ازدادت مقتنيات خزائن المكتبة. ففي عام (1917) تسلم القسم الشرقي هدية القنصل أوسبينسكي التي حوت مخطوطات وكتب ونقوش باللغات الصينية والمنشورية، كما واقتنت المكتبة عام (1919) من البروفيسور سميرنوف مجموعة مؤلفات إسلامية طبعت في روسيا.كذلك حصلت المكتبة على كتب ونقوش باللغة اليابانية من مكتبة مدرّس اللغات الشرقية كورونو. ووصلت مجموعة كبيرة من المخطوطات باللغات العربية والفارسية والعبرية من متحف الثورة وغيرها من المؤسسات.وبين عامي (1917-1919) اقتنى القسم الشرقي مجموعة كتب باللغات الأرمنية والجورجية ذات أهمية كبيرة لذوي الاختصاص. وهكذا وصل عدد المقتنيات المدونة في بداية الستينات إلى (185) ألف مؤلف. منها (50) ألف مخطوطة ونقش باللغات العربية والفارسية والتركية والتترية والأذرية والطاجيكية والأوزبكية والتركمانية والقرغيزية والصينية والمنشورية والمنغولية والكلميكية والتبتية والكورية واليابانية وكذلك، باللغات الهندية: السنسكريتية، البالية، التاميلية، الهندية، البنجابية، و(135) ألف كتاب ومنشور ومجلة مكتوبة بأكثر من سبعين لغة. كل هذه المؤلفات تناولت جوانب مختلفة من تاريخ بلدان الشرق (غير السوفييتي) منذ العصور القديمة حتى بداية القرن العشرين، وشملت العلوم التالية: اللغات، الآداب، الفلسفة، الجغرافية، الاثنوغرافيا، الاقتصاد، الطب، الفلك، التقنية وغيرها.

وفي منتصف خمسينات القرن العشرين شرعت مكتبة كلية الدراسات الشرقية في شراء المكتبات الشخصية للمستشرقين الروس وبعض المناهج والكتب التعليمية في علوم الشرق. ففي عام (1955) اقتنت مكتبة الكلية مكتبة المستشرق سميكالوف، الغنية بمصادرها في علوم وآداب الصين، وكذلك أهدى المستشرق روماسكيفيتش مكتبة كلية الدراسات الشرقية كتبا ومؤلفات قيمة من مكتبته الشخصية شملت علوم وآداب اللغة الفارسية وتاريخ وثقافة إيران.

تبادل المطبوعات مع العراق ومصر

ومع بداية عام (1950) شرعت مكتبة كلية الدراسات الشرقية في تبادل الكتب والمطبوعات الدورية مع عدد كبير من مكتبات ومتاحف الاتحاد السوفييتي وكذلك مع مكتبات بعض بلدان الشرق.وحصلت المكتبة الشرقية على مؤلفات مطبوعة من الصين ومنغوليا والهند وإندونيسيا وفيتنام والعراق ومصر وأفغانستان وإيران، وأثيوبيا واليابان وغيرها من الدول.. وخلال السنوات اللاحقة أغنت المكتبة مجموعاتها الشرقية بالأدبيات التي وصلت من الجمعية السوفييتية للعلاقات الثقافية مع البلدان الأجنبية. هذه المجموعات الجديدة شملت مناهج علمية لتعليم اللغات والآداب الشرقية،وساهمت الدول العربية وخصوصاً العراق ومصر في إرسال مؤلفات باللغات العربية والسريانية كما وتلقت المكتبة من أثيوبيا أدبيات باللغة الأمهرية. وبين عامي (1955-1959) وصلت المكتبة هدايا ثمينة باللغات الهندية والبنغالية والبنجابية من رئيس قسم الآداب الهندية في كلية الدراسات الشرقية الدكتور نوفيكوف،وكذلك من الدكتور بالين، والأستاذ بيتشينكو، كذلك مؤلفات باللغة العربية من الدكتور بولغاكوف وكان آنذاك يعمل في مصر، واليوم تحوي خزانة المؤلفات العربية في مكتبة كلية الدراسات الشرقية مخطوطات عربية قيمة ونادرة يربو عددها على الألف وحدة ذات أهمية متميزة، وكثير منها لا مثيل له في باقي مكتبات روسيا ورابطة الدول المستقلة.

عن موقع جريدة القدس العربي

- المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.




Audiolangues - mp3 en arabe   Audiolingua - mp3 en arabe   Educasources - Accueil   EduSCOL - Le site d'information des professionnels de l'éducation   Le Bulletin officiel - Ministère de l'Éducation nationale   Portail langues   Portail national de ressources en langues vivantes   Réseau Canopé
موقع اللغة والثقافة العربية الرسمي في فرنسا
رئيسة التحرير : السيدة صوفي تاردي، مفتشة عامة في وزارة التربية - مدير التحرير : السيد علي موهوب، مفتش أكاديمي - مفتش تربوي جهوي
ويب ماستر : السيد محمد بكري، أستاذ اللغة والأدب العربي