150 عاماً على حلم وسط القاهرة

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الأحد 11-06-2017
الصفحة : ثقافة
أسامة فاروق


150 عاما على حلم"وسط القاهرة"..مثلث وهمي يحمل بذرة الحداثة


لم يكن يكفي مجرد تشييد المباني الناقصة لتحويل القاهرة إلى لندن أو باريس من تماثيل وسط البلد وسط البلد من زوايا مختلفة ألوان من تماثيل وسط البلد نوستالجيا


بورتريه منحوت ومحاط بالورود لشاب غربي الملامح يرتدي البيريه، يزين حوائط إحدى عمارات شارع البستان في وسط القاهرة. من هو هذا الشاب؟ لا أحد يعلم، ربما مررت عليه عشرات المرات من قبل ولم تلحظه، لكن ربما في يوم ما، في زمن ما سيتوقف شخص ما ويتأمل ملامح البورتريه الجميل، ويستطيع فك شفرات الرسالة المرسلة من أزمنة مضت.

من أجل تلك الآثار المنسية للعابرين المجهولين، وغيرها، نعشق “وسط البلد” كما اعتدنا أن نسمي تلك المنطقة التي تقع على حافة القاهرة القديمة، المحتوية للأزمنة الفاطمية والمملوكية وحتى العثمانية، وتمتد حتى مشارف القاهرة الحديثة، مثلث وهمي يمتد من ميدان رمسيس وينتهي ضلعه في ميدان العتبة، مرورا بشارع كلوت بك، ثم تمتد قاعدته حتى ميدان الأوبرا وشارع عماد الدين، ويصعد الضلع الأخر على امتداد هذا الشارع حتى ميدان رمسيس مجددا، رغم أنه فعليا لم تعد تلك المنطقة تتوسط القاهرة التي تغولت وتوسعت وامتدت أطرافها لتلامس المحافظات المجاورة وتنافسها.

وللسبب نفسه تجذبنا جريدة “منطقتي” التي تنقب عن تلك اللمحات وتبرزها، مضيفة أسبابا جديدة لحب وسط البلد المليئة بالمفاجآت والأسرار.

في العدد الجديد تحتفل “منطقتي” بمرور 150 عاما على تخطيط وسط البلد على يد الخديوي إسماعيل، فقد وضع إسماعيل الأسس الحقيقية التي تقوم عليها القاهرة الحديثة الآن، كانت لديه رؤية متكاملة لتطوير القاهرة ونقلها من نهايات العصور الوسطى إلى مصاف العواصم العالمية، أحدث تغييرا عمرانيا غير مسبوق في تاريخ القاهرة، إلا أن أعماله كلها عجزت عن كسر عزلة المدينة القديمة، لتتجاور المدينتان وتتوسعان جنبا إلى جنب في تزاوج مذهل أصبح بمرور الزمن سر من أسرار عظمتها وسحرها.

بذرة إسماعيل نمت وتفرعت، تشابكت أطرافها، ونمت على فروعها كيانات عشوائية كثيرة، حتى صارت في مراحلها الأخيرة تشبه كيانا سرطانيا يكاد يخنق الحلم الكبير الذي بدأ بعد تولي إسماعيل لحكم مصر بأربعة أعوام، وقتها كانت فرنسا بقيادة نابليون الثالث تحتفل بإعادة تخطيط مدينة باريس، وكان احتفالها مركزا بالمعرض العالمي الأول في باريس الجديدة، ودعي الخديوي إسماعيل لحضور المعرض الذي أقيم في الأول من إبريل عام 1867. هناك استعاد الخديوي أحلامه بنقل الملامح الأوروبية إلى مصر، وكان أن رأى التصميم الجديد للمدينة الفرنسية فأراد تأسيس مدينة تضاهيها في مصر، وبالفعل التقى بالبارون جورج أوجين هاوسمان مخطط باريس الجديدة فحدثه عن حي الإسماعيلية الذي يعمل عليه في القاهرة، وأعجب الخديوي بفكرة تخطيط الشوارع بـ"النمط الشعاعي"، الذي ينطلق من ساحة ميدان وينتهي في ميدان آخر، لذا عاد إسماعيل وبصحبته اثنين من المهندسين أرسلهم هاوسمان ليساعداه في تخطيط مدينته الجديدة، بيير جران مهندس الطرق والكباري، الذي أصبح كبير مهندسي القاهرة، وباليري ديشان الذي أنشأ غابة بولونيا في باريس.

كانت خطوات إسماعيل سريعة ومتلاحقة ودفعه لذلك موعد افتتاح القناة، ففور عودته من باريس أعد تخطيط مدينته، وفي العام نفسه 1867 كانت بداية تشكيل القاهرة الكلاسيكية التي تحدث عنها جان لوك أرنو في كتابه عن القاهرة الحديثة، فالقاهرة وقتها كما يقول أرنو لم تكن قد خرجت كثيرا عن الحدود التي عرفتها خلال الحملة الفرنسية على مصر، وليس فيها شارع عريض مظلل أو مقهى كبير أو مسرح أو أوبرا أو سيرك أو ميدان سباق للخيل، وكان يصعب تهيئة مثل تلك المنشآت، التي كانت تتواجد في باريس أو فيينا داخل نسيج عمراني غير منتظم ومتقطع، كذلك الذي كان قائما في مدينة القاهرة القديمة.

لذلك لم يكن يكفي مجرد تشييد المباني الناقصة لتحويل القاهرة إلى لندن أو باريس، وكان من اللازم أيضا تحقيق الإطار، وجود مساحة مدينة تصلح لإقامة مبان من نوع لم يكن له وجود في مصر آنذاك.

ومن قبل سفره للمعرض كان الخديوي قد استقر على المنطقة التي يريد الانطلاق منها لبناء مدينته الجديدة، وهي المنطقة الواقعة بين الأزبكية والنيل وعرفت بـ"حي الإسماعيلية" نسبة إلى مؤسسه، وكانت محاولة إسماعيل الأولى لتنمية هذا الحي قد فشلت بسبب نقص المتعاملين، لكن بعد عودته من باريس اتخذ المشروع مسارا مختلفا، فقد اتفق إسماعيل في زيارته لباريس مع المهندس باليري على إعادة تخطيط بستان الأزبكية على نمط غابة بولونيا وتخصيص جزء منها لبناء دار للأوبرا، وكانت هذه المنطقة من أكبر مشروعات إسماعيل العمرانية، وعندما قرر الخديوي البدء في توزيع الالتزامات الخاصة بأراضي حي الإسماعيلية، كان يأمل في أن تنجز أعمال هذا الحي خلال ستة شهور! وهذا يدل كما يقول أرنو “على مدى عدم درايته بالحد الأدنى من الشروط اللازمة لبناء مدينة” ورغم ذلك فقد نجح في الرهان جزئيا فقد بنيت الأوبرا خلال خمسة شهور، وتكلف بناؤها 160 ألف جنيه، وكان أساسها من الأحجار أما بقية المبنى فكان من الخشب المجلوب من لبنان والمغطى بالجص، وبني السيرك في ستة أسابيع، ومسرحا في أقل من خمسين يوما، سخر إسماعيل إمكانيات مصر بالكامل لإنجاز مشروعه في الفترة المحددة، بل اعتمد أيضا على السخرة والقروض لانجاز مشروعاته دون تخطيط، ولم يمر وقت طويل حتى ظهرت مشاكل السرعة، فالسيرك الذي افتتح قبل قناة السويس بشهر هدم بعد أقل من ثلاث سنوات “كان البناء من الورق المقوى، صغير جدا بالنسبة لفرقة تستخدم الجياد” واحتاجت دار الأوبرا تعديلات تطلب إجراؤها مدة أطول من بنائها، كما أن هناك مجموعة كبيرة من المنشآت شطبت من الخريطة قبل نهاية القرن.

ورغم ذلك فقد أبهر الخديوي العالم بانجازاته، وتحويله لشكل القاهرة، فقد ظهر على إثر هذا المشروع الكبير أحياء التوفيقية وباب اللوق والمنيرة، وبما أن التخطيط الجديد للمنطقة استوحى أفكار وحلول هاوسمان فقد استلزم ذلك إنشاء عدد من الميادين تتفرع منها شبكة الطرق الجديدة، جملت الميادين الرئيسية منها بنوافير للمياه وتماثيل فظهرت تماثيل: إبراهيم باشا ومحمد لاظ أوغلي وسليمان باشا، في ميادين: العتبة الخضراء، وميدان التياترو (ميدان الأوبرا الآن) وميدان عابدين (احتفظ باسمه حتى الآن) وميدان سوارس (مصطفى كامل الآن) وميدان سليمان باشا (طلعت حرب الآن) وميدان باب اللوق، والإسماعيلية (ميدان التحرير) كما جرت توسعات أخرى وظهرت ميادين فى نسيج المدينة القديم بشارع محمد على، والقلعة، وجامع ومدرسة السلطان حسن والرفاعي.

ومن أهم الشوارع التي ظهرت في حي الإسماعيلية الكبير عند إنشائه: شارع بولاق (26 يوليو الآن) وشارع المغربي (شارع عدلي الآن) وشارع المناخ (عبد الخالق ثروت الآن) وشارع قصر النيل (لم يتغير اسمه) وشارع عماد الدين الذي احتفظ باسمه أيضا وعرف امتداده جنوبا بشارع محمد فريد، وشارع المدابغ (شريف الآن) وشارع مصر عتيقة (طلعت حرب وامتداده إلى شارع القصر العيني).

في الوقت نفسه بدأ تزويد الشوارع بالمصابيح بعد التعاقد مع شركة “ليبون”، وسرعان ما بدأت القاهرة تكشف عن سحرها، حيث أنهى إسماعيل خططه وتصوراته في سنوات معدودة، كما أصدر الخديوي أوامره لنظارة الأشغال لإعداد المقاسيات اللازمة لفتح بعض الشوارع وإنارتها وإمدادها بالمياه، فتحولت المدينة إلى “باريس على ضفاف النيل” كما يقول ملف “منطقتي” واكتسبت طابعا معماريا فريدا يجمع بين الإيطالي والفرنسي والعربي والانكليزي والإسلامي وغيره من فنون العمارة، وإن كان الغالب هو طراز المباني الأوروبية، أو حسب تعبير المؤرخ الكبير على مبارك “المباني الرومية الفخيمة” وهجر الناس نهائيا الأسلوب القديم، وانتشرت هذه المباني على الأخص في أحياء الإسماعيلية والفجالة وشبرا.

أراد إسماعيل أن يجعل من القاهرة قطعة من أوروبا، ونجح في ذلك إلى حد ما، لكن الثمن كان فادحا، فقد قاده طموحه الكبير إلى قيادة مصر نحو الإفلاس نتيجة القروض ذات الفوائد الكبيرة، باع أسهمه في قناة السويس، وقادت ديونه لأولى مراحل التدخل الأجنبي في مصر التي انتهت بالاحتلال البريطاني سنة 1882، نفى الخديوي شخصيا إلى اسطنبول ولم ير المدينة التي حلم بها مرة أخرى حتى وفاته في الثاني من مارس سنة 1895.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)