الخليجيون الأوائل والبحر… بين صناعة الشعر وتجارة اللؤلؤ

, بقلم محمد بكري


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السادسة والعشرون العدد 8034 الخميس 5 آذار (مارس) 2015 - 14 جمادي الأول 1436 ه
عبدالله المدني، كاتب بحريني


المعروف أن قسوة الحياة وشح الموارد في منطقة الخليج قبل اكتشاف النفط دفعت أبناءه إلى التجارة البحرية والغوص للحصول على اللؤلؤ.. والصيد البحري لتوفير مستلزمات الحياة الأساسية.

ومن هنا كان لابد من توفير الوسيلة أي المراكب والسفن الشراعية. وهذه كانت تستلزم توفير خشب الساج، والمسامير القوية الطويلة، والفتايل، أي الخيوط القطنية اللازمة لملء الفراغات، والحبال والنسيج لصناعة الأشرعة، و»زيت الصل» المستخرج من الأسماك ومعه «الشونة» المكونة من خلط الجير والدهن لطلاء الجزء السفلي للسفينة، بهدف مساعدته على مقاومة ملوحة البحر وغير ذلك من السلع والأدوات والآلات من المنشار والمطرقة والرندة والمثقاب والمجداح إلى «الميبر» وهو إبرة خياطة الأشرعة وغيرها، التي كان مصدرها الوحيد آنذاك هو الهند.

ولما كان استيراد مثل هذه الأدوات يتطلب توفر المال، فقد اعتمد الرعيل الخليجي الأول على التجار الهنود وبعض التجار العرب في بومباي أو «بمبي» كما كانوا يلفظونها لجهة الاقتراض. وكان هؤلاء لا يترددون في الإقراض لعلمهم المسبق بأن المراكب التي ستصنع سوف يتم استخدامها في الاستيراد من الهند أو تصدير التمور إليها، أو في صيد اللؤلؤ الذي سيباع في الأسواق الهندية.

وهكذا بنى الخليجيون الأوائل السفن والمراكب مختلفة الأحجام والأنواع والوظائف مطلقين عليها أسماء متنوعة مستمدة من صفاتها أو مستمدة من مهامها وتفصيلات شكلها الخارجي. من هذه الأسماء الداو (كلمة أطلقها الإنكليز على السفينة ذات الشراع المثلث لتشابهها مع المركب الزنجباري المعروف بـ «الدو» في اللغة السواحيلية)، والبانوش (مركب ذو مؤخرة مربعة)، والبغلة (من أكثر السفن شيوعاً والأضخم وزنا وحمولة، إذ كانت حمولتها تصل إلى ما بين 130 ـ 300 طن، وقد عــُرفت البغلة في الخليج في بداية القرن السابع عشر بعد أن قام بحارة عمانيون بزيارة ورشات بناء السفن التابعة لشركة الهند الشرقية الإنكليزية في بمبي واستطاعوا أن يصنعوا شبيهاً لها)، والبوم (وهو مركب يتميز برأس المقدمة المدبب، وعادة ما يطلى باللون الأسود، ويستخدم في أغراض التجارة وصيد اللؤلؤ، وهو ما تحدث عنه الشاعر خالد الفرج حينما قال: ولا تتصورون البوم طيرا .. فماهو غير فلك ذي شراع)، والغنجة (وهي سفن شراعية للشحن)، والسنبوك والجالبوت (وهما من المراكب ذات الأحجام المختلفة التي تستخدم في صيد اللؤلؤ، علما بأن السنبوك كان يستخدم في الرحلات التجارية الأبعد وكانت حمولته تتراوح ما بين 20 ـ 150 طنا)، والشوعي والبدن ( وهما من مراكب صيد السمك التي تستخدم فيها الأشرعة والمجاديف معا، حيث المجاديف ضرورية عند الاقتراب من الشاطئ أو حينما تكون الرياح غير مواتية)، والبتيل والبقارة واختهما البلم (وهي من المراكب متوسط الحجم التي تستخدم في صيد اللؤلؤ والنقل البحري) هذا إضافة إلى «الغراب» الذي كان يصنع في مسقط ويــُستخدم في الحروب وأيضا في صيد اللؤلؤ، ومما يذكر أن إمام مسقط أحمد بن سعيد الذي عاش ما بين عامي 1714 ـ 1775 جهز غرابا في عام 1754 بالرجال والمدافع والذخائر ووجهه نحو ممباسا، الواقعة حاليا في كينيا، لإخماد ثورة نشبت فيها ضد حكم العرب من آل بوسعيد.

ويقول الذين كتبوا في تاريخ النقل البحري بين سواحل الخليج وشبه القارة الهندية أن رحلة السفن التجارية الخليجية إلى بمبي كانت تستغرق ما بين 10 أيام إلى شهر، وأن محطة الوصول الأولى كانت ميناء كراتشي ثم ميناء خورميان الباكستاني، الذي يبعد عن كراتشي مسافة يومين بالمراكب الشراعية، وأنها كانت تحمل في رحلة الذهاب إلى شبه القارة الهندية التمور التي كانت لها سوق رائجة بسبب استخدام الهندوس لها في طقوسهم الدينية، بينما تحمل في رحلة الإياب مختلف أنواع السلع والبضائع هندية المنشأ مثل، الأرز والشاي والسكر والبهارات والفحم والمنسوجات والعطورات والحراير. ويضيفون قائلين إن تجارة اللؤلؤ شهدت أزهى سنواتها في عام 1913، حيث كان هناك أكثر من ثمانمئة سفينة صيد خليجية، وأن هذه السفن كان يعمل عليها نحو 15 ألف غواص، ممن حققوا مبلغا إجماليا وصل إلى نحو ستة ملايين روبية في ذلك الموسم.

وفضلا عن بنائهم للسفن نسج الخليجيون الأوائل الأغاني والمواويل البحرية لترديدها وهم ينطلقون نحو غياهب البحر وظلمات المحيط، أو حينما يعودون منها (رحلة القفال)، أو أثناء بنائهم للسفن. ومن أمثلتها «يالله يالله قلنا يالله .. يا سيدي هولو يا سيدي هولو يا فزعة الله»، وهو مقطع من أغنية فطرية طويلة عن البحر بكل أفراحه ومآسيه، لايــُعرف كاتبها وإنما نسجتها العقلية الجمعية الخليجية. أما أشهر أغاني القفال المعروفة بـ«الهولو» ذات الإيقاعات الخفيفة والأداء الجماعي فهو ما جسده الفنان الكويتي شادي الخليج في أغنية «يا هولو» من ألحان أحمد باقر وكلمات أحمد مشاري العدواني والتي يقول مطلعها: «هولو بين المنازل .. أسمر سباني .. هولو حلو الشمايل .. زين المعاني».

في مقابل الأغاني والمواويل البحرية التي كان البحارة الخليجيون يرددونها أثناء أسفارهم في لجج البحر، كانت هناك إيقاعات راقصة تؤدى جماعيا على اليابسة من قبل النساء والفتيات اللاتي كن يتجمعن في مظاهرة ضخمة على الساحل لاستقبال سفن الغوص العائدة، وهن يرددن أغنية «توب يابحر» من دون آلات موسيقية. وتقول كلمات هذه الأغنية المعروفــــة:

«توب توب يابحر .. أربعة والخامس دخل .. ماتخاف من الله يابحر .. أربعة والخامس دخل .. يا نوخذاهم لا تصلب عليهم .. ترى حبل الغوص قطع إيديهم .. ياريتني غويمة أظلل عليهم».

وإلى جانب هذه الأغاني كانت تتردد دعوات وابتهالات البحارة والغواصة إذا ما استقلوا السنبوك الذي كان منتشرا بكثرة في مياه الخليج في القرن التاسع عشر، إلى درجة أنه لكثرته في البحر كانت جوانبه تصطدم بعضها ببعض على امتداد مئات الياردات، طبقا للمؤرخ البريطاني المعروف لوريمر. فكانوا مثلا يرددون «يا حافظ الأرواح في الأرواح، يا منجي الألواح في لجج البحر، إحفظ لنا هذا السنبوك يالله يا رزاق يالله يا حافظ».

ولا شك أن مثل هذه الدعوات كانت تبعث على شيء من الطمأنينة في نفوس لا تدري إنْ كانت الأقدار ستعيدها إلى أسرها وأهلها أم لا، خصوصا في موسم «الغوص الكبير» الذي كان يمتد من شهر يونيو/حزيران وحتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول. أما الغوص قبل هذا التاريخ أو بعده فكان موعده يعتمد على طبيعة الأحوال الجوية، وكان يــُعرف بـ»الغوص الصغير» أو «الغوص البارد». أما العشاق ممن فرقت رحلات البحر بينهم وبين أحبتهم فقد نسجوا لونا آخر من الغناء، نجد أفضل تجلياته في واحدة من أجمل الأعمال التراثية التي توثق بالشعر والغناء علاقات الهند والخليج، ألا وهي رائعة الشاعر اليمني يحيى عمر أبو معجب اليافعي، ونعني بهذه الرائعة أغنية «يامركب الهند يا بودقلين». والدقل ـ بفتح الدال والقاف ـ لمن لا يعرفه هو صارية الشراع. وهذا الشاعر، اعتاد أن يفتتح قصائده بذكر اسمه من باب التوثيق والحفظ، لذا أنشد قائلا:

«يحيى عــُمر قال قف يا زين .. سالك بمن كحّـل أعيانك .. من علمّـك يا كحيل العين .. من ذا الذي خضـّب إبنانك.. من شكــّلك في الحلا شكلين.. وشكّ لؤلؤك ومرجان. . وراك يا بارز النهدين.. كفتني تحت روشانك.. يا عسكر الشاش بوصفـّين.. وأنت يا باشا في صيوانك.. حمّـلت يحيى عـُمر حملين.. وصرتْ تعبان من شانك.. لي شهر في شهر في شهرين.. وأنا مناظر لبستانك.. لا ذقتْ حبه ولا ثنتين.. نهبتْ خوخك ورمانك.. والورد شفته على الخدين.. وهو مطرح على أوجانك.. يا مركب الهند يا بودقلين.. يا ليتني كنت ربانك.. أسعى بك البر والبحرين.. وأحمل المال بأخنانك.. لك قسم في قسم في قسمين.. لك قسم زايد على إخوانك.. والمصلحة بيننا نصفين.. لا ربــّح الله مــَنْ خانك.. يا ليت لي عند أهلك دين.. أروح أجي على شانك.. وأختم قصيدي بذكر الزين.. بكره نقيـّـل بديوانك.. ياللي سكنت الحشا والعين.. إبحر بي الشوق لوطانك.. مبحر بروحي بمجدافين.. والموج يزداد من شانك.. وإلى عبرنا على البحرين.. ينكسني الموج لعيانك.. وأشوف لي بالبحر حوتين.. عذالنا تموت بشجانك.. واحد خبيث وله نابين.. والثاني يموت بلحانك.. يابحر قللي أبرسي وين.. مالي مواني لحيتانك».

والمتأمل في أبيات القصيدة يجد كم كان قائلها دقيقا في وصف محبوبته، وتصويره لمعاناته ولوعته واشتياقه إليها عبر استخدامه لمجموعة منتقاة من التفاصيل والدلالات اللغوية والنغمية، فضلا عن أنها تتحدث عن البحر والمركب اللذين هما محور حديثنا.

والمعروف أن أول من غنى هذه القصيدة هو مطرب البحرين الأول المرحوم ضاحي بن وليد، ثم غناها المطرب العماني سالم راشد الصوري، الذي عاش ردحا من الزمن في البحرين وكان يملك فيها ستوديو لتسجيل الأسطوانات في أواخر الخمسينات.

أما آخر من غناها فهو المطرب السعودي محمد عبده الذي قدمها بشكل متطور في عام 1969، وبدل في كلماتها طبقا لما كتبه الشاعر بدر بن عبدالمحسن فصارت:

« يامركب الهند يا بودقلين .. يا ليتني كنت ربانه .. لكتب على دفتك سطرين .. إسمك حبيبي وعنوانه.. طال انتظاري وقلبي جريح.. يا مركب الشوق ليت الريح .. وقت السحاري تملا الصواري.. وأبحر بشوقي لنور العين.. وأرجع لخلي لأوطانه.. يا بحر موجك عليّ عالي.. وطيفه حبيبي على بالي.. والبعد قاسي وحبيبي ناسي.. والله يا ربعي وأهلي وناسي.. مشتاق قلبي لخلانه.. يا مركب الوهم عمري ضاع.. ما بين أمل في لقاء ووداع.. بحر الأماني ماله مواني.. ضيع زمانك وضيع زماني.. وضاع المركب بربانه».

عن موقع جريدة القدس العربي

- المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)