قراءات - Comptes rendus de lecture

يوميات آدم وحواء، نزار دندش ونرمين الخنسا (لبنان)، رواية Yawmiyat Adam wa-Hawwa, Nizar Dandash et Nermin al Khansa (Liban), Roman

, بقلم محمد بكري

هل يكون الرجل أجدر في معرفة بعض الجوانب ؟

جريدة النهار اللبنانية
الثلاثاء 28 حزيران/يونيو 2011
النهار - مها خير بك ناصر

يجوز القول إنّ السارد في العمل الروائيّ هو أحد تجليات الكاتب في لحظة كانت المحرّض والشاهد على هذه الولادة، أي أنّ السارد هو شخصية افتراضية تجسّد ذاتاً من ذوات الخلاّق، لكن رواية “يوميات آدم وحواء” (دار الفارابي) لها كاتبان، نزار دندش ونرمين الخنسا، تفاعلا في التعبير عن وقائع يومية استمدا أحداثها من خيال، مستوحى من مقدس دينيّ كان التأسيس عليه مع تجاوز ثوابت موروثة يشي تجاوزها بعدد من الإشكاليات والأسئلة.

تحرض قراءة هذه الرواية على طرح عدد من القضايا اهتمت بتحليلها الدراسات النقدية المعاصرة، وربما أكثرها بروزا منحصر في قضيتين تشغلان المنتديات النقدية، أولاهما تتمحور حول إمكان تسمية هذه الرواية بالرواية التفاعليّة، وثانيتهما تتناول طبيعة لغة الرواية التي شاركت في تشكيلها كاتبة إلى جانب كاتب، فجاء عملهما متناسقاً متكاملاً متناقضاً مع صدقية ما قيل عن الأدب النسويّ المتمايز، في رأي بعض النقاد، بلغة نسائية خاصة ومغايرة.

تناوب على إنتاج الرواية نزار دندش ونرمين الخنسا، من دون أن يتخذ أيٌّ منهما دور آدم أو دور حوّاء، فشاركا في التعبير عن حالات نفسية وعن معتقدات دينيّة وعن موروث مقدس في سياق توالد تفاعليّاً بين الكاتبين، فكان معينهما في ذلك مخيال أنتج معاني خيالية حرّكت الثوابت، إذ حوّلا تخيالاتهما ضروباً من تصورات تمظهرت في سياق روائي متتابع من دون عناوين داخلية تشير إلى تقطع في عملية التسريد بين الراوي والراوية.

وظّف الروائيان المخيال، فصوّرا أحداثا ووقائع غير مألوفة، وشحناها بفرضيات لا يقبلها الفكر الدينيّ، فخرجا من حكم الموروث المقدّس وفتحا ثغراً في السياج الديني في محاولة خلق تاريخ ديني جديد قوامه خيال يفيض بصور تتقمص معاني تبناها كلٌّ منهما، فجاء الجسد النصي في شكله النهائي كلاً متكاملاً، فهل يحق لنا أن نطلق على هذه الرواية تسمية الأدب التفاعلي الورقي؟ وهل يحق لنا القول إنّ الذات الكاتبة يمكن أن تكون في لحظة تجليها توأم ذات خلاّقة أخرى لا تمايز بينهما؟
تتمايز لغة الرواية بقدرتها على احتواء المعاني التي قسّمها الجرجاني معاني عقلية ومعاني تخييلية، فحوت حقائق دينية وتاريخية صحيحة، وكذلك ابتكرت فرضيات فيها شيء من الحجج غير الصحيحة، لا يمكن أن يُسلّم بها العقل، فلم تكن المفردات اللغوية مجرد رموز أو علامات محايدة بل كان لها نبضها الدلاليّ من خلال اختزالها المعاني التي اختزنها الكاتبان وسكباها في كلمات على أوراق حيث امتزجت المفردات في تظليل المعاني من دون أن نلمس حدّاً فاصلاً بين لغة نسوية ولغة ذكورية، لأن اللغة هي اللغة ولا يمكن تصنيفها وفق عنصري الحياة؛ الرجل والمرأة، كونهما إنساناً واحداً يجسدان حقيقة الحياة، واللغة هي الشكل الأسمى في التعبير عن الحياة.

لقد جاءت لغة الرواية بسيطة محققة قوانين التشكيل الداخلي، ومشحونة بالرموز والدلالات التي تضمر عددا من الحقائق، وتثير في ذات المتلقي كمّاً من الإشكاليات والأسئلة، فأكدت اللغة من خلال السياق انتصار الخير على الشر “الخداع لم ينتصر على الصدق”، وأنّ الله يمهل ولا يُهمل، وأنّ الضمير أكبر جلاّد لمن يرتكب جرما، فكان قابيل نموذجا للخطيئة والتعذيب والتوبة، فخاطب ربه: “لقد أمهلتني فعذّتني”.

أشار الكاتبان إلى حقيقة علاقة الإنسان بالطبيعة التي كانت المعلم الأول له، فتعلّم منها الاحتماء والتخفي والمهارات وكيفية الولادة والدفن وتتبع مسارات السلامة التي تدركها الطيور بغريزتها، وهذه الحقيقة يتكرر معناها في تراكيب لفظية كثيرة، منها: “اقترح أحد المسنين تتبع الوجهة التي تتخذها الحيوانات المهاجرة” (ص 147)، وقول آدم: “الطيور أدرى من غيرها بالأراضي الخيّرة”. وكشف الكاتبان من خلال سياق الأحداث وعملية التسريد عن حقيقة ما يميّز الإنسان عن الحيوان، فآدم وحوّاء تعلّما من الحيوانات أساليب العيش البدائية والضروريّة، ولكن برزت في تصرفاتهما الرغبة في التعلم والتطور والتحضر وسن القوانين، وهذه حقيقة تؤكد صحتها الدراسات الإجتماعيّة، فحواء وجدت في المغارة الكبيرة متنفسا لتظهر حتمية التطور: “وراحت تنظف المكان بحماسة، وتبتكر فيه زوايا جميلة... واستعانت بالقش والألياف الطبيعية لتفرش أرضها بترتب جميل” (ص68)، وآدم وزّع على أبنائه الممتلكات، وفرض على نسائه عدم الارتباط برجل آخر لحماية تمايز نسله، ومارس اشتراكية مثالية عندما “اقتطع آدم بعض الأراضي من السكان الأصليين وأعطاها للمهاجرين... لأنّهم إذا أحسّوا بأنهم مضطهدون أو منبوذون أو غرباء سوف ينقضّون علينا ويدخلوننا في حروب مدمرة” (ص147) لأنّ الاشتركية، في رأي الكاتبين، تخفف من الثورات الاجتماعيّة.

تطرح هذه الرواية عددا من الإشكاليات والأسئلة، وربما أكثرها إثارة للجدل ما أشارا إليه من صعود آدم من الأرض إلى السماء، وكلامهما على وجود قبائل بشرية وأخرى إنسانية على هذه الأرض قبل نزول أدم وحوّاء إليها، ومن ثمّ تقسيم الكاتبين البشر ثلاث طبقات، أحقرها من توالدوا من الهمج، والأرقى منها من توالد أفرادها من نسل أدم ونساء الهمج، والطبقة المختارة المتناسلة من ذرية آدم وحواء، وهم مختارون أنقياء، فهل يجوز القول إنّ الخالق ارتضى أن يكون البشر أسيادا وهمجا مذ كانت الحياة؟ وهل يمكن أن يقبل عقل المؤمن بوجود خلق قبل آدم ؟

حاول الأديبان أن يجيبا عن هذه الإشكالية بوضع احتمالات نطق بها معاصرو آدم الذين اختلفوا في التأويل والتفسير، فرأى بعضهم أنهم نبتوا كالزرع من هذه الأرض، وبعضهم رأى أن أصلهم من النار والماء، وبعضهم قال إن البشر الأوائل وصلوا على أجنحة الريح. فكان للكاتبين من هذه الفرضيات حلٌ اجتماعي أخلاقي يؤكد تحريم زواج الأشقاء.

فرضت هذه الرواية أسئلة لا حصر لها، فلقد اختار الكاتبان نهاية مشفرة، حيث اختفت حواء في قارب بعدما اصرّ آدم على رحيلها، فهل ارادا القول إن هذا التصرف كان بأمر من الخالق؟

عن جريدة النهار اللبنانية


نرمين الخنسا ونزار دندش في قراءة خاصة ومتشعبة لادم وحواء

بيروت (رويترز) - في العمل الاخير والمثير للاهتمام للكاتبين اللبنانيين نزار دندش ونرمين الخنسا “يوميات ادم وحواء” قراءة خاصة لقصة ابي البشر وأمهم وفيها قدر من القصص الديني وخروج الى عناصر اخرى مختلفة.

وقد يشعر القارىء بأن الكاتبين يستعملان لغة الزمن الحاضر وحتى قسما من مصطلحاته في الحديث عن زمن ماض اطلقا عليه زمن ادم وحواء.

وفضلا عن القصص الديني من قصة ادم وحواء نفسها الى قصة نوح والطوفان يشعر القارىء بأجواء فيها من الملاحم ومن حي بن يقظان لابن طفيل (1100- 1185) وروبنسون كروزو لدانيال ديفو (1719) ومجالات اخرى قد يكون منها اسطورة أورفه وفيها ايضا من قصة الخليقة وأنبياء الله عند نجيب محفوظ مع قراءات مختلفة. وطريقة حياتهما قد تستحضر الى الذهن قصة “طرزان”.

وعلى خلاف الاراء والمعتقدات الدينية والفلسفية التي ترى ان الانسان او النفس الانسانية طاهرة وأنها كما يقول ابن سينا “هبطت اليك من المكان الارفع” وأنها لنزولها الى الارض واضطرارها الى الدخول في جسد ترابي غشتها غشاوة ترابية لكن عليها ان تطهر نفسها منها كي تعود الى عالمها السماوي.. فللكاتبين رأي اخر.

يرى الكاتبان ان رحلة الانسان اتخذت وجهة سير هي عكس تلك المذكورة من ناحية وان كانت تشبهها في القول بأن عالمنا الارضي يحتاج الى تطهير.

اما عملية التطهير فهي وفقا للمعتقدات الدينية والفكرية تلك تجري في انتصار النفس على سجنها الترابي والارتفاع عنه والعودة من جديد الى عالمها الذي انطلقت منه.

وعملية التطهير عند نزار دندش ونرمين الخنسا تتخذ شكلا اخر وتقتضي مسيرة مختلفة. فصحيح ان ادم ومعه حواء يهبطان الى الارض بسبب الخطيئة وايضا ليعمرا هذه الارض كما يقول القصص الديني.. لكن لادم مهمة اخرى وهي سعيه الى جعل من كان يسكن الارض قبله -وهم قبائل من الهمج- أطهارا مصفين. ويقول الكاتبان ان ادم كان في هذه الارض قبلا فأخذه الله منها وطهره ونقاه ثم أعاده الى هذه الارض ليجعل سكانها الهمج اطهارا.

ويدخل الكاتبان هنا بقصد او دون قصد منهما في ما يجعل القارىء يتساءل عن “التوليفة الفكرية” التي يدفعان القارىء الى استخلاصها من روايتهما وهي توليفة قد لا تخلو من تساؤل على طريقة اللاهوتيين عند المسيحيين وعلماء الكلام عند المسلمين.

فادم يبدو لنا كأنه من جنس مختلف عن جنس الهمج.. وهذا الجنس كان موجودا جنبا الى جنب مع الهمج. الهمج كانوا يتناسلون جنسيا اي بالزواج اما القوم الاخرون فكانوا يتناسلون بطريقة “الاستنساخ” كما قال الكاتبان مستعملين مصطلحات هذا العصر. لكن هؤلاء القوم يتحولون بناء على دعوة ادم لهم الى الزواج بالتناسل الجنسي من ابناء ادم وبناته لانهم كانوا في الطريق الى الانقراض.

ثم ان حواء التي يقول الكاتبان انها المرأة الوحيدة التي كانت “بدون سرة” لانها لم تولد بطريقة ولادة الناس العاديين اي بعملية جنسية تتحول الى والدة بالطريقة الجنسية من خلال زواجها بادم.

ترى ايريد الكاتبان الوصول بنا الى القول بما هو شبه متفق عليه ان الانسان نسيج من الهمجي و"القدسي"..

لابد من التساؤل هنا كذلك.. ترى ايريدان القول بنوعين بشريين قديمين هما الهمجي والمطهر الاكثر رقيا.. وهل يوصلنا هذا الى ما يشبه قول العبرانيين قديما بانقسام الناس الى يهود و"اغيار" اي غير اليهود. واذا كان الخلاص الوحيد لجماعة المطهرين من الانقراض هو التزاوج والتعايش مع الاخرين فهل لنا ان نقرأ في هذا الكلام دعوة ما مشابهة في هذا العصر..

عندما يدخل الكاتبان المجال الفلسفي قد يجد القارىء نفسه امام تساؤلات. في البداية الجميلة الشعرية يحملنا الكاتبان الى حديث فلسفي عن الزمن في اقوال عديدة منها ما يشبه قول ابن سينا ان الزمن بدأ عندما خلق الله الكون ولذا فالكون المحدث “قديم” في الزمن.

يقولان -وان وسط عدم وضوح يلف المقصود- “لا شيء يلازم الانسان مثل زمانه فهو ظله يلتصق به فيحرسه ويؤرخ لتفاصيل حياته... لا هم متى جاءا وكيف وصلا ولماذا أتيا. المهم ان اول ادم وأول حواء كان لهما زمن واحد وهو ذلك الزمن الذي لم يصغ لاصل الحكاية لانه ولد لحظة كانا يمسكان بغصن شجرة عالية.”

من خلال القص يشرح الكاتبان لنا كيف ارتقى الانسان في مسيرته محاولا تحسين عيشه واتقاء الاخطار وذلك بطريقة سهلة وأقرب الى التعليمية. وتطبيقا لمراحل الانسان المختلفة اريانا كيف انتقل الانسان من مرحلة الانسان الجوال والانسان الصياد الى الانسان المستقر والزارع ومدجن الحيوانات الاليفة وكيف كان دليله في ذلك عقله ثم الحيوانات المحيطة به والتي كانت له خير معلم. ويشدد الكاتبان على اهمية الجنس في مسيرة الانسان وتكاثره حتى بدا لنا مع ادم ان ممارسة الجنس ليست مجرد لذة بل هي عمل انقاذي للانسان. وقد لعبا على عامل الغيرة ذلك الشعور الذي صوراه “ازليا” عند حواء.

الكاتبان تكلما بلغة عصرنا ليفهمانا ما جرى في عالم ادم وحواء. فلابد من ملاحظة “اسقاط” مصطلحات الحاضر ومفاهيمه على زمن ادم وحواء هذا. بعض تلك المصطلحات بدا غريبا في وصف حياة من استمرا حتى نهاية الرواية يستران عورتيهما بورقتي تين على رغم توفر جلود ومواد اخرى.

من ذلك مثلا الكلام عن “الحدس” وهو مصطلح يصعب ان نصل اليه الا من خلال تعداد طرق المعرفة من حسية وعقلية ووحي الهي.

ثم اننا نعثر على فكر لا ينسجم مع وضعهما فحتى اذا شعرا بتميز عن سائر المخلوقات فمن المتوقع ان يصفاه بغير هذه اللغة المفذلكة. يقول ادم في تجريد وتعميم “اننا اذكى من بقية المخلوقات... انظري كيف نتعامل نحن مع الطبيعة وكيف تتعامل بقية الكائنات.”

ونقرأ ايضا “المحافظة على حياتنا تكليف الهي” والمصطلح ابن زمن ليس الزمن الذي تصوراه ونتصوره. وننتقل الى بعض ما وصل الينا من علم النفس اذ نقرأ عن معاناة ادم من “عقدة الوحدة في هذا العالم” ومن “عقدة الحياء”. وكذلك نقرأ.. “بدأ يعد زوجته نفسيا لكي تتقبل فكرة غيابه.”

ونصل الى مصطلح حديث نوعا ما بالنسبة الى زمن ادم وحواء يتمثل في القول ان نار الارض هي “شيء مختلف عن نار جهنم تختلف عنها في الوظيفة وفي المواصفات.” وجهنم كما قال البعض كلمة بلغات سامية تعني مكان حرق النفايات. ثم هناك سؤال وهو اذا كانت جهنم مصيرا لمن يأثم من البشر.. فهل كانت موجودة في زمن ادم ابو البشر.. وكذلك تعبيرا الوظيفة والمواصفات.. فهما حديثان.

مصطلح اخر هو “الديناصورات” وهو مصطلح حديث نسبيا ايضا. وللكاتبين رأي طريف في انقراض الديناصورات اذ يقولان ان الاسود قضت عليها.

ولربما تعمد الكاتبان استعمال المصطلحات الحديثة والقاء ضوء جديد على حدث قديم. والواقع ان هذا -اذا فهمناه من هذه الناحية- لا يسيء الى الرواية بل يجعلها اكثر متعة.

تختتم الرواية بحزن يذكر بحزن اورفه بعد رحيل زوجته الحبيبة فأخذ يبكيها. ادم وهو هنا “نوح” الذي سبق شخصية نوح الاخر اعد قوارب للخلاص من الطوفان وأصر على ان تسبقه حواء في احد الزوارق. لكنها اختفت ولم يجدها بعد ذلك فأمضى ايامه يبكيها ويشتاق اليها كأن الكاتبين يقولان ان الحياة لا معنى لها دون الاثنين.

عمل الكاتبين “كبير” وواسع وقراءته ممتعة على رغم سيطرة نهج تعليمي عليه في احيان متعددة وقد يثير اسئلة.. ولعل هذا بعض ما اراده الكاتبان.

من جورج جحا

عن رويترز


النهار هي صحيفة لبنانية سياسية مستقلّة رائدة. وقد صدر العدد الأوّل في 4 أغسطس/آب 1933 في أربع صفحات. بدأت الصحيفة التي كان عدد موظّفيها خمسة بينهم المؤسّس جبران تويني، مع رأسمال من 50 قطعة ذهبية جُمِعَت من الأصدقاء، وكانت تُوزِّع 500 نسخة فقط. ولاحقاً تولّى ابن جبران، غسان تويني، وحفيده الذي يحمل الاسم نفسه، جبران تويني، رئاسة التحرير والنشر. حالياً تشغل نايلة تويني منصب رئيسة التحرير ورئيسة مجلس الإدارة.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)