1923 - 1998

نزار قباني - سورية Nizar Kabbani - Syrie

, بقلم محمد بكري


 نـزار في سطور

توقيع نـزار قـبـانـي

ولد نزار قباني في مدينة دمشق بتاريخ 21 آذار / مارس عام 1923 في أسرة من أصل تركي، واسم عائلته الأصلي آقبيق (عائلة مشهورة في دمشق، آق تعني الأبض وبيق يعني الشارب) حيث قدم جدّه من مدينة قونية التركية ليستقر في دمشق، عمل أبوه في صناعة الحلويات وكان يساعد المقاومين في نضالهم ضد الفرنسيين – في عهد الانتداب الفرنسي لسوريا. عمه أبو خليل القباني رائد المسرح العربي، ومن أوائل المبدعين في فن المسرح العربي.

تخرج نزار قباني من كلية الحقوق بدمشق عام 1944، ثم التحق بالعمل الدبلوماسي، وتنقل خلاله بين القاهرة، وأنقرة، ولندن، ومدريد، وبكين.

وفي ربيع عام 1966، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت داراً للنشر تحمل اسمه، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولاها “قالت لي السمراء” (1944)، وكانت آخر مجموعاته “أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء” (1993).

نقلت هزيمة 1967 شعر نزار قباني نقلة نوعية : من شعر الحب إلى شعر السياسة والرفض والمقاومة ؛ فكانت قصيدته “هوامش على دفتر النكسة” 1967 التي كانت نقدا ذاتياً جارحاً للتقصير العربي، مما آثار عليه غضب اليمين واليسار معاً.

اشتهر شعره بتميز واضح وإبداع متأثراً بكل ما حوله فكتب عن المرأة الكثير، وكان لانتحار أخته بسبب الحب، أثر عميق في نفسه وشعره، فعرض قضية المرأة والعالم العربي في العديد من قصائده، رافضاً شوفينية الرجال.

جمع في شعره كلاً من البساطة والبلاغة اللتان تميزان الشعر الحديث، وأبدع في كتابة الشعر الوطني والغزلي. غنى العديد من الفنانين أشعاره، أبرزهم أم كلثوم عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفيروز وماجدة الرومي وكاظم الساهر ومحمد عبد الوهاب، واكتسب شهرة ومحبة واسعة جداً بين المثقفين والقراء في العالم العربي.

قصته مع الشعر

بدأ نزار يكتب الشعر وعمره 16 سنة ، وأصدر أول دواوينه “قالت لي السمراء” عام 1944 بدمشق وكان طالباً بكلية الحقوق، وطبعه على نفقته الخاصة. له عدد كبير من دواوين الشعر، تصل إلى 35 ديواناً، كتبها على مدار ما يزيد على نصف قرن أهمها “طفولة نهد”، “الرسم بالكلمات”، “قصائد”، “سامبا”، “أنت لي”. ولنزار عدد كبير من الكتب النثرية أهمها : “قصتي مع الشعر”، و"ما هو الشعر"، و"100 رسالة حب". ويعتبر “قصتي مع الشعر” السيرة الذاتية لنزار قباني.. حيث كان رافضاً مطلق الرفض أن تكتب سيرته على يد أحد سواه ! وقد طبعت جميع دواوين نزار قباني ضمن مجلدات تحمل اسم ( المجموعة الكاملة لنزار قباني).

الدراسة و العمل

نال نزار القباني شهادة البكالوريا من الكلية العلمية الوطنية في دمشق، و تخرج في العام 1945 من كلية الحقوق في الجامعة السورية. عمل بعد تخرجه كدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية كسفير في عدة مدن منها القاهرة، ومدريد، ولندن، وبيروت. و في العام 1959 بعد إتمام الوحدة بين مصر و سوريا، عُين سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين. بقي في الحقل الدبلوماسي إلى أن قدم استقالته في العام 1966.

أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم “منشورات نزار قباني”.

 نـزار الصدمات والمعارك

أهم الصدمات

  • وفاة شقيقته الصغرى وصال في ريعان الشباب.
  • وفاة أمه التي كان يعشقها.. كان هو طفلها المدلّل وكانت هي كل النساء عنده.
  • وفاة ابنه توفيق من زوجته الأولى في السابعة عشرة من عمره
  • مقتل زوجته بلقيس الراوي العراقية في حادث انفجار السفارة العراقية ببيروت عام 1982.
  • نكسة 1967.. التي أحدثت شرخاً في نفسه، وكانت حداً فاصلاً في حياته، جعله يخرج من مخدع المرأة إلى ميدان السياسة.

أهم المعارك

  • معركة قصيدة “خبز وحشيش وقمر” التي أثارت رجال الدين في سوريا ضده، وطالبوا بطرده من السلك الدبلوماسي، وانتقلت المعركة إلى البرلمان السوري وكان أول شاعر تناقش قصائده في البرلمان.
  • معركة “هوامش على دفتر النكسة” .. فقد أثارت القصيدة عاصفة شديدة في العالم العربي، وأحدثت جدلاً كبيراً بين المثقفين .. ولعنف القصيدة صدر قرار بمنع إذاعة أغاني نزار وأشعاره في الإذاعة والتلفزيون.
  • في عام 1990 صدر قرار من وزارة التعليم المصرية بحذف قصيدته “عند الجدار” من مناهج الدراسة بالصف الأول الإعدادي لما تتضمنه من معاني غير لائقة.. وقد أثار القرار ضجة في حينها واعترض عليه كثير من الشعراء في مقدمتهم محمد إبراهيم أبو سنة.
  • المعركة الكبيرة التي خاضها ضد الشاعر الكبير أدونيس في أوائل السبعينات، وقصة الخلاف تعود إلى حوار مع نزار أجراه منير العكش، الصحفي اللبناني ونشره في مجلة مواقف التي يشرف عليها أدونيس. ثم عاد نزار ونشر الحوار في كتيب دون أن يذكر اسم المجلة التي نشرت الحوار… فكتب أدونيس مقالاً عنيفاً يهاجم فيه نزار الذي رد بمقال أعنف. وتطورت المعركة حتى كادت تصل إلى المحاكم لولا تدخل أصدقاء الطرفين بالمصالحة.
  • عام 1990 أقام دعوى قضائية ضد إحدى دور النشر الكبرى في مصر، لأن الدار أصدرت كتابه “فتافيت شاعر” متضمناً هجوماً حاداً على نزار على لسان الناقد اللبناني جهاد فاضل .. وطالب نزار بـ 100 ألف جنيه كتعويض وتم الصلح بعد محاولات مستميتة.
  • بعد مقتل بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته. ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره ويثير المعارك والجدل .. خاصة قصائده السياسة خلال فترة التسعينات مثل : “متى يعلنون وفاة العرب”، و"المهرولون"، و"المتنبي وأم كلثوم على قائمة التطبيع".

وافت المنية نزار في لندن يوم 30 نيسان / أبريل عام 1998 عن عمر يناهز 75 عاماً كان منها 50 عاماً بين الفن والحب والغضب.

 نـزار بقلمه

الولادة على سرير أخضر

يوم ولدتُ في 21 آذار / مارس 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. و كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء.

الأرض و أمي حملتنا في وقت واحد.. ووضعتنا في وقت واحد.

هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي هي الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها، و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة ؟ أم كان مكتوباً عليَ أن أكون كشهر آذار، شهر التغيير والتحولات ؟.

كل الذي أعرفه أنني يوم ولدت، كانت الطبيعة تنفذ انقلابها على الشتاء.. وتطلب من الحقول والحشائش والأزهار والعصافير أن تؤيدها في انقلابها.. على روتين الأرض.

هذا ما كان يجري في داخل التراب، أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضد الانتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن والأحياء الشعبية. وكان حي “الشاغور”، حيث كنا نسكن، معقلاً من معاقل المقاومة، وكان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار ومهنيين، وأصحاب حوانيت، يمولون الحركة الوطنية، ويقودونها من حوانيتهم ومنازلهم.

أبي، توفيق القباني، كان واحداً من هؤلاء الرجال، و بيتنا واحداً من تلك البيوت.

و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة، أستمع بشغف طفولي غامر، إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا، ويخطبون في ألوف الناس، مطالبين بمقاومة الاحتلال الفرنسي، ومحرضين الشعب على الثورة من أجل الحرية.

وفي بيتنا في حي “مئذنة الشحم” كانت تعقد الاجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة، وتوضع خطط الإضرابات والمظاهرات ووسائل المقاومة. وكنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات ولا نكاد نفهم منها شيئاً..

ولم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء بوضوح. ولكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق والحراب ويأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل “تدمر” الصحراوي.. عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويّات.. كان يمتهن صناعة الحرية.

كان أبي إذن يصنع الحلوى ويصنع الثورة. وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه، وأدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة وبين الضراوة..

أسرتي وطفولتي

في التشكيل العائلي، كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان وبنت، هم المعتز ورشيد وصباح وهيفاء.

أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً ولم يجمع ثروة، كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه، كان ينفق على إعاشتنا، وتعليمنا، وتمويل حركة المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.

وإذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين، لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره، يستنشق روائح الفحم الحجري، ويتوسد أكياس السكر، وألواح خشب السحاحير..

وكان يعود إلينا من معمله في زقاق “معاوية” كل مساء، تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..

وإني لأتذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم، وثيابه الملطخة بالبقع والحروق، كلما قرأت كلامَ من يتهمونني بالبرجوازية والانتماء إلى الطبقة المرفهة، والسلالات ذات الدم الأزرق..

أي طبقة.. وأي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه ؟

إن دمي ليس ملكياً، ولا شاهانياً، وإنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقية الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف والاستقامة والخوف من اللّه..

وراثياً، في حديقة الأسرة شجرة كبيرة.. كبيرة.. إسمها أبو خليل القباني. إنه عم والدتي وشقيق جدّ والدي..

قليلون منكم – ربما - من يعرفون هذا الرجل.

قليلون من يعرفون أنه هز مملكة، وهز باب (الباب العالي) وهز مفاصل الدولة العثمانية، في أواخر القرن التاسع عشر.

أعجوبة كان هذا الرجل. تصوروا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح.. ويجعل من دمشق المحافظة، التقيّة، الورعة.. (برودواي) ثانية..

خطيرة كانت أفكار أبي خليل. وأخطر ما فيها أنه نفذها.. و صلب من أجلها..

أبو خليل القبّاني كان إنسكلوبيدياً بمئة مجلد ومجلد.. يؤلف الروايات، ويخرجها، ويكتب السيناريو، ويضع الحوار، ويصمم الأزياء، ويغني ويمثل، ويرقص، ويلحن كلام المسرحيات، ويكتب الشعر بالعربية والفارسية.

وحين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحي غير خيمة (قره كوز) ولا تعرف من الأبطال، غير أبي زيد الهلالي، وعنترة، والزير.. كان أبو خليل يترجم لها راسين عن الفرنسية..

وفي غياب العنصر النسائي، اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء، وإسناد الأدوار النسائية إليهم، تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.

وطار صواب دمشق، وأصيب مشايخها، ورجال الدين فيها بانهيار عصبي، فقاموا بكل ما يملكون من وسائل، وسلطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه ورواحه، وهجوه بأقذر الشعر، ولكنه ظل صامداً، وظلّت مسرحياته تعرض في خانات دمشق، ويقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.

وحين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل، ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة وقابل الباب العالي، وأخبره أنَّ أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق، والدين، والدولة العلية، وأنه إذا لم يغلق مسرحه، فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان.. وتسقط الخلافة.

طبعاً خافت الخلافة على نفسها، وصدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق وغادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر، وودعته دمشق كما تودع كل المدن المتجرة موهوبيها، أي بالحجارة، والبندورة، والبيض الفاسد..

وفي مصر، التي كانت أكثر انفتاحاً على الفن، وأكثر فهماً لطبيعة العمل الفني، أمضى أبو خليل بقيَّة أيام حياته، ووضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي المصري.

إن انقضاض الرجعيّة على أبي خليل، هو أول حادث استشهاد فنيّ في تاريخ أسرتنا.. وحين أفكر في جراح أبي خليل، وفي الصليب الذي حمله على كتفيه، وفي ألوف المسامير المغروزة في لحمه، تبدو جراحي تافهة.. وصليبي صغيراً صغيراً..

فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة، والبندورة، والبيض الفاسد.. حين نشرت عام 1954 قصيدتي “خبز وحشيش وقمر”..

العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي.. والذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..

“خبز وحشيش وقمر” كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة.. وبين التاريخيين..

دارنا الدمشقية

لا بد من العودة مرة أخرى إلى الحديث عن دار “مئذنة الشحم” لأنها المفتاح إلى شعري، والمدخل الصحيح إليه.

وبغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة، ومنتزعة من إطارها.

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.

إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ، ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر.. وإنما أظلم دارنا.

والذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون ...

بوابة صغيرة من الخشب تتفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكي، وتبدأ سيمفونية الضوء والظل والرخام.

شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..

أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. وتنفخه.. وتستمر اللعبة المائية ليلاً ونهاراً.. لا النوافير تتعب.. ولا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك .. والليلكة تمشط شعرها البنفسجي، والشِمشير، والخبَّيزة، والشاب الظريف، والمنثور، والريحان، والأضاليا.. وألوف النباتات الدمشقية التي أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أردت أن أكتب..

القطط الشامِّية النظيفة الممتلئة صحة ونضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها ورومانتيكيتها بحرية مطلقة، وحين تعود بعد هجر الحبيب ومعها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يطعمها ويكفكف دموعها..

الأدراج الرخامية تصعد.. وتصعد..على كيفها.. والحمائم تهاجر وترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل ؟

والسمكُ الأحمر يسبح على كيفه.. ولا أحد يسأله إلى أين ؟

وعشرون صحيفة فلّ في صحن الدار هي كل ثروة أمي.

كل زّر فّل عندها يساوي صبياً من أولادها.. بكت لما غافلناها وسرقنا ولداً من أولادها.. بكتْ.. وشكتنا إلى الله..

***

ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. ولدت، ونطقت كلماتي الأولى.

كان اصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة.. وإذا سقطت أسقط على حضن وردة..

هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري وأفقدني شهية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيان في كل الحارات.. ومن هنا نشأ عندي هذا الحس “البيتوتّي” الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.

إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الاكتفاء الذاتي، يجعل التسكع على أرصفة الشوارع، واصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال، عملاً ترفضه طبيعتي.

وإذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي، فإنني لم أكن من متخرّجيها.

لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة، له طقوسه ومراسمه وطهارته، وكان من الصعب علي أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجاد من نرابيش النراجيل، وطقطقة أحجار النرد..

***

طفولتي قضيتها تحت “مظلة الفي والرطوبة” التي هي بيتنا العتيق في “مئذنة الشحم”.

كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي، كان الصديق، والواحة، والمشتى، والمصيف..

أستطيع الآن، أن أغمض عيني وأعد مسامير أبوابه، وأستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.

أستطيع الآن أن أعد بلاطاته واحدةً.. واحدة.. وأسماك بركته واحدةً.. واحدة.. وسلالمه الرخامية درجةً.. درجة..

أستطيع أن أغمض عيني، وأستعيد، بعد ثلاثين سنة مجلس أبي في صحن الدار، وأمامه فنجان قهوته، ومنقله، وعلبة تبغه، وجريدته.. وعلى صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حب قادمة من السماء..

على السجادة الفارسية الممدودة على بلاط الدار ذاكرت دروسي، وكتبت فروضي، وحفظت قصائد عمر بن كلثوم، وزهير، والنابغة الذبياني، وطرفة بن العبد..

هذا البيت - المظلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة وقرطبة وإشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.

القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. وحين دخلت منطقة الماء والبرودة في جبال “سييرا نيفادا” وشواطئ نهر الوادي الكبير..

وتغلغلت في بساتين الزيتون وكروم العنب في سهول قرطبة، خلعت ملابسها وألقت نفسها في الماء.. ومن هذا الاصطدام التاريخي بين الظمأ والريّ.. ولد الشعر الأندلسي..

هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الانقلاب الجذري في القصيدة العربية حين سافرت إلى إسبانيا في القرن السابع.

إنها بكل بساطة دخلت إلى قاعة مكيفة الهواء..

والموشحات الأندلسية ليست سوى “قصائد مكيفة الهواء”..

وكما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي، امتلأت طفولتي رطوبة، وامتلأت دفاتري رطوبة، وامتلأت أبجديتي رطوبة..

هذه اللغة الشامية التي تتغلغل في مفاصل كلماتي، تعلمتها في البيت - المظلة الذي حدثتكم عنه..

ولقد سافرت كثيراً بعد ذلك، وابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً وتعلمت لغات كثيرة أخرى، إلاَّ أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي وحنجرتي، وثيابي. وظللت ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كل ما في أحواض دمشق، من نعناع، و فلّ، وورد بلدي..

إلى كل فنادق العالم التي دخلتها.. حملت معي دمشق، ونمت معها على سرير واحد.

نزار قباني 1970

 نـزار بقلم ابنته

كانت جدتي تدلـله باسم “نزوري” حين كان طفلاً ضائعاً بين أحواض الورد والخبيزة وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه الزرقاء في بيت أبويه بدمشق القديمة، وهائماً مع أسراب الحمام والسنونو وقطط البيت. وعندما بلغ سن العاشرة، لم يترك “نزار” صنعة فن لم يجربها : من الرسم إلى الخط العربي، إلى الموسيقى، إلى أن رسا قاربه - وهو في السادسة عشرة - على شاطئ الشعر.

قبل أن يكون أبي كان صديقي، ومنه تعلمت أن أحكي بينما هو يستمع، رغم ندرة استماع الرجل إلى المرأة في مجتمعنا. زان أبي مراهقتي وشبابي بشعره، لكنه - في المقابل وبصفاء نية - أفسد حياتي بشعره وبتعامله معي؛ فقد جعلني أقارن بينه وبين الرجال الذين ألقاهم، وأتت المقارنة دائما لصالح أبي، ورأيت أغلب الرجال طغاة.

كان جاري في لندن، لكنه لم يزرني قط دون موعد مسبق. وفي نادرة، دق بابي دون موعد، وعندما وجد لدي صديقات اعتذر، واستدار عائداً مؤجلاً زيارته لمرة أخرى، ولم يسبقه سوى صراخ الصديقات بأن يبقى.

قد يكون أهم ما أذكره عن أبي، هو ذلك التشابه المذهل بينه وبين شعره ؛ فهو لا يلعب دورا على ورق الكتابة، ودورا آخر على مسرح الحياة. ولا يضع ملابس العاشق حين يكتب قصائده، ثم يخلعها عند عودته إلى البيت.

أنقل عن “أدونيس” فقرة مما قاله عن نزار قباني :

“كان منذ بداياته الأكثر براعة بين معاصريه من الشعراء العرب، في الإمساك باللحظة - التي تمسك بهموم الناس وشواغلهم الضاغطة : من أكثرها بساطة، وبخاصة تلك المكبوتة والمهمشة، إلى أكثرها إيغالاً في الحلم وفي الحق بحياة أفضل. وفي هذا تأسست نواة الإعجاب به، ذلك الإعجاب التلقائي الذي تجمع عليه الأطراف كلها. ابتكر نزار قباني تقنية لغوية وكتابية خاصة، تحتضن مفردات الحياة اليومية بتنوعها، ونضارتها، وتشيع فيها النسم الشعري، صانعاً منها قاموساً يتصالح فيه الفصيح والدارج، القديم والحديث، الشفوي والكتابي”.

وبعد، كم أشعر بالفخر لأن أبي هو نزار قباني، الشاعر الذي نقل الحب من الأقبية السرية إلى الهواء الطلق.

 نـزار على الشبكة

وهذه أخيراً بعض الروابط لمواقع عربية اخترناها من بين مواقع كثيرة بنيت بالكامل أو تحدثت عن هذا الشاعر العظيم :

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)