نجيب محفوظ كاتبًا مسرحيًّا، محمود كحيلة (مصر)، نقد الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة نجيب محفوظ)، 2016

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الأحد 18-06-2017
المدن - ثقافة
شريف الشافعي


نجيب محفوظ “كاتبًا مسرحيًّا”..عن حقيقة “النقاد القتلة”


JPEG - 29.2 كيلوبايت
هل كتب نجيب محفوظ النصوص المسرحية؟


اتهامان مثيران، أطلقهما الباحث محمود كحيلة، بشأن النصوص المسرحية النادرة، التي كتبها نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911 - 30 أغسطس 2006)؛ الأول: أن محفوظ نفسه قد أسهم في تهميش نصوصه المسرحية بوضعها ضمن مجموعاته القصصية دون تنبيه واضح أو إعلان عن وجودها، والثاني: أن نقاد الأدب قد أسهموا في قتل تلك المسرحيات بتجاهلهم لها، رغم تميزها شكلًا ومضمونًا ومضاهاتها مستوى أعماله القصصية والروائية.

ويعدد الباحث محمود كحيلة في كتابه "نجيب محفوظ كاتبًا مسرحيًّا"(*)، ثماني مسرحيات حملت توقيع محفوظ ككاتب درامي على امتداد تجربته الخصيبة، وأكدت حضوره ككاتب مسرحي جرى إعداد بعض نصوصه القصصية والروائية للمسرح قبل إقدامه على الكتابة المسرحية المباشرة..

هذه المسرحيات المحفوظية الثماني ذات الفصل الواحد، محل البحث، هي بالترتيب التاريخي: “يميت ويحيي”، “التركة”، “النجاة”، “مشروع للمناقشة”، المهمة" (نشرت بالمجموعة القصصية: “تحت المظلة”، 1969)، “المطاردة” (من مجموعة “الجريمة”، 1973)، “الجبل”، الشيطان يعظ" (مجموعة: “الشيطان يعظ”، 1979).

الاتهامان اللذان أطلقهما كحيلة يحفزان الشهية بالتأكيد لإعادة قراءة نصوص محفوظ المسرحية، في سياقاتها وأطرها المنشورة خلالها، وقراءة تحليل كحيلة الفني بطبيعة الحال لعناصر وثيمات المسرحة لدى محفوظ، لكن هل هما اتهامان جديران بالتأمل المتعمق؟! الحقيقة تقول غير ذلك.
إن نجيب محفوظ لم يشأ منذ البداية، بمحض إرادته الحرة، أن يُفرد لنصوصه المسرحية كتابًا مستقلًا، لأسباب فنية تتعلق برؤيته لتلك النصوص، التي لم تقطع شأوًا بعيدًا خارج مواصفات السرد القصصي، ولو شاء محفوظ لنشر مسرحياته الخمس الأولى في كتاب، ولكانت كافية من حيث العدد، لكنه آثر إدراجها ضمن مجموعته القصصية “تحت المظلة” (1969).

ولم يكن محفوظ على درجة من الخفة تجعله يجهل أهمية منجزه المسرحي، بل إن العكس هو الصحيح، فثقل قدر الرجل هو الذي دفعه إلى نشر مسرحياته الخمس داخل إطار قصصي عام، وهذا ما سلكه في المسرحيات الثلاث اللاحقة. ولو ارتأى محفوظ أن أعماله المسرحية لها الرصيد المأمول، ولاقت الصدى المقبول، فلماذا لم يسهب في كتابتها لاحقًا، واكتفى بثماني مسرحيات فقط؟

أما الاتهام الثاني الذي أطلقه الباحث محمود كحيلة، الخاص بتجاهل النقاد مسرحيات محفوظ، فيفنده الباحث ذاته من جهة، إذ يستعرض في كتابه وهوامشه عددًا لا بأس به من المقالات والأطروحات والكتب النقدية التي تناولت مسرحيات محفوظ، وهي على قلتها مناسبة لهذه المسرحيات، النادرة كمًّا والمثيرة للجدل كيفًا.

ومن جهة أخرى، فإن عدم تركيز النقاد بشكل محوري واسع النطاق على تلك المسرحيات، رغم مرور قرابة أربعين عامًا على نشر آخرها “الشيطان يعظ”، لربما يحمل في طياته دلالة عكسية لما قصده الباحث كحيلة، إذ قد يعني ذلك المؤشر اتفاق كبار النقاد على أن جهد محفوظ الحقيقي هو في المقام الأول في السرد الروائي والقصصي، وما عدا ذلك يظل من باب التجريب أو الرغبة العابرة في طرح شكل مغاير.

ولعل ما أورده الباحث محمود كحيلة في كتابه، من آراء لبعض النقاد في نصوص محفوظ المسرحية، يعكس الخلفية الحقيقية التي تبلور بوضوح أسباب زهد محفوظ نفسه في التركيز على هذا المضمار، الذي لم يكن يرى ذاته أهلًا له، إذ ذهب الناقد جلال العشري إلى أن المسرحيات الواردة في “تحت المظلة” تكاد “تدخل في باب القصة القصيرة”، وأنها “ارتكزت فقط على شكل الجدل والحوار وصراع الأفكار، وتزينت بزي التعليمات المسرحية”، على أن هذا جميعه “لا يجعل منها فنًّا مسرحيًّا بالمفهوم الاصطلاحي لتعبير الفن المسرحي”.

لقد اتكأ محفوظ في مسرحياته ذات الفصل الواحد على قدراته وخبراته في سرد القصص القصيرة، لأنها أقرب الأجناس الأدبية إلى الجنس المسرحي. لكن السرد عدو الدراما، وفق الباحث محمود كحيلة، الذي يذهب إلى أن كتابة محفوظ المسرحية تطورت ونضجت بشكل كبير في أعماله اللاحقة، إلى الدرجة التي تجعل منها مسرحًا كاملًا، بل متميزًا.

مسرحية محفوظ الأخيرة “الشيطان يعظ” (1979)، التي تدور أحداثها في عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، عولجت بأسلوب مختلف، وفق الباحث محمود كحيلة، وفيها ينطق الشيطان بالعظة (تجمُّد البشر، وملكتهم)، ليقوم الشيطان بدور الناصح المخلص الرافض لكل ما آتاه البشر من الفوضى.

وللمرة الأولى، والأخيرة أيضًا، يشير محفوظ صراحة في كتابه إلى أن “الشيطان يعظ”، ذات الفصل الواحد والمشاهد الثمانية، هي “مسرحية”، إذ خلت عتبات جميع نصوصه المسرحية السابقة من مثل هذا التنويه. وكأن محفوظ أراد وقتها، وفق كحيلة، التأكيد بثقة كبيرة أنه كتب مسرحية عربية تعتمد في صياغتها على أثر عربي، كما كان يفعل المسرحيون العرب وقتذاك.
ويأتي ذلك الهوى المحفوظي (الذي لم يكرره في أي محاولات لاحقة، لأسباب فنية بالتأكيد)، ليوافق رؤية الباحث محمود كحيلة، الذي يرى في كتابه أن “الشيطان يعظ” تثبت أن محفوظ على دراية كاملة بكل أبعاد اللعبة المسرحية، وأنه كان بالفعل قادرًا على تقديم صياغات أقوى وأعمق، لكن شخصيته الأدبية المائلة إلى الانفراد والعزلة، هي التي كانت تحول بينه وبين الانخراط التام في الوسط المسرحي لاستكمال جانب عملي تطبيقي لا تستوي الشخصية المسرحية من دونه.

بقي استعراض جزء يسير من “الشيطان يعظ”، بوصفها النموذج الأنضج الذي اختاره الباحث لمسرحيات محفوظ، إذ يتجلى من خلال تلك السطور القليلة من العمل، كيف يهيمن السرد على المشهد، منتصرًا على الدراما التي يصعب أن ينقذها الحوار أو عناصر المسرحة الأخرى: “تأمر الملكة بوقف الحديث بينهما عند هذا الحد، واستدعاء العراف المؤجل لقاؤه، الذي يخبرهما بأن المملكة في خطر، وأن التمرد كامن في قلوب الناس، جهر به البعض فقبض عليهم، وأخفاه الآخرون وراء أقنعتهم الكاذبة، ويخبرها بكل شجاعة أن الشيطان نفسه يعبد الله، ويحذرها من عاقبة قرارها، الذي ستنفجر منه لعنة مدمرة على المدينة بأسرها”.
“نجيب محفوظ كاتبًا مسرحيًّا”، اجتهاد من الباحث محمود كحيلة لقراءة عناصر المسرحة لدى محفوظ في أعماله الثمانية المصنفة شكليًّا كمسرحيات، فضلًا عن أن محاولة محمودة لإلقاء الضوء على ملامح تلك المسرحيات ومدى اقترابها وابتعادها عن آليات السرد القصصي، وتأثرها بالمراحل الفنية المحفوظية: الفاننتازية، التنويرية الفلسفية، التاريخية.

على أن طبيعة الطرح المحفوظي لجميع مسرحياته في سياق عام قصصي، وموقف أديب نوبل المخضرم من كتاباته المسرحية، يُبقيها في دائرة ضيقة، وفق رؤية محفوظ الفنية الدقيقة، ومن ثم تبدو محاولات توسعة هذه الدائرة بالنفخ فيها، على نحو ما فعل الباحث محمود كحيلة في بعض مواضع الكتاب، لونًا من ألوان التعسف.

(*) صدر كتاب “نجيب محفوظ كاتبًا مسرحيًّا”، للباحث محمود كحيلة، في 150 صفحة من القطع الكبير، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة نجيب محفوظ)، 2016.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)