نتفليكس : الثورة الرقمية تتكرّس في مجال الإنتاج والبث

, بقلم محمد بكري


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣١٦٣ الجمعة ٢٨ نيسان ٢٠١٧
جريدة الأخبار
ادب وفنون
NETFLIX : الثورة الرقمية تتكرّس في مجال الإنتاج والبث


الفكرة التي هزّت عالم السينما : «نتفليكس» تتحدّى هوليوود


حُسمت المسألة، وصارت الشبكة الأميركية الرقم 1 في مجال صناعة المحتوى الترفيهي وعرضه. لكنّها، لم تكتف بذلك. راحت تتسلّل إلى عالم الأفلام، حتى بات بحوزتها مشاريع ضخمة. فهل تحقق النجاح في هذا الملعب، وتتمكّن من قلب المعادلة ؟

نادين كنعان

كثُر الحديث في السنوات القليلة الماضية عن أنّ «نتفليكس» أضحت «كابوساً» بالنسبة إلى صناعة الترفيه وسوق الإعلانات التلفزيونية، خصوصاً في الولايات المتحدة.

في وقت قصير نسبياً، تحوّلت الشبكة الأميركية المتخصّصة في إنتاج وبثّ المحتوى الترفيهي إلى أعتى القوى في هذا المجال، مع أعمال اكتسحت نسب المشاهدة وحازت جوائز بارزة (إيمي...)، من بينها الدراما السياسية الشهيرة «بيت من ورق» (كتابة بو ويلليمون ــ بطولة كيفين سبيسي وروبين رايت ــ الأخبار 1/3/2016) العائدة في موسم خامس بدءاً من 30 أيّار (مايو) المقبل، ومسلسل الخيال العلمي والرعب «أشياء غريبة» للأخوين دافر، إضافة إلى أخرى مثل Unbreakable Kimmy Schmidt (موسم ثالث بدءاً من 19 أيار)، و«ناركوس»، وBloodline (موسم ثالث بدءاً من 26 أيار)...

ولأنّه «لا حدود» لخطط «نتفليكس» ومشاريعها، لم يعد القلق محصوراً بالعاملين في مجال الإنتاج على الشاشة الصغيرة والمجالات المتعلقة بها، بل تعدّاه إلى ما هو أكبر بكثير. بعدما اعتُبرت في السابق دخيلة على صناعة السينما، تسلّلت «نتفليكس» تدريجاً إلى هذا العالم عبر عدد كبير من الوثائقيات (Chef’s Table، و13th، و«ماذا حدث، آنسة سيمون؟»، و«الخوذ البيضاء»، وInto the Inferno، وThe Cuba Libre Story...)، قبل أن تطرق باب الأفلام الدرامية السينمائيّة. علماً بأنّ الأخيرة لا تصل إلى صالات السينما بل تُعرض عبر «نتفليكس» حصراً. طموحات أدّت إلى دق ناقوس الخطر في أروقة أهم استديوات الإنتاج في هوليوود وأوروبا على حدّ سواء، لا سيّما بعد إعلان الشركة التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها عن رصد ميزانية تقدّر بستة مليارات دولار أميركي لإنتاج الأعمال التلفزيونية والسينمائية في عام 2017. مع الإشارة إلى أنّ مدير المحتوى في «نتفليكس»، تيد ساراندوس أعلن أخيراً في مقابلة مع موقع The Wrap عن تخصيص ملياري دولار للإنتاجات الأوروبية في السنة نفسها. ثم جاء تعيين سكوت ستابر (منتج شرائط مثل Ted وThe Break-Up) لقيادة عمليات «التطوير، والإنتاج، والاستحواذ المرتبطة بأفلام الشركة الأصلية، فضلاً عن العمل على إقناع صنّاع الأفلام بفكّ ارتباطهم بصالات السينما التجارية»، وفق ما ذكرت وكالة «بلومبرغ» الاقتصادية. يرى كثيرون من المراقبين أنّ هذا الخيار «صائب»، فسبق لستابر أن شغل منصب نائب مدير عام الإنتاج العالمي في «يونيفرسال بيكتشرز»، فيما شارك في الإشراف على مشاريع مهمّة على شاكلة سلسلة Fast and the Furious، و A Beautiful Mind. وهو يدير شركة «بلوغراس فيلمز» للإنتاج (تابعة لـ «يونيفرسال») مع ديلان كلارك، في الوقت الذي تراهن فيه «نتفليكس» على قدرته على «استقطاب المواهب والنجوم».

في جعبة المؤسسة التي ولدت عام 1998 جدول أعمال مزدحم جداً. فيلم ويل سميث الجديد Bright (كانون الأوّل/ أكتوبر 2017 ــ إخراج ديفيد آير)، يملك كل المقوّمات لتحقيق نجاح جماهيري كبير، باستثناء أنّه لن يُعرض تجارياً في آلاف السينمات حول العالم، بل عبر منصة «نتفليكس» التي تعتمد في البث على تقنية التدفق الإكتروني (Streaming)، وتوفّر كذلك خاصية التحميل. شريط الخيال العلمي والفانتازيا هذا، يملك ميزانية تقدّر بـ 90 مليون دولار، وهو واحد من 30 فيلماً قرّرت «نتفليكس» إصدارها خلال عام 2017، بدءاً من الأعمال ذات الكلفة الضئيلة لمنتجين مستقلين، وصولاً إلى إنتاجات هوليوودية هائلة، حسب موقع «مشابل». وهذا رقم يفوق عدد المشاريع التي تحضّرها أبرز الاستيودات خلال عام واحد.

إلى جانب Bright، تضم اللائحة فيلم War Machine (آلة حرب ــ إخراج ديفيد ميشود ــ 60 مليون دولار) من بطولة براد بيت، الذي سيكون متوافراً في 26 أيّار. ولعلّ أضخم المشاريع هو The Irish Man (الإيرلندي) الذي يتوقع أن يبصر النور في 2018 على أقل تقدير، بعدما نجحت «نتفليكس» في شرائه لقاء مئة مليون دولار. التعاون الأوّل بينها وبين المخرج الحاصل على أوسكار مارتين سكورسيزي الذي اعتاد العمل مع «براماونت»، يجمع النجمَيْن روبرت دي نيرو وآل باتشينو. وترجّح مصادر مطلعة أن يجلب هذا التعاون أوّل أوسكار «دسم» لـ «نتفليكس» التي تتوق إلى هذه الجائزة وتعمل جاهدة في سبيلها. يذكر أنّ «الخوذ البيضاء» الذي يصب في خانة البروبوغاندا، حصل أخيراً على أوسكار «أفضل فيلم وثائقي قصير».

على الخط نفسه، كانت «نتفليكس» قد أبرمت اتفاقاً مع آدم ساندلر لتمويل وإنتاج أربع أفلام جديدة، ستعرض حصريّاً عبر منصتها، رغم تحذيرات كثيرة تلقتها من أنّ الممثل الكوميدي الأميركي «أخفق في الفترة الماضية في خياراته السينمائية، كما أنّه لم يعد يحظى بشعبية كبيرة». جاء ذلك إثر توقيع «نتفليكس» عقداً مع شركة Happy Madison للإنتاج في 2014، ينص على العمل على أربعة أفلام من بطولة ساندلر، عُرض منها حتى الآن: The Ridiculous 6 و The Do-Over، و Sandy Wexler، على أن يبصر Yeh Din Ka Kissa النور خلال العام الحالي أيضاً.

هكذا، يبدو أنّ الشبكة الأميركية تسير بخطوات ثابتة نجو تثبيت نفسها قريباً في مجال صناعة السينما. سبق لوكالة «بلومبرغ» أن أكدت أنّه من أجل النجاح في هذه المهمة، على «نتفليكس» إنجاز أفلام «تُحدث الضجة نفسها التي ترافق عادة الشرائط الناجحة التي تنافس على أهم الجوائز»، مشدّدة على أنّ هذا «لن يكون سهلاً»، لأنّ معظم صالات العرض تبتعد عن الشركة بسبب إصرارها على أن تكون أعمالها الخاصة والأصلية جاهزة للـ «سترمينيغ» منذ اليوم الأوّل، في محاولة لتغيير ما هو سائد. وفي مقابل اعتماد الاستيودات الهوليوودية على تجربة السينما في المراحل الأولى، تشرح «بلومبرغ» أنّه بالنسبة إلى «نتفليكس» المعادلة بسيطة جداً: «المال، والموهبة، والكمية، مع مئة مليون اشتراك مدفوع، 19 مليون منها سجلت في عام 2016 فقط». هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ منافِسة نتفليكس «أمازون برايم فيديو» تعرض أفلامها في الصالات أوّلاً قبل أن تجعلها متاحة للـ «ستريمينغ». وفي مقابل القلق الذي يصيب استديوات الإنتاج الهوليوودية البارزة، يبدي عدد من العاملين في مجال صناعة السينما ارتياحهم للتعاون مع «نتفليكس». «أحب العمل معهم دئماً»، قال آدم ساندلر في بيان بعد إعلان صفقة الشرائط الجديدة، مضيفاً: «أقدّر مدى شغفهم بإنجاز الأفلام وجعلها متوافرة للجميع. يشعرونني بأنّني جزء من عائلتهم ولا أستطيع أن أشكرهم كفاية لهذا».

أما المنتج بيتر برينسيباتو الذي بدأ أخيراً تصوير أوّل أفلامه مع الشركة تحت عنوان A Futile and Stupid Gesture (إخراج ديفيد وين)، فشدّد على أنّ «التعاون معها رائع حقاً. صحيح أنّني قد أرغب في وصول أعمالي إلى السينما، غير أنّه بالتأكيد لا يمكنني حذف «نتفليكس» من حساباتي. إنّها توفّر كمّاً هائلاً من الإبداع والحرية». خطط «نتفليكس» ومغامراتها الإنتاجية ضخمة وجريئة، وشروطها قد تكون غير مألوفة مقارنة بـ «السائد» في عالم السينما. فهل ستنجح الشبكة الشهيرة التي أحدثت «ثورة» رقمية في عالم البث والإنتاج الترفيهي (الدرامي تحديداً) في تكريس المعادلة نفسها على صعيد السينما، وهزّ كيان هوليوود؟ فلننتظر!


ويل سميث ولا في الخيال

ضمن أجواء من الخيال العلمي والفانتازيا، يؤدي الممثل الأميركي ويل سميث (1968) في فيلم Bright دور «وارد». ضابط في شرطة مدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية، يتعاون مع شرطي من جنس آخر يُدعى «جاكوبي» (جويل إدغيرتون)، في عالم يجمع البشر بمخلوقات أسطورية. يحمل الشريط توقيع المخرج ديفيد آير (صاحب Suicide Squad)، وهو من كتابة ماكس لانديس. أما لائحة الأبطال فتضم أيضاً: نومي رابيس، ولوسي فراي، وغيرهما. رصدت شبكة «نتفليكس» 90 مليون دولار لإنتاج هذا العمل، وقد انتهت عمليات التصوير في شباط (فبراير) الماضي، على أن يصبح جاهزاً للعرض في كانون الأوّل (ديسمبر) 2017.


براد بيت في أفغانستان

(آلة حرب) هي التجربة السينمائية الأولى التي يخوضها النجم الأميركي براد بيت (1963) بعد قضية طلاقه من أنجلينا جولي. هنا، يظهر بيت بشخصية الجنرال الأميركي دان مكماهون الذي يتم إرساله إلى أفغانستان لوقف الحرب هناك، قبل أن يكتشف أنّه شخصياً يتعرّض لهجوم. ميزانية الشريط تقدّر بـ 60 مليون دولار، وهو يمزج بين السياسة والهجاء والكوميديا السوداء، ومن إخراج ديفيد ميشود، استناداً إلى كتاب The Operators لمايكل هاستينغز. يشارك في العمل كذلك أنتوني مايكل هال، وتوفر غريس، وويل بولتر، وتيلدا سوينتون، وآخرين. 26 أيّار (مايو) المقبل هو موعد العرض الأوّل عبر «نتفليكس».


الإيرلندي بعيون سكورسيزي

أهم المشاريع السينمائية التي تعوّل عليها «نتفليكس» هي The Irishman (الإيرلندي) لمارتين سكورسيزي. لقاء مئة مليون دولار، استحوذت الشبكة على مشروع المخرج الحاصل على أوسكار، الذي سيجمع الممثلَيْن روبرت دي نيرو وآل باتشينو. كتب ستيفين زايلتيان السيناريو بناءً على كتاب تشارلز برانت I Heard You Paint Houses، حول حياة القاتل المستأجر «فرانك شيران»، ويضم اعترافات الأخير بارتكاب جرائم معيّنة قبل وفاته في 2003. يبدأ التصوير في وقت لاحق من العام الحالي، ليُعرض في 2018 على أقل تقدير. إنّه التعاون التاسع بين دي نيرو وسكورسيزي، ويأتي بعد فيلمه Silence الذي خيّب الآمال في شبّاك التذاكر.


عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية

المقال بالـ Pdf في جريدة الأخبار


مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣١٦٣ الجمعة ٢٨ نيسان ٢٠١٧
جريدة الأخبار
ادب وفنون
NETFLIX : الثورة الرقمية تتكرّس في مجال الإنتاج والبث

لندن - سعيد محمد


«الحقيقة» كما تريدها الإمبراطوريّة !


خلال عقد واحد فقط، غيّرت «نتفليكس» ثقافة تلقي المستهلكين في الغرب للأعمال السينمائية والتلفزيونية، ومثّلث أكبر تغيّر نوعي في فضاء صناعة الصورة في العالم. فالشبكة التي تملك الآن أكثر من مئة مليون مشترك (نصفهم في الولايات المتحدة) وفي جعبتها خطط فعالة للوصول إلى 125 دولة على الأقل خلال عامين، بدأت في سحب البساط من محطات التلفزيون الكلاسيكي، وتسبّبت في خسائر تقدّر بملايين الدولارات لدور السينما العامة، وقضت تقريباً على صناعة توزيع الأشرطة السينمائيّة وتأجيرها.

أطلقت «نتفليكس» أيضاً نموذج أعمال جديداً لتوزيع الأعمال الفنيّة والسينمائية، ما لبثت أن تبعتها فيه شركات أخرى مثل «هولو»، و«أمازون»، و«إتش بي» وغيرها، فيما دفعت منتجين كباراً مثل «هيئة الإذاعة البريطانية» إلى إعادة النظر بطريقة الوصول إلى المستهلكين، فقدّمت بديلاً موازياً من خلال خدمتها الخاصة على الإنترنت، وحوّلت بعض قنواتها الرئيسية إلى البث عبر الشبكة العنكبوتية
فقط.

لكن ثورة «نتفليكس» هذه لم تقتصر على توزيع وعرض منتجات الصورة، بل انتقلت إلى ملعب الإنتاج نفسه، مقدّمة مجموعة من أعمال درامية مسلسلة هامّة، عرضت حصرياً عبر منصتها، ثم أفلام وثائقيّة، وأخيراً أفلام دراميّة على نسق سينمائي تسبّبت في قلق بالغ في أجواء صناعة السينما، سواء في هوليوود أو عبر البحار ــ في أوروبا الغربيّة وبالذات في فرنسا ــ من تغيير «ثوري» في منظومة الإنتاج كلّها، تقوده هذه الشركة الصغيرة ذات الطموحات الهائلة. مثلاً، ستنفق هذا العام أكثر من 6 مليارات على شراء المواد المصوّرة وإنتاجها. شركة ــ إن استمرّت الاتجاهات الحاليّة ــ ستنتهي بشكل أو بآخر إلى هيمنة ولو جزئية على صناعة الصورة عالميّاً.

كل هذه التحوّلات الثوريّة في صناعة الصورة وتوزيعها واستهلاكها لم تمّس قيد أنملة المحتوى الثقافي الكلّي للمنتَج الأميركي المصوّر (وما يقوم مقامه من إنتاجات بريطانية أو إسرائيلية وغيرها) الذي تقدمه «نتفليكس»، أو أنماط الخطاب الرأسمالي ــ الأميركي التي تحكمه أو نسق «للحقيقة» التي تريد مؤسسة الهيمنة في الإمبراطوريّة من رعاياها أن يعتنقوها.

فـ «نتفليكس» في النهاية هي ابنة شرعيّة للمشروع الرأسمالي الغربي، ومن غير المتوقع أبداً أن تنطق عن الهوى. بل يمكن القول إنّها تتعمد، وربما بشكل مبالغ فيه، تقديم أوراق اعتمادها للمؤسسة الأميركية من خلال ترويج مكثّف لجرعات البروباغندا الغربية والرواية الأميركية للتاريخ، ورؤية الإمبراطوريّة لشكل المستقبل الممكن.

خذ مثلاً مسلسل «ناركوز»، المسلسل المؤثرعن حياة بارون المخدرات الكولومبي بابلو إسكوبارالذي قتلته الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة. سردت حياة الرجل في المسلسل من وجهة نظر الاستخبارات تحديداً، مع إهمال تام للإطار العام الذي صعد فيه الرجل، وهو الحرب القذرة التي شنتها الإمبراطوريّة الأميركيّة على شعوب أميركا اللاتينيّة طوال عقود الحرب الباردة، وتسببت في مقتل ملايين البشر بحجة مواجهة المد الشيوعي في الحديقة الخلفيّة لواشنطن. الاستخبارات المركزيّة نفسها، كانت وراء ترويج المخدرات في السوق الأميركية، موظفةً العوائد المجزية منها لتسليح مقاتلي «الحريّة» وتدريب فرق الموت وتنظيم انقلابات اليمين المتطرف في كل دول القارة الجنوبيّة من دون استثناء. في المسلسلات الأجنبيّة، شرّعت «نتفليكس» البوابة لتقديم وجهة النظر الإسرائيلية عن القضية الفلسطينيّة من خلال توزيع وإنتاج الأعمال الدراميّة الإسرائيلية عبر العالم كله. هناك الآن مسلسل عن بطولات الموساد الإسرائيلي (موساد 101) و آخر عن إنتصارات الشين بيت (فوضى)، وكلّها تقدّم الإسرائيلي والفلسطيني على نسق ثنائيّة الأميركي راعي البقر الطيّب والهندي الأحمر السيّء، وتوصلها إلى جمهور أبعد بكثير من حدود الجليل والنقب.

في الأفلام الدراميّة، أطلقت «نتفليكس» أخيراً «قصر الرمال»، وهو دفاع مرير عن وجهة النظر الأميركية في غزو العراق، يظهر جنود الإمبراطوريّة كمجموعة مراهقين أميركيين في رحلة، كلهم مميّزون وأبطال بشكل أو بآخر، يقاتلون في ظروف قاسية، ويستشهدون في عمليّة شجاعة لإصلاح تمديدات المياه لبلدة عراقيّة كانت قصفت بالخطأ. حتى لنكاد نبكي تعاطفاً مع هؤلاء الجنود المساكين، من دون أن نتذكر للحظة مليوناً ونصف مليون شهيد عراقي سقطوا بمعدل 3000 عراقي مقابل كل قتيل أميركي في ذلك الغزو الغاشم. هذا بالطبع من دون بقيّة الخسائر الهائلة التي تكبدها الشعب العراقي.

بالطبع تطول القائمة، لكن ما يجمعها أنّها ــ من دون استثناء ــ نظام متكامل من السرد الأيديولوجي الأميركي نفسه الذي عودتنا عليه هوليوود منذ عقود، لكن في تعليب جديد يناسب روح العصر وثقافة التلقي (عبر الإنترنت) الجديدة.

«نتفليكس» ثورة في شكل صناعة الصورة، لكن الشكل حتماً يتبع الوظيفة كما يقول لو كوربوزييه رائد العمارة الحديثة. وهنا وظيفة «نتفليكس» ليست أقل من صنع «الحقيقة» كما تريدها الإمبراطوريّة، بينما ندفع نحن المستهلكين نقوداً كي نراها. بالمناسبة، متى الموسم الجديد من «بيت من ورق» ؟

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية

المقال بالـ Pdf في جريدة الأخبار


مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)