موسوعة وصف مصر التي أُنجزت في مصر خلال الحملة الفرنسية

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الإثنين 17-12-2018
الصفحة : ثقافة
محمود الزيباوي


في “وصف مصر”


اعتبرت موسوعة “وصف مصر” معجزة طباعية عند صدورها في القران الـ19.. فكيف سيكون الإصدار المعاصر؟ الموسوعة من صور الموسوعة صفحات من الموسوعة الموسوعة


لمناسبة اليوبيل الذهبي لـ"معرض القاهرة الدولي للكتاب"، أعلنت “الهيئة المصرية العامة للكتاب” عزمها إصدار موسوعة “وصف مصر” الفرنسية في 37 جزءًا، وذلك بعد مرور 12 عامًا على آخر إصدار لها ضمن مشروع “مكتبة الأسرة”. تعود هذه الموسوعة إلى فترة الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وتختزن خلاصة الأبحاث التي وضعها العلماء في زمن نشوء “علم المصريات”.

دخل نابليون بونابرت، مصر، على رأس جيشه الكبير العام 1798، وكان الهدف من دخوله إلى وادي النيل تأسيس قاعدة لإمبراطورية فرنسية في الشرق، ومنع الإنكليز من الوصول إلى الهند. غير ان هذه الحملة انتهت بعد ثلاث سنوات، إثر هزيمة الفرنسيين الساحقة أمام الجيوش الإنكليزية في معركة أبو قير. اصطحب نابليون معه، خلال هذه الحملة القصيرة، فريقاً كبيراً من العلماء لدراسة آثار مصر وتقاليدها وعاداتها، وكانت نتيجة هذا البحث الميداني موسوعة من 23 جزءاً صدرت تباعا بين العامين 1809 و1826، وحملت عنواناً عريضاً، “وصف مصر، أو مجموع الملاحظات والبحوث التي أُنجزت في مصر خلال الحملة الفرنسية”، وتُعتبر اليوم الإنجاز الحضاري الأكبر لهذه الحملة العسكرية التي منيت بفشل ذريع.

عهَد نابليون بمهمة دراسة مصر، إلى عالِم الكيميائيات الشهير، كلود بيرتوليه، الذي اختار العلماء الذين سيرافقونه في الحملة العسكرية، وأنشأ لهذا الغرض “معهد مصر”. وُلدت “بعثة الفنون والآداب” في 16 آذار/مارس 1798، وضمت 176 عضواً، من مهندسين معماريين وعلماء طبيعيات وكتّاب ورسّامين وموسيقيين، كما ضمّت مجموعة من العاملين في حقل الطباعة بلغ أعضاؤها 22 فرداً. في “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، قدّم عبد الرحمن الجبرتي شهادة حية رصد فيها حوليات الحملة الفرنسية في أدق تفاصيلها، ووصف عمل “بعثة الفنون والآداب”، وسجّل إعجابه الشديد بها. في رصده لحوادث العام 1798، تحدث الجبرتي عن إنجازات الفرنسيين في حقل البناء، وأشار إلى الأساليب الجديدة المعتمدة في هذا الميدان، ووصف الصنّاع بالذين “لا يقطعون الأحجار والأخشاب إلا بالطرق الهندسية على الزوايا القائمة والخطوط المستقيمة”، كما ذكر الأبراج والثكنات التي أقامها الجيش على تل العقارب لحفظ “آلات الحرب”، والمباني التي شيِّدت في حارة الناصرية لتكون دُوراً لـ"أهل المعرفة والعلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والنقوش والرسوم، والمصورين والكَتَبة والحُسّاب والمنشئين".

دخل الجبرتي محترفات الرسامين الذين تبعوا جنود نابليون إلى مصر، واتخذوا من بيت ابراهيم كتخدا السناري، مقراً لهم، وهم بحسب تعبيره “المصورون لكل شيء”. فمنهم رسام “يصوّر الحيوانات والحشرات، وآخر يصوّر الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها”، وهم “يأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الذي لا يوجد في بلادهم، فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم فيبقى على حالته وهيئته لا يتغير ولا يبلى ولو بقي زمناً طويلاً”.

يعكس هذا الوصف أسلوب فريق العمل الخاص بموسوعة “وصف مصر”، كما يشهد لافتتان الجبرتي به.

رافقت هذه البعثة نابليون خلال حملته، وعند عودتها إلى فرنسا، استدعاها وزير الداخلية جان أنطوان شابيل، في شباط/فبراير 1802، واختار منها ثمانية أعضاء لجمع ونشر البحوث التي أُنجزت خلال الحملة. ويقال ان هذا المشروع يعود في المقام الأول، إلى الجنرال جان فرنسوا كليبر، الذي نادى به العام 1799، قبل مصرعه في القاهرة في حزيران/يونيو 1800. ساهم في تحقيق هذا المشروع، فريق كبير من العاملين بلغ عددهم 294 شخصاً. وصنعت مؤسسة “آرش” العريقة، الورق الخاص بهذه الموسوعة الفاخرة، والتي ضمت في الخلاصة 157 دراسة حملت 43 توقيعاً. باشرت “المطبعة الإمبراطورية” بإصدار هذه الموسوعة الضخمة في عهد نابليون، وفرغت من هذه المهمة الطويلة في زمن تحوّلها إلى مطبعة “ملكيّة” في عهد شارل العاشر.

ضمّ هذا الإصدار، 10 مجلدات مخصّصة للنصوص، و13 مجلداً للوحات الطباعية. حوَت المجلدات الأربعة الأولى، البحوث الخاصة بمصر القديمة، وتلتها ثلاثة مجلدات تناولت أحوال “مصر الحديثة”، ومجلًّدان مخصصان للعلوم الطبيعية. صدرت هذه المجلدات تباعاً في ألف نسخة، وعُرضت الموسوعة كاملة للبيع في خزنة مصرية الطابع، قام بتصميمها المهندس المتخصص في الخشبيات شارل موريل. في العام 1829، أعادت “دار بانكوك” إصدار هذه الموسوعة في 37 مجلداً، طُبعت منها كذلك ألف نسخة، وخلت هذه الطبعة من أي لوحة ملونة، بخلاف الطبعة الأصلية الأولى. في حقل دراسة الآثار، تجدر الإشارة إلى البحوث التي حوتها موسوعة “وصف مصر” التي أُنجزت في مرحلة سبقت تلك التي توصّل فيها العلماء إلى قراءة الكتابة الهيروغليفية، ولم تعد اليوم من الدراسات المرجعية.

من المفارقات، أن “معهد مصر” الفرنسي عثر على “حجر رشيد” الذي أتاح للعالِم جان فرنسوا شامبليون، فك شيفرة الهيروغليفية العام 1822. وبهذا الاكتشاف، فتح العالِم الفرنسي آفاق التعرف على حضارة قدماء المصريين وترجمة علومها، بعد إحياء لغتهم “الميتة” منذ قرون طويلة، وباتت الهيروغليفية وأبجديتها تدرَّس لكل من يريد العمل في حقل علوم المصريات. وجد جندي فرنسي هذا الحجر في مدينة رشيد العام 1799، وجهد “معهد مصر” الفرنسي في نقل كتاباته، وابتكر في سبيل تحقيق هذا الغرض طرقاً جديدة في الطباعة، بعدما عالج الحجر الأثري وجعل منه حجراً مماثلاً للأحجار المستخدمة في الحفر والطباعة. ولم ينجح الفرنسيون في الاحتفاظ بهذا الحجر الأثري، إثر هزيمتهم في معركة أبو قير، وهو منذ نهاية العام 1802 في “المتحف البريطاني”، مع قطع مصرية أخرى أُخذت منهم بموجب الاتفاق الذي اضطروا إلى توقيعه مع الإنكليز في الإسكندرية.

اعتبرت موسوعة “وصف مصر” معجزة طباعية عند صدورها، ولا تزال كذلك في زمننا الحاضر، بمعزل عن قيمة نصوصها العلمية. في هذه الموسوعة، كشف علماء فرنسا، مجد وادي النيل الضائع، ونقلوا إلى العالم افتتانهم بأسرار آثارها ومعالمها المنسية. رأى بعض هؤلاء أن هذه الفنون أكبر وأعظم من كل ما ألفوه في بلادهم، ولعل أبلغ ما قيل في هذا الصدد ما كتبه دومينيك فيفان دونون، في دفاتره المصرية: “حملني الصباح إلى هذه الآثار، واقتلعني عنها المساء قلقاً غير راض. رأيت مئة شيء، وفاتني ألف شيء. دخلت للمرة الأولى محفوظات العلوم والفنون. هي العلوم والفنون وقد تآلفت مع ذائقة رفيعة لتزيين هيكل إيزيس. هنا، لعلوم الفلك والأخلاق والماورائيات، أشكال تزين سقوفاً وعقوداً وأسساً، كما تجمّل عربساتنا الفارغة ردهاتنا الصغيرة”.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.


على ويكيبيديا

عن الصورة

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)