سينما

مشاهدة فيلم العصفور للمخرج المصري يوسف شاهين Film Le Moineau de Youssef Chahine

, بقلم محمد بكري


مع ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 تأمل الشعب المصري خيرا بحلم التطور والانتعاش الاقتصادي والنمو، لينهار مع نكسة حرب 1967. يبحث يوسف شاهين في فيلمه عن أسباب الهزيمة. خرج الفيلم في عام 1972، وكان يبشر بالحرب والانتصار فيها، بمشاركة كل الشعب المصري ليفاجأ بالهزيمة وبعده إعلان الرئيس تنحيه عن منصبه، فخرج الشعب غاضباً، رافضا الهزيمة ويتمسك بالصمود والحرب حتى التحرير. وأصبحت «بهية» رمزا للوطنية ورمزا لمصر، لتجسد في نهاية الفيلم بصرختها “لأ، ح نحارب لأ، ح نحارب” رغبة الشعب المصري في النضال. فهذا الفيلم كان تسجيلا مهما لعودة صوت الشعب فقد حركت النكسة دور الأمة وأنزلها إلى الشارع.

العصفور فيلم أنتج عام 1972 من كتابة وإنتاج إخراج يوسف شاهين، بطولة محسنة توفيق، على الشريف، محمود المليجى، صلاح قابيل.




العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الجمعة 2018/07/13 - السنة 41 العدد 11047
الصفحة : ثقافة
أمير العمري - كاتب وناقد سينمائي مصري


عودة إلى سينما الهزيمة : “العصفور” نموذجا

فيلم “العصفور” يسلط الضوء على غياب حرية التعبير، ليشير إلى أن هزيمة 1967 ستقع أساسا نتيجة هذا العامل.

JPEG - 115.8 كيلوبايت
كل في طريق

أخرج يوسف شاهين فيلم “العصفور” عام 1972، ولكنه منع من العرض وظل ممنوعا إلى ما بعد حرب أكتوبر، فعرض عام 1974، ويعتبر “العصفور” الجزء الثاني من “ثلاثية الهزيمة” التي بدأها شاهين بفيلم “الاختيار” (1970)، واختتمها بفيلم “عودة الابن الضال” (1976)، وتعتبر من أفضل ما صنع شاهين طوال مسيرته السينمائية، ويعود تميز أفلام الثلاثية في المقام الأول إلى النضج السياسي الذي بلغه يوسف شاهين نتيجة قربه من مجموعة من الكتاب والنقاد التقدميين، ثم تعاونه مع عدد من أفضل كتاب السيناريو.

في “العصفور” أراد لطفي الخولي كاتب السيناريو مع يوسف شاهين، تقديم صورة لمجتمع الهزيمة في 1967 من خلال عمل غير تقليدي يعتمد على رؤية حداثية تقوم على تعدد الشخصيات والأماكن والانتقال في الزمن بين الماضي والحاضر، يتخلص من البطل الفردي، ويحمل من الدلالات الرمزية بقدر ما يحمل من دلالات واقعية.

ولذلك جاءت شخصيات الفيلم مثلها في ذلك مثل شخصيات أفلام شاهين الأخرى في تلك المرحلة “الأرض”، “الاختيار” و“عودة الابن الضال” تجمع بين الرمز والواقع، بين وجود الشخصية الواقعي، ورمزها إلى شيء أكبر من وجودها المحدود.

بهية الرمز

أولى هذه الشخصيات وأكثرهـا بروزا هي شخصيـة “بهيـة” (محسنـة تـوفيق)، وهي سيـدة تعمـل خيـاطـة في حي شعبي قـاهـري، تعيش مع ابنتها “فاطمة” طالبة الجامعة، بعد انفصالها عن زوجها “جوني” (محمود المليجي) الذي لا يزال يحوم حول بيتها.

وتجمع بهية حولها شخصيات وطنية مختلفة: الصحافي الثوري المثقف “يوسف” (صلاح قابيل)، والشيخ الأزهري المستنير موزع الكتب الثورية “الشيخ أحمد” (علي الشريف)، وابنتها فاطمة، ثم “رؤوف” (سيف عبدالرحمن) ضابط الشرطة الذي يتمرّد على طبقته.

وبهية هي رمز لمصر، فهي تحتضن الجميع، تحنو عليهم، تمنحهم الدفء والاعتزاز الوطني والتفاؤل حتى في أحلك اللحظـات، وهي المرجعية وقت الشدة، تربطها عـلاقـة حـب خفيـة بالصحـافي الثـوري “يوسف”، ولكـن يـوسف ليـس رجـلا يمكنه أن يحب ويُحب، كما تقول فاطمة لرؤوف، فهو مشغـول بقضيته في كشف الفساد والرغبة في تغيير المجتمع وتصفها فاطمة بقولها إنها “أقوى ست (امرأة) في الدنيا.. أقوى من الدنيا نفسها.. صحيح أنها تجاوزت الأربعين، لكنها تحمل قلب فتاة في الثامنة عشرة”، وبهيـة كـانت تستضيف في بيتهـا كـل ليلة المغني الثوري “جـابر زيدان” (المعادل الغائب للشيـخ إمام) الـذي يتغنى بحـب مصـر التي يطلق عليها “بهية” في الأغنية الشهيرة التي تتـردّد كثيرا عبر مـراحل الفيلم.

ويستقل رؤوف في بداية الفيلم سيارة مع شقيقه ناجي (محمود قابيل)، فرؤوف ضابط شرطة يذهب لتسلم عمله في إحدى قرى الصعيد، بينما ناجي ضباط في الجيش يذهب ليتخذ موقعه على الجبهة بعد أن أعلن عبدالناصر تحريك القوات استعدادا للحرب المحتملة مع إسرائيل.

ونظل نتابع ناجي وما يحدث له على الجبهة على فترات متقطعة من خلال الرسائل التي يبعث بها إلى رؤوف، بينما نبقى معظم الوقت مع رؤوف في محاولته التوصل إلى مكان المجرم الخطير “أبو خضر” الذي يستولي على آلات المصنع الجديد الموجود بالقرية منذ ست سنوات، والذي لم يتم استكمال بنائه أبدا، ويقتل الخفير “حميدة” الذي حاول وقف اعتداءاته على المصنع، والذي كان كفيلا بتشغيل ستة آلاف عامل.. لكن أبوخضر مجرد واجهة لعصابة “الكبار” النافذين في أعلى السلطة.

وقد عاد الشيخ أحمد من القاهرة إلى الصعيد ليأخذ بثأر حميدة زوج أخته “زبيدة” (رجاء حسين)، لكن رؤوف يقبض عليه لمنعه من ارتكاب الجريمة، فالسلطة حشدت قواتها لتصفية أبوخضر، والوزير طلب من اللواء إسماعيل والد رؤوف الإشراف بنفسه على تنفيذ العملية، والمطلوب قتل أبوخضر وليس القبض عليه لإخفاء الأدلة على تورط المسؤولين الكبار.

والـد الصحـافي يوسـف “فـؤاد فتـح الباب” (أو فؤاد بك)، هـو أحـد كبـار المسـؤولين ومـن قيـادات الاتحـاد الاشتـراكي، وهـو أيضا شريك في شركة جديدة للتصدير والاستيراد، تذهب إليها الآلات المنهوبة من المصنع، ويحاول فؤاد بك إبعاد ابنه يوسف عن التحقيقات الصحافية السيـاسية الكاشفة، ويغريه بمنصب كبير في الشركة، لكـن يوسف يتمسك بدوره في مقاومة الفساد ويذهب إلى الصعيـد محاولا الوصول إلى أبوخضر قبل أن تقـوم السلطة بتصفيته. اللواء إسماعيل الـذي يقـود حمـلة قتل أبـوخضر هـو أيضا ضالع في الفساد، وابنه رؤوف يعـرف هذا، لذلك يترك منزل العائلة رغـم حبه لوالدته (مريم فخـرالـديـن) ويـذهـب للإقامة عند بهيـة، أي أنـه يتخلى عـن طبقته ثم عـن مهنته.

وسرعان ما يلتقي الجميع في منزل بهية، وتتصاعد رياح الحرب في قيظ شهر يونيو 67، وتتداخل الرموز مع الشخصيات الحقيقية، ويصبح موضوع سرقة مصانع القطاع العام، أي الدولة، معادلا للفساد الذي يعشّش في مجتمع ما قبل الهزيمة.
التمرد على الطبقة

يسلط الفيلم الضوء على غياب حرية التعبير من خلال ما نراه من تعقب بهية والتحقيق معها، واعتقال الشيخ أحمد، ومنع يوسف من الكتابة بدعوى الحفاظ على الأمن العام، ليشير الفيلم إلى أن الهزيمة ستقع أساسا، نتيجة كل هذه العوامل.

ويرمز جوني والد فاطمة، وزوج بهية السابق، إلى الجيل القديم من المتعاونين في الماضي مع الإنكليز، فهو معظم الوقت سكران، يهذي بما يشي ويتحسر على أيام الإنكليز، وقت أن كان يعمل لحسابهم في التهريب وتجارة السوق السوداء في منطقة القناة، وهو يرى أن ما يحدث في “المجتمع الجديد” مجرد لعبة كبيرة ينتصر فيها دائما الكبار.

ويعاني رؤوف من أزمة هوية، فقد كان يعتقد دائما أن والده الحقيقي هو المغني الثوري جابر زيدان صاحب الألحان التي تتغنى بحب مصر، وسنعرف في ما بعد أن جابر لحساسيته الشديدة ويأسه من التغيير آثر الانتحار، ويرتبط رؤوف عاطفيا بفاطمة التي تبدو أكثر منه وعيا، وهي التي تدفعه إلى التخلي عن عمله كضابط شرطة، والانحياز لقوى التغيير.
أجواء الحرب

يصوّر الفيلم ببراعة أجواء القاهرة قبيل انفجار الحرب في يونيو 1967: عودة الجنود المصريين من اليمن في القطارات وهم ينشدون “سالمة يا سلامة”، ثم الجنود وهم في طريقهم إلى سيناء بعد إعلان التعبئة، ونرى ضابطا يودع زوجته بقوله إن المسألة كلها ستنتهي خلال أسبوع، وتستمر الشاحنات التي تحمل الآلات المنهوبة في السير على مدار الفيلم.

وتأتي لحظة ينشغل فيها الجميع عن بهية: الشيخ أحمد يبحث عن ملذاته مع عشيقته السرية، يوسف مشغول في الجريدة، رؤوف يتعقب الشاحنات ليعرف من الذي يقف وراء مسلسل النهب والسرقة، وفاطمة مشغولة برؤوف، وجوني غائب باستمرار عن الوعي.

أخيرا تندلع الحرب، يتجمع الناس في المقاهي، يبث مذياع كبير البيانات العسكرية: إسقاط طائرات العدو وترتفع الأعداد باستمرار.. تهليل وتصفيق من الجميع.. أغاني التحريض تتدفق على شريط الصوت، يغني عبدالحليم “اضرب. اضرب. اضرب” وتردّد فايدة كامل “حضرب لآخر نقطة في دمي”. وفي مشهد شديد الدلالة مساء السابع من يونيو بعد أن بدأت البلاغات العسكرية تبدو أكثر غموضا والحديث الرسمي عن الانسحاب إلى خط الدفاع الثاني، يخرج فؤاد بك بالسيارة ليلا ومعه زوجته يريد الابتعاد معها عن القاهرة “إلى أن تهدأ الأحوال ونعرف ماذا سيحدث؟”، ويدور الحوار التالي بين فؤاد والسائق:

ما تولع فوانيسك يا مدبولي..

إزاي والفوانيس مدهونة يا بيه؟

ولع ما يهمش..

ما احنا لسه فيها يا بيه..

بقولك ولع.. ما خلصت!

لقد أدرك أن الحرب التي بدأت منذ يومين فقط قد انتهت، وأصبح همه النجاة بنفسه من حساب يتخيل أنه قادم لا محالة، في الجريدة يتجمع الصحافيون وهم في حالة ذهول، رؤوف يذهب لمقابلة يوسف الذي يبلغه بوجود شقيقه رياض في الكونتيلا المحاصرة، ويستشهد رياض بعد ذلك، وسنرى ذلك في فلاش خاطف من أرض المعركة.

وفي المقهى يرتفع صوت أم كلثوم “مصر التي في خاطري وفي دمي”، لقد بدأت النغمة الحماسية تخبو.. وأمام المقهى بهية تسأل جنديا عاد من المعركة: ما الذي حدث يا علي؟ يجيب بأن الأوامر صدرت بالانسحاب إلى خط الدفاع الثاني، يعلق جوني ساخرا “كنت فين يا علي وأمك بدور عليك!”.

نصل إلى مشهد الذروة داخل صالة شقة بهية، حيث يتحلّق الجميع حول جهاز التلفزيون، بهية الوحيدة التي تشعر بالتفاؤل، لقد برز الرمز مجددا، ومن خلال مونتاج رشيدة عبدالسلام البارع نشاهد لقطات من شوارع القاهرة خالية تماما. صمت تام في كل مكان، البنايات صامتة.. المساكن الشعبية تكتسي بالحزن.. ثم يأتي صوت الرئيس عبدالناصر يمهد في حزن لما سيعلنه قبل أن تظهر صورته على شاشة التلفزيون، الشيخ أحمد يصرخ “يانهار أسود.. لازم انهزمنا واحنا موش داريانين” ثم ينفجر في نوبة بكاء.

ويعترف عبدالناصر بتعرض البلاد “لنكسة خطيرة”، ثم يعلن تحمله المسؤولية وتنحيه عن منصبه، تصرخ بهية “أبدا.. لا.. حنحارب”. يصل التصعيد العاطفي في المشهد من خلال بنائه وتسلسل لقطاته واستخدام شاهين المحسوب بدقة شديدة للصوت والصورة إلى ذروته مع اندفاع بهية خارج المنزل، حيث ترصدها الكاميرا من أعلى وهي تسير وحدها في الظلام وسط الشارع تصرخ “حنحارب”.

وتفتح نوافذ البيوت، تمتلئ الشرفات بالبشر، تتدفق الحشود إلى الشوارع في لحظة درامية لا مثيل لها في السينما المصرية، ترتفع شعارات رفض الهزيمة وضرورة استكمال المشوار، وفي لقطة رمزية ينطلق العصفور من القفص على شباك
بهية، وعلى شريط الصوت يأتي صوت الشيخ إمام “ورفاق مسيرة عسيرة وصورة حشد”.. إلخ.

وينتهي واحد من أكثر الأفلام المصرية جرأة في التعبير عن الهزيمة من خلال التحليل السياسي والاجتماعي، والربط بين الفساد الداخلي والانهيار على مستوى الجبهة الخارجية، ويقدّم يوسف شاهين بالتعاون مع المصوّر مصطفى إمام ومهندس المناظر نهاد بهجت، مستوى رفيعا في تصميم المشاهد وتكوين اللقطات، بحيث بدا الفيلم بأكمله في انتقالاته المختلفة بين الداخل والخارج، وبين الليل والنهار، وبين القاهرة والصعيد، سيمفونية بصرية هائلة، مع شريط صوت شديد البلاغة والتأثير.

غموض وارتباك

ربما يعاب على الفيلم بعض الغموض والارتباك في بدايته، وتعدّد الشخصيات وكثرة التداخل في ما بينها، وبعض الانحراف عن الخيط الأساسي، كما تبدو شخصية الطفل الصعيدي الذي يصر على الذهاب بأي وسيلة إلى القاهرة ليأتي بحفنة تراب لعلاج صديقه المريض، خارج السياق، خاصة أن مغزاها يتناقض مع ما يمثله الطفل كرمز للجيل القادم.

وهناك أيضا بعض الاستطرادات في مشهد سقوط السيارة التي تحمل الشيخ أحمد ورؤوف في الترعة، وإخراجها بتعاون أهل القرية، واستخدامها كرمز يجمع بين الشيخ المتديّن والضابط المتمرّد على طبقته الذي ينضم إلى النضال الشعبي ويلتف حول بهية التي يعتبرها أمه البديلة.. أو مصر.

وفّق شاهين كثيرا في اختيار الممثلين مبتعدا عن النجوم، وأسند في شجاعة دور الصحافي الثوري إلى صلاح قابيل الذي أداه بمهارة واقتدار وثقة، وأسند إلى محسنة توفيق دور بهية لتظل رمزا دائما
لمصر حتى يومنا هذا، كما يبدع محمود المليجي في دوره الصغير، وحمدي أحمد في أدائه الكاريكاتوري لشخصية الضابط الانتهازي، ورجاء حسين في دور زبيدة التي يتطلع إليها الضباط في نهم، ينتهكون جسدها بنظراتهم، وبرع كثيرا في دور لا ينسى علي الشريف (الشيخ أحمد) ونظيم شعراوي وصلاح منصور ومريم فخرالدين وحسن البارودي وعبدالوارث عسر، من يصدق اليوم أن شاهين جمع كل هؤلاء العمالقة في فيلم واحد!

ولم يكن سيف عبدالرحمن مقنعا في دور رؤوف، أما حبيبة أو جلاديس أبوجودة ملكة جمال لبنان السابقة، فكانت مكمن السحر والرقة والأنوثة في الفيلم، وقد أضفت على دور “فاطمة” سحرا خاصا، والمؤسف أنها ماتت منتحرة في باريس في ما بعد.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)