مذكرات سيدة الشاشة العربية الفنانة المصرية الراحلة فاتن حمامة Faten Hamama (1931 - 2015) - Egypte

, بقلم محمد بكري


 السيرة الذاتية للفنانة الراحلة


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الأحد - 6 شعبان 1436 هـ - 24 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات فاتن حمامة : أسرار وتفاصيل تنشر لأول مرة عن حياة سيدة الشاشة العربية

السيرة الذاتية للفنانة الراحلة.. تلقي الضوء على تجربتها الحياتية والفنية


من الصعب على المرء أن يتقبل رحيل من يحب، وأن يتقبل بسهولة أن تغيب صورته من أمام أنظاره، لذلك تكون ذاكرته دائما في حالة استدعاء لما فقد، وقد تكون تلك هي الحالة التي أعيشها الآن وأنا أسطر تلك الصفحات التي تحوي مذكرات ومسيرة وسيرة الفنانة الراحلة فاتن حمامة، الإنسانة والحالة الفنية الرائدة في عالمنا السينمائي المصري والعربي، التي صنعت تاريخها بميزان صائغ، وأزاميل نحات، وسيرة ملتزمة، قلما نجد فيها أخطاء المبتدئات أو ما يمكن أن يجرح حضورها الذي كان دائما استثنائيا.

سقطت كلماتي بردا وسلاما على مسامع فاتن قبل نحو سبع سنوات من رحيلها، ابتسمت وهي تلمس شفتيها بأنامل يدها اليمني، وكانت تلك هي بداية الطريق الصعب والمهلك، بل والمضني أيضا. حينذاك أنهت فاتن اللقاء بكل لطف رافضة عرضي عليها بأن أسطر عنها «كتابا» يتضمن مذكراتها الشخصية تكون هي راويته الوحيدة، ولكن أملي في أن يكون ضمن مجموعة مؤلفاتي كتاب عنها لم ينقطع، خصوصا وأنا أعلم جيدا من خلال التجارب المتعددة في عالم الكبار أنهم يرفضون دائما أن يضعوا أنفسهم على المحك وأن يجلسوا على كرسي الاعتراف وأن يفتحوا بطون التاريخ بسيرتهم ومذكراتهم التي قد تؤذي البعض ممن أحبوهم.

منذ تلك اللحظة بدأت مع فاتن حمامة رحلة طويلة من الاتصالات والمعايدات في بعض المناسبات المختلفة، واستطعت في بعض الأحيان «اختراق الحاجز» وإقناعها بإجراء مجرد حوارات صحافية معها لأنشرها في بعض المجلات والصحف العربية والمصرية، ولم تكن تبخل أبدا علي بذلك، وبعد عدة حوارات صحافية حدثتني خلالها الراحلة عن ملامح متفرقة من حياتها الشخصية وعن مجتمعها الذي رحل بتقاليده وأعرافه، بدأت من جديد أطرح الفكرة التي رفضتها من قبل ولكنها في تلك المرة طلبت مني فرصة كي تعيد ترتيب أفكارها وتدرس الأمر بشكل جدي قبل أن تجيبني.

وبالفعل تركتها وأنا في حالة غريبة وعجيبة من النشوة، لعل كان أهم أسبابها أنني في حالة موافقتها على أن أسطر كتابا عنها سيكون معظم مادة الكتاب جاهزا ومتوفرا تحت يدي، وهو تلك الحوارات التي كنت قد أجريتها معها ولم أكن قد نشرتها بعد، إذ كنت أحتفظ بها لمثل ذلك اليوم. وبالفعل بعد مدة قد تكون طالت وأثناء حديث تليفوني بيننا وافقت فاتن على أن أقوم بصياغة وكتابة مادة ذلك الكتاب.

وأمدتني فاتن ببعض ما نشرته في مختلف الصحف العربية والعالمية والمصرية حول كثير من تفاصيل حياتها في فترات الخمسينات والستينات والسبعينات، وأيضا أمدتني الكاتبة الصحافية نعم الباز بمادة عظيمة هي ثلاثون ساعة إذاعية كانت قد سجلتها مع فاتن حمامة عن سيرتها ومسيرتها.

لقد استطاعت فاتن حمامة حقيقة خلال مشوارها الفني الطويل أن تؤسس لمدرسة من الرقي السينمائي والاجتماعي وبموازاة هذا الرقي الذي كان واضحا تماما في خياراتها السينمائية التي كانت معبرة تماما عن الواقع المجتمعي المصري والعربي، ظلت حياتها الشخصية بمعزل عن الشائعات والاتهامات والأسرار «إلا قليلا من منتصف الستينات إلى منتصف السبعينات» بما يتوافق مع مكونات الأيقونة التي نسجتها بخيوط من حرير حضورها في الذاكرة الجمعية، من دون أن تغادر الواجهة، رغم احتجابها عن الشاشة بعد انتهائها من مسلسلها الأخير «وجه القمر» الذي عرض في بداية الألفية الجديدة.

فاتن حمامة في تلك السيرة والمسيرة الحياتية تطرح كثيرا من الأسرار والتفاصيل وتجيب عن كثير من الأسئلة التي ظل بعضها عالقا بلا إجابة واضحة في أذهان جمهورها في مصر والوطن العربي وبعض البلدان الأوروبية التي كانت أفلامها تصل إليها، فتتحدث فاتن أو «تونة» كما كان ينادونها بهذا الاسم، أسرتها والمقربون منها، عن نشأتها وتكوينها داخل أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة المصرية وكيف استطاع والدها أحمد حمامة الذي كان كثير التنقل بسبب عمله الوظيفي الحكومي أن يرعاها وينمي موهبتها ويضعها بقوة على بداية طريق المجد. تروي فاتن حمامة تفاصيل بداية حياتها الفنية في فيلم «يوم سعيد» والسبب الذي جعلها ضمن أبطاله وكيف كان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لا يجيد النص السينمائي بينما كانت تجيده.

كما تقص أيضا كيف استطاعت وهي في هذه السن الصغيرة أن تتحمل عناء العمل السينمائي داخل استوديوهات التصوير في القرى والنجوع والمدن والحضر وفي بلاد الدلتا ومحافظات الصعيد، تتحدث فاتن أيضا عن حياتها الدراسية التي لم تتأثر بنجوميتها التي بدأت وهي ما زالت طفلة، وعن جمهورها الذي أصبح يطاردها في كل مكان متجاهلا اسمها ويناديها باسمها السينمائي «أنيسة»، وكم كان ذلك يسبب لها الحزن وأحيانا البكاء. كما تقص حكاية حبيبها الأول، والصفعة الأولى من والدها، وكيف أصبحت مدمنة لقراءة روايات الحب ولماذا ظلت سنوات طويلة تكره مشاهدة شماعات الملابس وعقدتها معها.

تستحضر فاتن سر غضبها من يوسف وهبي واحترامها لعملاق المسرح زكي طليمات الذي عالج لثغة كانت تلازمها في النطق، وتعترف بأن زواجها الأول عقد دون علم أسرتها، وعاشت مع عز الدين ذو الفقار سنوات حب وصراع اكتشفت خلالها خيانته لها، وتروي لماذا استخدم ذو الفقار علاقته السياسية لنفي شقيقه ضابط الجيش إلى السودان. تتحدث بكل شجاعة عن الحب الذي تلاشى لعز الدين وعن العشق الذي بدأ مع عمر الشريف «زوجها الثاني» منذ النظرة الأولى، وعن الأحلام التي طاردها فيها عمر والتي انتهت بالزواج، رغم تأسيس جمعية من جمهور فاتن يعلنون مقاطعة أفلامها لأنها فضلت قلبا آخر على قلوبهم، وأيضا الصراع والحرب التي شنت عليها فور إعلانها رغبتها في الزواج بعمر الشريف، وتروي تفاصيل وأسرارا حول مسيحية ويهودية عمر الشريف، وأيضا تتعرض بأدق التفاصيل لمسانداتها له ومحاولاتها المضنية التي قدمتها لكي تصنع منه نجما كبيرا يقف بقوة على قمة الساحة الفنية في مصر والوطن العربي.

تتحدث فاتن عن ثورة 23 يوليو (تموز) وعن الصلات والعلاقات التي جمعتها بقياداتها، وعن دورها في دعم الثورة ومساندتها، وأيضا سر صراعها معها بعد ذلك ومطاردات صلاح نصر ومخابراته لها في مصر وفي لندن وباريس التي هربت إليها بعد محاولة فاشلة لتجنيدها في زمن «قسم المندوبات» بالمخابرات العامة. تتحدث لماذا كرهت جمال عبد الناصر ولماذا حزنت لأن إسرائيل هي التي أسقطته ولم يسقطه الشعب المصري، وتروي محاولات لم تحققها لمبدعي ومثقفي مصر من زملائها وأصدقائها وعلى رأسهم أم كلثوم لإعادتها إلى مصر.

تتحدث بصراحة عن الهزيمة في 1967 والنصر في أكتوبر 1973 والطريق بينهما، وأيضا تطلعنا على الغربة وسنوات المنفى التي عاشتها متنقلة مع زوجها عمر الشريف بين لندن وباريس ونيويورك وهوليوود وبلدان ومدن أخرى، وتتذكر الحرمان والجفاء الذي تعامل به عمر الشريف معها منذ بداية نجاح فيلمه العالمي «لورانس العرب» إلى أن اتفقا على الطلاق، وتسرد كيف كانت مديرة أعماله كارولين هي التي تديره بدلا من أن يشارك زوجته أفكاره وطموحاته.

كما أنها تتحدث عن رحلة العودة إلى مصر ومواجهتها الجميع في شجاعة وتحدٍّ والتغاضي عن نظرات وكلمات وعبارات اللوم والشماتة التي قوبلت بها من البعض، وأيضا تتحدث عن المؤتمرات العالمية والعلاقات الاجتماعية التي جمعتها بكبار المفكرين والكتاب والصحافيين فتروي مقالب الشقيقين مصطفى وعلي أمين، وبكاءها بعد لقاء طه حسين.

العقبات التي واجهتها في طريقها إلى المجد السينمائي من زملاء وزميلات الوسط الفني تتحدث عنها بكل شجاعة، وتسرد الشائعات التي طاردتها وكيف كانت تتغلب عليها، وتروي كواليس أفلام «يوم سعيد، فاطمة، اليتيمتين، موعد مع السعادة، لا أنام، أرض السلام، لا تطفئ الشمس، صراع في الوادي، دعاء الكروان، بين الأطلال، إمبراطورية ميم، لحن الخلود، أفواه وأرانب»، وأعمال أخرى كثيرة.

تروي علاقاتها بكل من «محمد عبد الوهاب.. يوسف وهبي.. زكي رستم.. أمينة رزق.. نجمة إبراهيم.. ماجدة الصباحي.. فريد الأطرش.. مديحة يسري.. أحمد رمزي.. عبد الحليم حافظ.. زينات صدقي.. محمود ياسين.. فريد شوقي.. هنري بركات.. يوسف شاهين.. يحيى الفخراني.. إلخ).

عن فيلمها السينمائي الخالد الذي هز مشاعر ووجدان كثيرين «أريد حلا» تروي لماذا ركزت فيه على ضرورة مساواة المرأة مع الرجل أمام القانون، تتحدث عن الزعماء والقادة الذين عاصرتهم وكان من بينهم السادات، وتقص علينا قصصه ولقاءاتها معه، وأيضا تتحدث عن مصر في بداية الثمانينات وفترة التسعينات باستفاضة وفترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، كما أنها تسجل هنا شهادتها عن ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو بكل شجاعة.

تروي قصة زواجها الثالث والأخير من الدكتور محمد عبد الوهاب وكيف تعرفت عليه، ولماذا ارتبطت به، وتشرح تفاصيل كثيرة بينهما، أهمها كيف كان ذلك الرجل هدية السماء إليها، وأيضا تتحدث لماذا رفضت حكم الإخوان المسلمين والتيارات الدينية المتشددة، ولماذا اعتبرت أن الحجاب في العقل وليس «شيلة» على الرأس، وتتحدث باستفاضة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي وتطرح بصراحة شديدة رأيها فيه.

وفي النهاية، المذكرات الشخصية والسيرة الذاتية للفنانة فاتن حمامة ليست إلا نموذجا لأحد الأجناس الأدبية التي يعبر فيها الإنسان عن تجربته في الحياة وعن عواطفه وأفكاره وانطباعاته التي تنعكس على فترات مهمة للغاية في تاريخ وطنه.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 طفولتي بين «يوم سعيد» وضحكات عبد الوهاب


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الاثنين - 7 شعبان 1436 هـ - 25 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (1) : طفولتي بين «يوم سعيد» وضحكات عبد الوهاب

قلت لعبد الوهاب بعد نوبة قوية من الضحك كانت تصيبه بعد كل كلمة أنطق بها: «أنت حتشتغل كويس ولا نجيب غيرك؟!»


مذكرات ومسيرة وسيرة الفنانة الراحلة فاتن حمامة، الإنسانة والحالة الفنية الرائدة في عالمنا السينمائي المصري والعربي، والتي صنعت تاريخها بميزان صائغ، وأزاميل نحات، وسيرة ملتزمة، قلما نجد فيها أخطاء المبتدئات أو ما يمكن أن يجرح حضورها الذي كان دائما استثنائيا التي تنشرها «الشرق الأوسط» بترتيب مع وكالة «الأهرام» للصحافة.

قبل نحو سبع سنوات من رحيلها بدأت مع فاتن حمامة رحلة طويلة من الاتصالات والمعايدات في بعض المناسبات المختلفة، واستطعت في بعض الأحيان «اختراق الحاجز» وإقناعها بإجراء مجرد حوارات صحافية معها لأنشرها في بعض المجلات والصحف العربية والمصرية، ولم تكن تبخل أبدا علي بذلك. حدثتني عن ملامح متفرقة من حياتها الشخصية وعن مجتمعها الذي رحل بتقاليده وأعرافه. بدأت من جديد أطرح الفكرة التي رفضتها من قبل ولكنها في تلك المرة طلبت مني فرصة كي تعيد ترتيب أفكارها وتدرس الأمر بشكل جدي قبل أن تجيبني.

وبالفعل تركتها وأنا في حالة غريبة وعجيبة من النشوة، لعل كان أهم أسبابها أنني في حالة موافقتها على أن أسطر كتابا عنها سيكون معظم مادة الكتاب جاهزا ومتوفرا تحت يدي، وهو تلك الحوارات التي كنت قد أجريتها معها ولم أكن قد نشرتها بعد، إذ كنت أحتفظ بها لمثل ذلك اليوم. وبالفعل بعد مدة قد تكون طالت وأثناء حديث تليفوني بيننا وافقت فاتن على أن أقوم بصياغة وكتابة مادة ذلك الكتاب. ولما قابلتها بعد المحادثة التليفونية ابتسمت وهي تلمس شفتيها بأنامل يدها اليمنى، وكانت تلك هي بداية الطريق الصعب والمهلك، بل والمضني أيضا.

فاتن حمامة تطرح كثيرا من الأسرار والتفاصيل وتجيب عن كثير من الأسئلة التي ظل بعضها عالقا بلا إجابة واضحة في أذهان جمهورها في مصر والوطن العربي، فتتحدث فاتن أو «تونة» كما كان ينادونها بهذا الاسم، عن أسرتها والمقربين منها، عن نشأتها وتكوينها داخل أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة المصرية وكيف استطاع والدها أحمد حمامة الذي كان كثير التنقل بسبب عمله الوظيفي الحكومي أن يرعاها وينمي موهبتها ويضعها بقوة على بداية طريق المجد.

اسمي فاتن أحمد حمامة من مواليد 2 مايو (أيار) عام 1931، ولدت في حي عابدين، وهو حي يسكنه أبناء الطبقة المتوسطة من المواطنين المصريين، بين أشقائي «نبيل ومظهر وليلى»، أما اسمي هذا الذي عرفت به فلم يكن اختياره صدفة بل إن له قصة، بدأت عندما كان لشقيقي «نبيل» الذي يكبرني بعامين «دمية»، أطلق عليها من بنات أفكاره اسما غريبا، وكان هذا الاسم هو «فاتن»، فلما وضعتني أمي جاء شقيقي إلى جوار فراشي ووضع «فاتن» هدية منه لي، فأطلقت أمي اسم العروسة الدمية عليّ، فأصبحت أنا «فاتن حمامة» ابنة الأستاذ «أحمد حمامة» المراقب الإداري بوزارة المعارف.

وابنة لأم طيبة سهرت علينا الليالي كانت لها حكمة خاصة في إشاعة العدل بيننا، وفي إضفاء شعور المودة والتضامن بين صغيرنا وكبيرنا، وهو الأمر الذي تعجز الأم كثيرا عن إقراره بين الأولاد الذين يولد بعضهم فوق رؤوس البعض، وللحق فقد ترك عدل أمي وقدرتها على صنع الحب في بيتنا أثرا باقيا في نفسي، وهو درس كنت أحاول دائما أن أطبقه بين ابنتي نادية ذو الفقار وابني طارق عمر الشريف، وألتزم به في معاملتي لهما.

ولكن الدرس الذي تعلمته من أمي كان من موقف لها حين تزوجت «بعد ذلك»، فقد كنت صغيرة، وفي العام الأول من زواجي أنجبت ابنتي نادية من المرحوم عز الدين ذو الفقار، ولم تكن عندي أدنى فكرة عن كيف أعتني بها، ومتى أرضعها؟ ومتى تنام؟ وكيف أضعها في الفراش؟ كانت قطعة من اللحم الأحمر لا تكف عن الصراخ، وكانت تثير حيرتي لأنني أشعر أحيانا أنها تشكو من شيء لا أعلم ما هو؟ لأنها لا تتكلم! إذ ذاك تصدت أمي للعمل كله، وكنت قد قرأت كتبا عن تربية الطفل، ولكن المعلومات النظرية عن الأرق شيء والتطبيق العملي شيء آخر، والحقيقة أنني وجدت أمي أفضل من أي كتاب في تربية الطفل، فإنها ببساطة علمتني فن الأمومة، أعطتني كل تجربتها وتركت بيتنا الكبير «بيت الأسرة» لتقيم معي أياما تعطيني فيها الدروس في غير ملل، حتى السهر على نادية تعلمته منها، لأن نادية كانت عنيدة وتفضل نوم النهار وسهر الليل، وإذا سهرت الليل فينبغي أن نسهر معها كـ«الديدبان» في نوبات تستغرق الليل بطوله وتنتهي في الصباح. وقد كنتُ ساخطة على السهر، ولكن جَلَد أمي علمني أن هذه هي ضريبة الأمومة، وكنت متذمرة من بكاء نادية لغير سبب، ولكن محاولات أمي دون يأس معها علمتني الصبر، وتحولت ابتسامة نادية في وجهي إلى وسام وإلى إشراقة سعادة تعوضني عن كل التعب معها، أمي علمتني الأمومة الحقيقية بينابيع الحنان المتدفقة منها بمعاني إنكار الذات المتجلية فيها بالتحمل البطولي من أجل «الضنا» الغالي، وكنت كلما حاولت أن أخفف عنها الأعباء التي تحملها معي أجدها تقول لي: «أنا سعيدة هكذا.. فليس أحلى من الفرحة بالبنت إلا الفرحة ببنت البنت».

أعود لأكمل أن قيود وظيفة والدي كانت هي التي تتحكم في محل إقامتنا، فكان أبي كـ«ـقطعة الشطرنج»، تنقله وزارة المعارف من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وترتب على ذلك أنني أمضيت سنين الطفولة الأولى في مدينة المنصورة (مقر عمله الجديد)، وعندما كنت في السادسة من عمري، كنت موضع حب سيدات الأسر الصديقة جميعا، وكانت إحداهن كلما ذهبت إلى السينما تصحبني معها، وكنت أعود من السينما وأجلس إلى والدي لأروي له قصة الفيلم بتسلسل عجيب، فلم يكن يفوتني مشهد واحد، ثم أعقب تلخيصي للقصة بأسئلة عن الهدف الذي ترمي إليه، وهذا هو أول الدروس التي وعيتها عن فن السينما، وأفادني هذا الدرس فيما بعد في قراءة قصص أفلامي ومعرفة نواحي القوة والضعف في كل فيلم، لأنني ناقدة بفطرتي وكنت لا أمل مشاهدة الأفلام مع هذه السيدة أبدًا، بل كنا أحيانا ندخل السينما في حفلتين متعاقبتين «حفلة الساعة الثالثة ثم حفلة السادسة» وأعود أكثر نشاطا وأكثر تفتحا لمذاكرة دروسي. وكانت لأبي هواية، هي تصويري في مشاهد ومواقف مختلفة وأنا بين الخامسة والسابعة، وكنت ذكية ولماحة أفهم ما يعنيه والدي دون إفصاح.

وفي أثناء زيارة بعض الأقارب لنا ذات مرة، نظر إليّ أبي نظرة فهمت منها ما يعنيه على الفور، ولم تتمالك إحدى السيدات نفسها فقالت: «الله هو احنا في سينما ولا أيه؟»، وضحكوا وعقب أبي ضاحكا، وقال: «سأقدم فاتن للسينما فعلا»، وبالفعل، فما إن قرأ في مجلة «الاثنين» عن مسابقة صور للأطفال، حتى سارع بإشراكي فيها، وأحضر لي حينذاك زيا خاصا بالممرضة، وحملني حملا إلى أحد المصورين الذي التقط لي «أروع صورة لممرضة في السادسة من عمرها»، وطلب من والدي أن يطبع له خمسمائة صورة، فتعجب والدي لطلبه، متسائلا عن سبب كل هذا الكم من الصور، فقال له المصور: «وجه طفلتك جذاب، وستكون نجمة كبيرة وهذا العدد لنوزعه على المعجبين»، فضحك والدي واعتبر الأمر مزحة من المصور المتفائل، ولكن بالفعل فازت الصورة بالجائزة.

وبدأت أتردد على مكتب عبد الوهاب كل يوم ليقوم المخرج محمد كريم بتدريبي على التمثيل والوقوف أمام الكاميرا، وكنت أستيقظ كل صباح فأجلس في سريري الصغير وأقول لأبي: «بابا، أحنا مش رايحين عند المُعلم كريم النهار ده؟»، هكذا صور لي خيالي مخرجي الأول، صورة معلم، فقد كان المعلم أقرب الشخصيات إلى نفسي بعد والدي، والطفل لا يبتعد كثيرا في تشبيهاته وتصويره البدائي للأمور عن المحيط الذي يعيش فيه، ومن هنا كان مخرجي الأول في نظري معلما، وكان كريم يستقبلني على الرغم مما اشتهر به من عصبية بابتسامة مشرقة، وكنت أرى على مكتبه دائما عشرات الهدايا وقطع الشوكولاته ووعودا صامتة من المخرج ونداء للإجادة.

فكنت كلما أتقنت مشهدا حصلت على إحداها، وقد عرفت فيما بعد أن دور «أنيسة» الذي لعبته في فيلم «يوم سعيد» كان دورا ثانويا لا يتطلب ظهور صاحبته على الشاشة سوى دقائق قصيرة، ولكن المخرج كريم إزاء ما رآه في من مقدرة وما لمسه من موهبة (وهذا كلام أنقله بأمانة وبلا غرور) رأى أن يعيد كتابة القصة في كل ما يختص بدوري، وقد اقتضى التغيير في الدور إدخال تعديل كبير في السيناريو بأكمله، كما استعان المخرج بثلاثة من كبار كتاب الحوار ليضعوا للطفلة الصغيرة حوارا يلائم سنها وتنطقه كما ينطق الأطفال.. وأتذكر في تلك الفترة أن أجري معي أول حديث صحافي حمل عنوان «مع الطفلة فاتن»، وحضر الصحافي إلى المنزل وجلس يتحدث معي:

- هل تحبين التمثيل؟

- ماذا يعني التمثيل؟

- يعني التمثيل في السينما.

- نعم، أحب أروح السينما دائما.

- ما شعورك عندما شاهدت نفسك على الشاشة؟

- اسأل بابا يقول لك.

- وأنت لا تستطيعين أن تقولي؟

- لأني لست أفهم ما تقول.

- تقدري تسأليني سؤالا جيدا؟

- نعم.. أنت جاي عندنا ليه ونحن لا نعرفك؟ وأنت لست قريب بابا ولا ماما؟

- أريد أن أجري معك حديثا صحافيا.

- أنا معنديش حديث.

بهذه العبارات البسيطة والعفوية جرى الحديث، ونُشر في مجلة «الاثنين»، لقد كنت حينذاك الزائرة اليومية الوحيدة لمكتب عبد الوهاب، كما كان كريم هو الوحيد الذي التقيت به هناك، ولكني لاحظت في أحد الأيام وجها آخر غير وجه كريم، وجها آخر صاحبته ممتلئة الجسد تتكلم بطلاقة لغة لا أفهمها، ويوافقها كريم بإعطائها ورقة راحت ترسم عليها خطوطا سريعة، وبعد أن انتهت من الرسم عرضت عليه رسوما ترسمها ويدخل هو عليها بعض التعديلات، وعلى الرغم من أن زيارة السيدة الغريبة أثارت فضولي، فإنني لم أسأل عمن تكون أو ماذا كانت تريد، وعرفت فيما بعد أن هذه السيدة لم تكن إلا «خياطة ثياب» للممثلات، وقد جاءت يومها لتصمم ملابس الفيلم، وبعد هذه الزيارة بأيام ثرت للمرة الأولى كما تثور كل حواء، وكان السبب هو أقوى ما يثير حواء؛ فقد حملوا إليّ بضع «جلاليب» من النوع الريفي ذي الألوان الزاهية، وقد رفضت بشدة أن أرتديها، وصحت قائلة: «مش ممكن ألبس زي داده نفوسة» (وهكذا ثارت فاتن الصغيرة دفاعا عن أناقتها قبل أن تعرف ما هي الأناقة وما الغرض منها، ولكنها غريزة المرأة وإحساسها الداخلي).

وقد لجأ كل من والدي وكريم إلى الحيلة في جعلي أرضخ لهذا الأمر، وعرضا علي أن أرتدي ما أريد، بشرط أن أرتدي قبلها «الجلاليب» في الفيلم، وكان العرض عادلا فقبلته على الفور، وكان طبيعيا، وقد طرأ تغيير كبير على حياتي، أن يتغير معه نظامي اليومي فقد وضع لي المخرج برنامجا دقيقا يبدأ في الساعات الأولى من الصباح، وينتهي بدخولي السرير، وكان من بين ما اشترطه في هذا البرنامج أن أستقبل الصباح الباكر في إحدى الحدائق بالغناء، وأن أتناول كل وجبات محدودة الأصناف في مواعيد دقيقة، وأن أزور كل ليلة الطبيب الخاص، وللزيارات الطبية هذه ذكريات عندي، ذكريات مؤلمة، حيث كان رسول الإنسانية بملابسه البيضاء يثير في نفسي الفزع ويدفع بالدموع إلى عيني.

وبدأ العمل في الفيلم، ودخلت الاستوديو للمرة الأولى، وتخيلت نفسي صورة غريبة في بلاد العجائب؛ فقد كان كل ما حولي غريبا (الأضواء والآلات السوداء العملاقة) وتلك العين السحرية التي راحت تحصي علينا حركاتنا وتسجل علينا لفتاتنا، التي كان صراخ كريم يعلو في كل مرة ينظر أحدنا داخلها. إنها «الكاميرا» تلك الآلة الساحرة التي صنعتني وصنعت الكثيرين مثلي. وأذكر عن أول لقطة لي أنها كانت تجمع بيني وبين الأستاذ محمد عبد الوهاب والسيدة فردوس محمد، وأذكر أيضا أن نوبة قوية من الضحك كانت تستبد بعبد الوهاب بعد كل كلمة أنطق بها، وقد طلب المخرج محمد كريم إلى عبد الوهاب مرارا أن يكتم ضحكه، ولما تعذر عليه ذلك صرختُ فيه بدوري طالبة منه أن يكف عن الضحك، ونظر إلى عبد الوهاب بعينين فيهما الكثير من الدهشة، ثم استغرق في الضحك ثانية، وكان العمل في بعض مشاهد الفيلم يتطلب السهر ليلا، وقد حرص مدير إنتاج الفيلم على أن يوفر لي في الاستوديو سريرا صغيرا، ولكن الذي حدث هو أنني لم ألجأ إلى السرير مرة واحدة، فقد كان شغفي بالعمل يشد جفوني شدا قويا، ويطرد النعاس من عيني، بل أكثر من هذا؛ كنتُ لا أنام ولا أترك غيري ينام، وكثيرا ما كنت أتجول في أنحاء الاستوديو ثم أصرخ قائلة: «بابا.. بابا.. شوف الراجل الكبير النائم.. والست دي اللي بتتثاءب» فيترتب علي حديثي الصارخ أن ينهض النائم خجلا، وأضحك أنا عليه.

وأيضا أثناء تصوير الفيلم قال لي المخرج محمد كريم محاولا تدريبي على التعبيرات الحركية للوجه: «وريني الغضب»، ثم قال: «ورينى الفرح»، ثم قال: «احتقريني»، فقلت له «يعني أيه يا أونكل»، فقال لي: «إخص عليكي يا فتونة ما تعرفيش احتقار يعني أيه، أُمّال بتروحي المدرسة إزاي»، فقلت له: «أصل أحنا لسه ما أخدناش خط رقعة، وما أعرفش غير النسخ»، وغاص الجميع في موجة من الضحك. والطريف أيضا أن التصوير كان يتم في «استوديو مصر»، وكانت المنطقة مليئة بالناموس، وكانوا يصورون من الساعة السادسة مساء حتى السادسة صباحا، وعندما كنت أشعر بالضيق كان المخرج يمارس ألعاب الأطفال معي، بينما والدي ووالدتي اللذان يصطحباني دائما غارقان في النوم، وأيضا أثناء تصوير الفيلم وفي أحد مشاهده كانت تقول لي فردوس محمد: «خدي يا أنيسة طلعي الأكل لسي كمال (عبد الوهاب) واللّه ما أنا عارفة حيدفع أجرة الغرفة إمتى»، وأقوم بدوري وأتناول الصينية وأخرج من الشقة وكأني سأصعد لأعلى، وبعد انتهاء المشهد انشغل المخرج بتصوير مشهد آخر لم أكن مشاركة فيه، وبعد مدة فوجئ بي أحضر إليه وأنا ما زلت أحمل الصينية، وأقول له: «أنا مش عارفة اطلع له الصينية فين يا أونكل»، ويضحك المخرج معلقا علي ذلك ويقول: «يا للمسكينة. لقد تصورت أن عليها أن تصعد لأعلى فانتظرت وهي تحمل الصينية كل ذلك الوقت».

انتهينا من تصوير الفيلم، وعرض فيلم «يوم سعيد» في عام 1940، وقد نشأت منذ اليوم الأول لعرضه منافسة جادة بين اسمي «فاتن» واسم «أنيسة»، الاسم الذي حملته في الفيلم، فكانت زميلاتي في المدرسة ينادينني باسم «أنيسة»، وكنت أثور لهذا فقد كان الاسم في نظري «بلدي»، وقد شاهدني مكتب الناظرة ثائرة أكثر من مرة، وكان السبب هو اسم «أنيسة»، وقد رأت الناظرة أن تهب لنجدتي، فأصدرت أمرا مشددا بحرمان من تناديني باسم «أنيسة» من الطعام يوما كاملا. وأيضا لا يمكن أن أنسى موقفي مع عميد الممثلين يوسف وهبي، كما كان يحب أن نناديه، فقد كان له مواقف مرحة تبعث على الضحك أحيانا كثيرة رغم أنه يؤثر أن يحول العمل الفني، سواء كان مسرحية أو فيلما إلى مأساة؛ فقد دعا يوسف وهبي ذات مرة إلى اجتماع عاجل في نقابة الممثلين لبحث شؤون المهنة، وكان نقيبا للممثلين حينذاك، فعلق على باب القاعة التي سيعقد فيها الاجتماع لافتة تحمل العبارة التالية: «رجائي للسيدات من الممثلات أن يتركن أطفالهن خارج القاعة»، وحدث أن حضرت إلى النقابة لحضور الاجتماع بصفتي ممثلة، ودخلت القاعة مع راقية إبراهيم، وجلست فيمن جلس لكي نشترك في المناقشة ولكن رغم أن القاعة قد غصت بالممثلين والممثلات، فقد بقي يوسف وهبي صامتا لا يريد أن يفتتح المناقشة، وكان ينظر تجاهي وسمات الغضب بادية على وجهه، ثم قال آخر الأمر: «يبدو أن الزميلات تجاهلن الرجاء المعلق بخطوط كبيرة على باب القاعة، وجاءت إحداهن بطفلة معها»، وتلفتت السيدات من الممثلات حولهن، وقالت إحداهن: «ليس في القاعة أطفال يا أستاذ، ولم تأتِ إحدانا بطفلها أو طفلتها معها»، ولكن يوسف وهبي أشار نحوي وأنا أجلس بجوار راقية إبراهيم قائلا: «وهذه الفتاة بنت من منكن؟»، وساد القاعة سكون واتجهت الأنظار كلها نحوي، وأغرورقت عيناي بالدموع، وملأت حمرة الخجل وجنتي، وأشحت بوجهي بعيدا ولم أستطع أن أقول شيئا، فقد كنت ما زلت طفلة صغيرة، ولكن راقية إبراهيم سارعت تقول: «هذه ليست طفلة يا أستاذ يوسف. إنها فاتن حمامة الممثلة»، وتمتم يوسف بك معتذرا، وصاح بلهجته التمثيلية المعروفة قائلا: «يبقى نبدأ الاجتماع». وفي أعقاب الاجتماع استبقاني يوسف وهبي ليتحدث إلى وليعيد اعتذاره لي وتأسفه لأنه لا يعرفني ولم يرني من قبل، ولم يستطع يوسف بك على ما يبدو أن ينسى هذه الحادثة، رغم أنه كثير النسيان، ولم يكد يشرع في إنتاج وإخراج فيلم «ملاك الرحمة» حتى أسند إلى أكبر أدواري على الشاشة حتى تلك الفترة، وكان هذا الدور بالذات هو نقطة التحول في حياتي، حيث جعلني حقيقة واقعة كممثلة يشهد لها الجميع بالموهبة.

من هنا كانت بدايتي

جاءت إلى سينما «عدن» بالمنصورة السيدة «آسيا» المنتجة الشهيرة، لمناسبة عرض فيلم لها بالسينما، ولست أدري لماذا «سرحت» في تلك اللحظة. لقد شعرت بشعور عجيب وغريب، وهو أن الجميع يصفقون لي، وأن آلاف العيون تتطلع إلى وتقول: «هذه ملكتنا.. وإنها لجميلة وصغيرة»، وفسرت حلمي اليقظ بأنني سأكون يوما ما مثلها، ولم أكن أعرف عن التمثيل والسينما سوى أنني كنت أذهب بين الحين والآخر مع أسرتي لنرى حوارا ونسمع كلاما ونخرج بسلام آمنين، وقلت لأبي: أريد أن أسلم على هذه السيدة التي أراها أمامي على الشاشة، فوافق أبي، وتحركت نحو السيدة آسيا، ولكنني وجمت بل خفت من الزحام الشديد الذي أحاط بها فتراجعت. ثم قرأ أبي إعلانا في الصحف أو نداء من الصحف ممهورا بإمضاء المخرج محمد كريم، وكان يطلب صغارا بشروط خاصة للظهور في الفيلم الذي يخرجه هو وينتجه ويمثل فيه الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأرسل أبي صورتي وأنا بزي الممرضة إلى المخرج الكبير، وسرعان ما تلقى أبي البرقية التالية «احضر ومعك الطفلة»، فحملني أبي إلى محمد عبد الوهاب ومحمد كريم، فأجريا امتحانا لي، وطلب كريم مني أن ألقي نشيدا، فألقيت عشرة أناشيد بدلا من نشيد واحد، وكان أن عدل محمد كريم في الرواية في الدور الذي يخصصه للطفلة، وتعاقد معي على القيام بهذا الدور في فيلم «يوم سعيد»

مع الموسيقار عبد الوهاب في “يوم سعيد”

وقد جمع بيني وبين عبد الوهاب مشهد آخر اشترك فيه معنا الممثل فؤاد شفيق وفردوس محمد، وكان حواري في هذا المشهد من النوع الساذج الذي يثير الضحك، وكعادة عبد الوهاب لم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك، وشعرت بالضيق من ضحك عبد الوهاب المتواصل، فتوقفت عن العمل ورفعت أصبعي الصغير في الهواء، وقلت لعبد الوهاب بصوت عالٍ: «أنت راح تشتغل كويس وإلا نجيب غيرك» ولم يضحك عبد الوهاب وحده هذه المرة، وإنما ضج معه كل من في الاستوديو بالضحك، ووقفت أنا في دهشة من تصرفهم اسأل نفسي: «إشمعنى المعلم كريم يطرد الممثلين ويجيب غيرهم وأنا لا؟!»، وكنت أذهب إلى الاستوديو لأعود منه في آخر اليوم محملة بالهدايا والألعاب، ولم يكن المخرج والمنتج هما وحدهما اللذان يقدمان إلى الهدايا، بل كان يشاركهما في ذلك الزائرون أيضا. وعلى ذكر الزائرين أقول إن المخرج محمد كريم كان يصدر تعليمات مشددة بألا يدخل أحد الزوار إلى الاستوديو، ولكني وجدت أن إحدى السيدات زارتنا في أحد الأيام بإذن من كريم، وقدمت لي هدية لطيفة، ثم جلست تتسامر مع بعض الموجودين، ودارت الكاميرا، فلم تسكت الزائرة، وهنا تقدمت منها ولكزتها في يديها وقلت لها: «يا ستي خدي هديتك ولا تعطلينا»، وشعرت السيدة بحرج شديد فانخرطت في البكاء، وتقدمت منها اربت على كتفها وأقول: «معلهش يا ست هانم، أصل الشغل متعب شوية»، ففوجئت بها تتوقف عن البكاء وعادت تضحك على الببغاء الصغير الذي يردد كلام مخرجه.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 حكايتي مع الرقص وأستاذة الحب


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الثلاثاء - 8 شعبان 1436 هـ - 26 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (2) : حكايتي مع الرقص وأستاذة الحب

استقلت من رئاسة فريق التمثيل بالمدرسة لأن المشرف عليه جامل طالبة أخرى بمنحها دوري بالمسرحية التي كنا نعدها


كانت البداية بالنسبة للفنانة الكبيرة فاتن حمامة، تستحق لقب استثنائية، فلم تكن تتوقع أن تصبح ممثلة ولا أن تشارك في بطولة فيلم مع نجوم ونجمات الصف الأول في مصر في أربعينات القرن الماضي، ولكن كان إصرار والدها دافعًا كبيرًا في أن يضع أقدامها على أولى خطوات المجد السينمائي والإنساني والاجتماعي، وهنا تواصل فاتن حمامة مذكراتها عن تلك المرحلة:

لقد ذكرت سابقًا ما عانيته من زميلاتي اللاتي تعمدن مناداتي بلقبي في الفيلم، أما المدرسات فكن يلتففن حولي في «الفسحة» ليطمرنني بعشرات الأسئلة عن التمثيل وكيف يكون وعن المخرج وكيف يعمل ثم تنهين أسئلتهن دائمًا بالسؤال عن زميلي الكبير محمد عبد الوهاب، ولم أكن يومها أدرك مكانة عبد الوهاب عند المعجبات، وكنت كثيرًا ما أقول لنفسي لماذا لا يسألنني عن محمد كريم، فقد كان محمد كريم في نظري هو الشخص الوحيد الذي يجب السؤال عنه ولِمَ لا وهو أستاذي ومعلمي وكنت أحب كريم، وأحب أيضًا سيدة فاضلة هي زبيدة الحكيم، فقد كانت تأتي دون هدايا وتجلس إليّ وتحدثني في شؤون كثيرة مما يهم الأطفال وكأنها في مثل عمري، وقد ظل اسم هذه السيدة يطرق ذاكرتي بين حين وآخر حتى غمرتنا شواغل الدراسة واقترب موعد الامتحان.

أذكر أننا سافرنا حينذاك إلى مدينة المنصورة في رحلة قصيرة، وما كدنا نغادر القطار حتى التف الناس حولنا في المحطة وراح الجمهور الصغير الذي تكدس أفراده حولي يصفق ويصيح «أنيسة.. أنيسة»، واستبد بي يومها الغضب فوجدتني أرد على «جمهوري» الأول باقتضاب ولم يجد أبي مخرجًا سوى حملي على ذراعه وجاهد طويلاً حتى وصل إلى الباب الخارجي. وقد غاظني من والدي أن شاهدته يبتسم لذلك الجمهور رغم كل ما حدث ولم أفهم يومها أن ابتسامات والدي كانت بسمات الرضا وبسمات الاعتزاز بتلك الموهبة الصغيرة الكامنة في طفلته «ابنته» ووصلنا إلى المنزل الذي كنا نقيم فيه وما كدنا ننتهي من تناول طعام الغداء حتى سمعنا هتافات عالية تردد «عايزين أنيسة.. عايزين أنيسة».

وفتح والدي الشباك قليلاً ووقف ينظر من بين دفتيه لما يحدث خارجه وكان المنظر الذي طالع والدي منظرًا غريبًا، فكان هناك مئات من طلبة مدرسة المنصورة الثانوية تتقدمهم فرقة كشافة المدرسة وهي تعزف بعض المقطوعات الحماسية فيقاطعها الطلبة صائحين «عايزين أنيسة» وخشي عليّ والدي من ظهوري في الشرفة فأمرني بالاختباء داخل المنزل ثم استدعى خادمًا نوبيًا صغيرًا كان يعمل لدينا وطلب إليه أن يخرج إلى الشرفة، وخرج الخادم الصغير يرفع إليهم يده الأبنوسية الصغيرة ويبادلهم التحية بمثلها، وضحك الطلبة، ولكنهم ظلوا في أماكنهم لا يغادرونها وظلوا على موقفهم لا يحيدون عنه - لقد جاؤوا من أجل أنيسة ولن يجلوا عن المكان إلا بعد رؤيتها؟ - فخرجت إلى الشرفة أنظر بدهشة إلى الذين احتشدوا حول منزلنا ليروني وساءلت نفسي.. لِمَ؟ وبقيت «لِمَ» سؤالاً بلا جواب حتى أدركت أن الناس تجذبهم الشهرة «كما يجذب الرحيق الطيب بالزهور النحل». لقد خرجت إلى الشرفة والابتسامات على شفتي والابتسامات كان مصدرها فريق الكشافة قبل أي شيء آخر ويدي في الهواء تلوح للهاتفين وأشرت إليهم أن يسكتوا فأطاعوا الأمر ثم ولأول مرة في حياتي وقفت فيهم موقف الخطابة، فقلت لهم «إذا كنتم عايزيني انبسط وأحبكم.. قولوا عايزين فاتن، فاتن مش أنيسة، علشان أنا بازعل قوي من اسم أنيسة». وصاح الجميع «تعيش فاتن.. تعيش فاتن» ثم علا صوت من بينهم يهتف «تعيش أنيسة» فردد الجميع الهتاف من بعده وهدموا على الفور ما جاهدت في بنائه، ولم أجد من الغيظ مهربًا إلا في الدموع فأطلقتها غزيرة وأسرعت بالدخول.

في اليوم التالي صحبني والدي إلى حفل إقامته في المنصورة وزارة المعارف بالنادي الرياضي وما كدت أدخل المكان حتى استقبلني همس خافت «أنيسة أهي.. أنيسة أهي» وأمسك والدي بيدي وراح يخترق مقاعد الحاضرين حتى وصلنا إلى مقصورة رجال وزارة المعارف وما كاد مدير والدي في العمل أن يشاهدني وكان ضمن الجالسين إلا ووجدته ينهض من مكانه وأقبل عليّ مقدمًا لي علبة كبيرة من الشوكولاته وشاهد الحاضرون ما فعله المدير فصفقوا طويلاً، واضطر المشرفون على البرنامج إلى تعطيله دقائق حتى انتهت المظاهرة!

لقد ظهرت نتيجة الشهادة الابتدائية، فإذا بي بين المتفوقات المتمتعات بالنجاح، وقال لي إحساسي بالجميل والعرفان إن أقدم الشكر لمدرساتي اللواتي ساعدنني على هذا النجاح وذهبت في اليوم التالي إلى مدرسة المنصورة الابتدائية وكان يسير خلفي خادمنا النوبي - سابق الذكر - يحمل صينية كبيرة من الكنافة اشتهرت والدتي بإجادة صنعها ونصف دستة من زجاجات الشراب وأقمنا حفلة صغيرة في المدرسة وانهالت على القبلات من كل جانب، وكان من بينها قبلة واحدة من عشرات القبلات كنت أود من كل قلبي إلا تستقر على وجنتي، وهي قبلة لمدرسة اشتهرت بيننا بالقسوة ولم يكن قد حدث بيني وبينها طيلة العام الدراسي ما يجعلني أكرهها إلا أنني كنت لا أحبها «لله في لله» كما يقولون، ولكن المهم أن انحنت عليّ المدرسة المذكورة تقبلني وشعرت كأنما قد حط على خدي حجر كبير انفلت فجأة من الجبل، وعندما رفعت شفتيها عني كان وراء المظهر القاسي قلب مليء بالحنان ووراء النظرة الصارمة دموع تنتظر لحظة ضعف لتنهمر.

وحاصرتني الدموع من كل جانب ووجدت دموعي تتدفق هي الأخرى «دموع الفرح». وانتهت مرحلة دراستي الابتدائية وقرر والدي أن يلحقني بمدرسة «الأميرة فوقية» بالجيزة لقربها من المنزل الذي انتقلنا إليه وكانت ناظرة المدرسة سيدة عصرية تعتني عناية خاصة بتنشئة تلميذاتها تنشئة رياضية في الحدود التي تسمح بها تقاليدنا الشرقية، كما كانت تشجع الهوايات النافعة ومن بينها التمثيل، ومن هنا كانت مشجعة لي أن التحقت بأحد هذه الأنشطة فالتحقت بفريق الرقص الإيقاعي وقد أظهرت فيه براعة أدهشت المشرفين عليه ثم انتقلت إلى رئاسة فريق التمثيل في المدرسة وكان الذي رشحني لشغل منصب الرئاسة لذلك الفريق هو دوري في «يوم سعيد» وقد استعانت المدرسة بأحد مديري التمثيل في المسرح المدرسي الذي كان قد أنشأه «زكي طليمات» لنشر الثقافة المسرحية في المدارس.

وقد عانيت كثيرًا من هذا المدرب، فقد كان لسبب لا أعلمه يضطهدني وينتقص من مقدرتي على التمثيل وقد قرر أن يقدم فريق المدرسة مسرحية «الهادي» ووقع عليّ الاختيار دون الطالبات للقيام بدور البطولة فيها وبدأت أستعد لأداء الدور فحفظت حواره كاملاً وبت أنتظر البروفات وفوجئت ذات يوم ولم يبقَ على العرض إلا بضعة أيام معدودة، بأن المدرب يسحب مني الدور ليهديه إلى تلميذة أخرى. وثُرت لهذا القرار وشكوت الأمر إلى الناظرة وقلت لها إنني لا أري سببًا لمثل هذا التصرف، وقد أيدتني الناظرة فيما قلت واستدعت مدرب التمثيل الذي زعم لها أن صغر سني يحول دون قيامي بالدور الذي يتطلب فتاة أكبر وأطول قامة وقد حاولت الناظرة أن تثنيه عن عزمه ولكنه تشبث بالأمر واضطررت إزاء هذا التصرف العدائي إلى الاستقالة من الفريق.

لقد كان موقفي هذا غريبًا بين زميلاتي فظل أمر اعتذاري عن التمثيل حديث الطالبات فترة غير قصيرة وأقيم الحفل دون أن أشترك فيه. وفي اليوم التالي، اجتمعنا في فترة «الفسحة» أنا وبعض زميلاتي فرحت أقول رأيي الصريح في المسرحية وأنتقد التمثيل نقدًا دقيقًا صارمًا. وانتابني حماس مفاجئ فرحت أثبت العلم بالعمل، فجسدت أمام زميلاتي أدوار شخصيات المسرحية المختلفة حتى أدوار الخدم والأدوار الثانوية لم أنسها وما أن انتهيت من التمثيل حتى فوجئت بعاصفة من التصفيق والتففت حولي لأجد الطالبات والمدرسات جميعًا كن قد بدأن يتجمعن حولي الواحدة تلو الأخرى، ولكني لفرط اندماجي في التمثيل لم أشعر بهم إلا لحظة انتهائي من التمثيل وانتحت بي إحدى المدرسات جانبًا وقالت: «انتي بكره حتكوني ممثلة كبيرة يا فاتن»، ولا أدري إلى اليوم إذا كانت جملة مدرستي هذه كانت نبوءة أم مجرد عبارة إعجاب وتشجيع وكل ما أدريه أنني قد أصبحت ممثلة ناجحة أتذكر هذه الشهادة بين حين وآخر فأشعر بها تدفعني إلى الأمام.

ولما كانت الطبيعة قد حبتني بجسم صغير فقد سهل علي هذا الأمر حتى أصبحت المدرسة كلها تتحدث عن فاتن البارعة في الرقص الإيقاعي بنفس الحماس الذي كانت تتحدث به عن فاتن الممثلة الصغيرة. وقد كنا نرقص عادة بملابسنا العادية حتى جلس مدربنا ذات مرة يحدثنا عن الملابس التي تؤدي بها هذه الرقصات عادة ويصفها لنا وصفًا مسهبًا. وما أن عدت إلى المنزل حتى كانت الفكرة قد اختمرت في ذهني وسألت نفسي «لماذا لا أؤدي الرقص بملابسه الأصلية؟». ولم يكن إقناع والدي - المشجع لي دائمًا - بذلك الأمر العسير لأحدنا فهو رجل عاش لنا ومن أجلنا ولم يرفض لأحدنا طلبًا لا يراه ضارًا، وبالفعل بعد أيام كنت أرتدي حلة الرقص كما وصفها المدرب وبعد أيام أخرى كانت الناظرة تنظم الدخول إلى قاعة التدريب على الرقص وتحدد عدد الداخلات في كل مرة بعشر طالبات فقط حتى لا تزدحم بمشاهداتي. وبهذه الطريقة ثارت من مشرف فريق التمثيل الذي تجاهل موهبتي في التمثيل، وشكرت الله الذي سبب لي حادثة التمثيل حتى يفجِّر بداخلي موهبة أخرى كان دفينة.

ثم جاء موعد الامتحان وانتهى وقت الكسل والتراخي واللعب وكنت دومًا لا أهمل استيعاب دروسي «كما لم أهمل من قبل في أي عمل أحببته أو أي هواية تعلقت بها» ويوم صدور النتيجة وقبل أن تصلني، أرسلت الناظرة في استدعاء والدي وعلى الرغم من أنني كنت قد أديت الامتحان بلا صعاب، فإنني شعرت بقلبي يسقط إلى قدمي ظننت أنني قد رسبت، ولكن سرعان ما عاد والدي إلى المنزل والابتسامة العريضة تحتل فمه كاملاً وما أن شاهدني حتى أسرع يحتويني بين ذراعيه ويمطر شعري وجبيني ووجنتي بقبلات حانية كثيرة، وتنفست الصعداء فأدركت الآن النتيجة، بل وأعلن والدي عن فوزي على جميع أشقائي وشقيقاتي في «المسابقة» التي كان اعتاد أن يعقدها بيننا كل عام، فقد كان نجاحي بتفوق كبير ومنحني الجائزة المخصصة للفائز وكانت مبلغًا «محترمًا» من المال. ولم يكتفِ والدي بمكافأتي بل أراد أن تشمل المكافأة الجميع إكرامًا لي فقرر أن نسافر جميعًا في اليوم التالي إلى الإسكندرية، وفي الإسكندرية قضيت فترة جميلة «فاتنة» من فترات العمر حيث أهداني والدي الحبيب قبل السفر مجموعة كبيرة من الكتب القصصية الصغيرة المكتوبة خصيصًا لمن كن في مثل عمري، وبالفعل على الشاطئ الهادئ قرأت وقرأت حتى أحببت القراءة التي أصبحت أدين لها بكثير مما وصلت إليه في مراحل عمري المتتالية.

عندما انتهيت من أداء دوري في فيلم «يوم سعيد» كان والدي قد ارتبط مع محمد عبد الوهاب على أن يحتكر جهودي الفنية لمدة عامين، وكان الارتباط شفويًا «مجرد وعد» كان قد قطعه والدي على نفسه. ولكن على الرغم من هذا رفض والدي أن يضعف أمام أي عرض من العروض الكثيرة التي انهالت عليه بعد عرض فيلم «يوم سعيد»، ورفض العروض كلها فقط لأنه كان قد ارتبط بكلمة الشرف، وكان ذلك بالنسبة لي درسًا جميلاً أدركته من والدي في سن يتأثر فيها النشء بأشياء كثيرة، وقد وصل نبأ تلك العروض وكان أحدها من «مؤسسة كبرى عرضت عليَّ مرتبًا كبيرًا نظير احتكار جهدي التمثيلي» إلى مدير أفلام عبد الوهاب، وعلى الفور أرسل إلى والدي يستدعيه وعندما لبى والدي دعوة المدير وجد في انتظاره عقدًا تعرض الشركة فيه عليّ الظهور في إنتاجها مقابل «42 جنيهًا». والحقيقة، إن هذا المبلغ ظل يحيرني بعد ذلك «فلماذا 42 جنيهًا؟ ولما لا ينص العقد مثلاً على أن المبلغ 40 جنيهًا أو 50 جنيهًا؟ أو حتى 45 جنيهًا»؟ سؤال لم أستطع الإجابة عنه رغم أنني فكرت فيه طويلاً، ولكن في النهاية وقع والدي على العقد بالموافقة دون أن يعترض على شيء مما جاء فيه. وترتب على ذلك أنني بعد مدة من الوقت قد تكون امتدت لعدة أشهر دعيت للظهور في ثاني أفلامي مع عبد الوهاب وكان يحمل اسم «رصاصة في القلب» وكان عمري في ذلك الوقت أحد عشر عامًا. ورغم أنني كنت في نظر نفسي على الأقل قد كبرت، فإن المخرج محمد كريم ظل يعاملني بتدليل وكأنني ما زالت الطفلة الصغيرة التي عملت معه من قبل، فكان يحيطني بالعناية والاهتمام اللذين تحاط بهما طفلة. وقد اعتبرت معاملة محمد كريم هذه لي معاملة لا تليق بطالبة توشك أن تضع قدميها بعد عامين على عتبة «البكالوريا» فأعلنت احتجاجي الشديد عليها، وما كان من كريم إلا أن اعتذر عن معاملتي كطفلة وهو يغالب الضحك، وبدأ لا يناديني باسمي مقرونًا بلقب «آنسة»، وكان في تصرفه هذا بعض ما أرضى غرور الآنسة داخلي. وعندما دخلت إلى الاستوديو للمرة الثانية لم أقف كالمذهولة أمام محتوياته كما فعلت في أول مرة، بل كانت معلوماتي عن السينما قد ازدادت عن شؤون الإخراج والتصوير والسيناريو والديكور.

كانت السيدة الفاضلة «زبيدة الحكيم» توالي زيارتها للاستوديو كل يوم من أيام عملي وحين كانت تزورنا كانت تجالسني وتحدثني في الشؤون الخاصة وشؤون السينما وتقدم لي الهدايا التي تليق بي. وحينذاك كان أشد ما أحرص عليه في العمل هو دقة المواعيد. وكانت هذه خطة نقلها إلى المخرج محمد كريم الذي كان يحرص على أن ينظم لي أوقات العمل وأوقات الدراسة وكان عبد الوهاب يضع سيارته الخاصة تحت أمري لتنقلني من المنزل إلى الاستوديو ومن الاستوديو إلى المنزل وهو تكريم كبير لم تكن تصل إليه بطلات أفلامه. ولم أكن أتغيب عن الاستوديو، إلا يومًا واحدًا حيث كان قد زار فيه مدرستنا «وزير معارف سابق». ولهذا الحدث نظمت الناظرة لجنة استقبال للزائر الكبير وبالتأكيد كنت إحدى «عضواتها» وحين ودعنا الوزير إلى باب المدرسة وتكريمًا لنا أصرَّ على مصافحتنا جميعًا وما أن وصل إليَّ حتى قال لي وهو يبتسم «أنا مبسوط منك خالص يا فاتن، انت حتبقي ممثلة كبيرة» ولم أقل له يومها إن الممثلة الكبيرة كانت في حالة «زوغان» من الاستوديو لمقابلتك.

وانتهيت مجددًا من تمثيل دوري في فيلم «رصاصة في القلب» حيث التقطت أذناي لفظًا علق بهما طويلاً وكانت التي نطقت به زميلة اشتهرت بيننا بالبراعة في الأفلام. أما اللفظ فكان «الحب»، نعم «الحب» كانت الزميلة تسهب في وصف مدى تضحية البطلة، وعندما قرأت في أعين بعض المستمعات إليها الدهشة قالت لهن ببساطة «ماهو أصل الحب وحش».

وعلى الرغم من أن الكلمة ذكرت مقرونة بوصف «الوحاشة» فإنني تعلقت بها وأحببتها، نعم أحببت العمل قبل أن أعرف ما هو الحب وأعجبت باللفظ قبل أن أقف على مدلوله، تمامًا كما تحب أنت اسمًا دون سائر الأسماء. ومنذ التقطت أذناي هذا اللفظ أصبحت حريصة على أن أشاهد فيلمًا فيه حب. وكان والدي الحبيب يوافق على اصطحابي إلى هذه الأفلام لأنه كان يؤمن بأنها تحمل دروسًا لي ولا يري ضررًا في أن أشاهد على الشاشة العاطفة السامية التي تربط بين قلوب البشر. وبدأت أتحدث عن الحب ولكن كانت أحاديثي فيها من السذاجة أكثر مما فيها من الحب، ولذلك قد حدث أن قامت مناقشة بين بعض الزميلات اللاتي تكبرنني سنًا حول بعض صفات الحب فوجدت نفسي مندفعة اندفاعًا ورحت أبدي الرأي تلو الرأي عن الحب الذي أعرفه، ولأن معرفتي كانت سطحية فقد ضحكت زميلاتي طويلاً لما قلته حيث كان حديثي كلامًا، مجرد كلام، واستأت للموقف وحزنت في نفسي أن تنجح زميلاتي دوني في الحديث عن الحب. ووجدت نفسي أشكو وأبوح بما يدور بخلدي إلى صديقة أثق فيها، فما كان منها إلا أنها أخرجت من حقيبتها ورقة وقلمًا وسطرت لي قائمة بأسماء الروايات التي تدور حول الحب.. ومنذ ذلك اليوم وأنا لم أتوقف عن قراءة روايات الحب، ولم أكتف بهذا فقط بل عكفت لمدة طويلة على دراسة أساطير الحب القديمة وقصص غزاة القلوب، فقرأت «روميو وجوليت» أمثولة الحب العظيم أكثر من خمس مرات وكانت إحدى دور الصحف قد ترجمتها في كتيب وزع مع مجلاتها فاستعرت الكتيب من إحدى زميلاتي وأمضيت ثلاثة أيام كاملة مع قصة المحب الوفي والحبيبة المثالية.

وأيضًا قرأت دروسًا في الحب أملاها سقراط على شاب تقدم إليه يشكو بغضه لزوجته، وقرأت قصة الرسام الإيطالي الذي أحب امرأة متزوجة فعاش عمره يتعبد في محراب فلما ماتت بعث صورتها في كل لوحاته، وقرأت كل ما كتبه يوسف السباعي عن الحب. وأستطيع أن أقول إنني خلال عام واحد انتهيت من عشرات القصص والروايات حتى نضجت في ذهني صورة مختلفة، وحتى عرفت كثيرًا من أموره الظاهرة والباطنة والمعلومة والخفية. ولكن كان همي الأكبر في تلك الفترة بعد قراءة روايات وقصص الحب،، هو إخفاءها حتى لا تقع عليها عينا أبي أو أمي فقد كانت أسرتي كأي أسرة مصرية تعيش في رحاب التقاليد المتوارثة ولا تنظر إلى مثل هذه الكتب بعين الرضا. وكانت حقيبة الكتب المدرسية وإدراج مكتبي المغلق هي المخبأ الأمين.

وأذكر من بين المشكلات التي أُفتيت بها مشكلة فتاة كانت تكبرنا بأعوام ثلاثة، وعلى الرغم من أنها لم تكن بين تلميذات مدرستي، فإنها لجأت إليَّ لما بلغها عني من ذيوع في عالم النصح والإرشاد، فقالت لي الصديقة «إن مشكلتها تتلخص في حبها لشاب وسيم كل همه الإيقاع بأكثر عدد من الفتيات ثم المجاهرة بالأسماء وبعدد الضحايا». ونصحت تلك الفتاة «بأن تكتم عواطفها وأن تتجاهل هذا المغرور لأن غروره يعميه عن كثير من حقائق الحياة ولذلك يكون حبه لها صادقًا في يوم من الأيام». وفوجئت بها بعد أسبوع واحد أن الزميلة عادت لتشكرني فقد عملت بنصيحتي وشعر الفتى أنها لا تأبه بجماله ولا بسحره فجن جنونه وكعادة الرجل في مثل هذه الحالة لم يجد أمامه طريقًا لامتلاكها سوى الطريق الطبيعي والشرعي فتقدم إلى والدها يطلب يدها، وحقيقي يسعدني أن أقول إن الزواج بينهما تم بعد تخرج الشاب من كليته وإنهما إلى اليوم يكونان أسرة سعيدة تربطني بها صلة الصداقة القوية

الرقص الإ

> التمثيل لم يكن هوايتي الفنية الوحيدة بل كانت هناك هواية أخرى جميلة تملأ نفسي وتنتظر اللحظة التي تنطلق فيها، وكانت هوايتي تلك هي «الرقص الإيقاعي» وقد وجدت فرصة إشباعها كاملة بعدما سحب مدرب التمثيل دور البطولة مني وأسنده إلى طالبة أخرى كما ذكرت أعلاه. وبالفعل كنت قد بدأت أتدرب عليه كل يوم حتى تفوقت على زميلاتي جميعًا. وكان الرقص الإيقاعي شيئًا لا تقرّه وزارة المعارف حينذاك بل هي أكثر من هذا لم تجد بأسًا في أن ترقص طالباتها رقصًا حركاته أقرب إلى الرياضة.

أستاذة في الحب

> بدأت أتحدث عن الحب «حديث الخبيرة» دون أن يقابلن صديقاتي حديثي بضحكاتهن الساخرة. وكان حديثي دائمًا مدعمًا بأقوال «جورج بايرون» المأثورة عن تلك النبيلة، وبأشعار «فيكتور هوجو» الذي يسهب في وصف الحب، وأيضًا بالأشعار الرقيقة التي نظمها الشعراء العرب في الغزل. وكانت زميلاتي ورفيقاتي يجلسن حولي يستمعن إلى محاضراتي بما أقول والإيمان به ولم ألبث أن أصبحت أستاذة الحب بينهن. وكانت كل منهن تلجأ إليّ في مشكلاتها العاطفية.

يقاعي هواية جديدة

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 الحب الأول.. وشماعة الملابس.. ورسالة غرام


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الأربعاء - 9 شعبان 1436 هـ - 27 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (3) : الحب الأول.. وشماعة الملابس.. ورسالة غرام

زكي طليمات أثارني لأتخلص من لثغة بلساني


كانت وما زالت فاتن حمامة هي الأكثر حضورا بين نجمات جيلها، تخفق لها قلوب المعجبين والعاشقين رغم أنوثتها الهادئة، وتعابير وجهها السمحة. لقد استطاعت تلك الأيقونة الإنسانية والفنية أن تقوى على العيش منذ طفولتها داخل الاستوديوهات وسط الصرخات والبكاء الممزوج بالأداء الذي يختلف من عمل لآخر ويتباين بين المخرجين والمنتجين، فكان ذلك هو قدرها وفنها وحبها أيضا، وهي ما زالت تكمل السيرة والمسيرة الصاخبة والضخمة فتحكي عن سنوات الدراسة في معهد الفنون وتلقي الدروس من أساطير التمثيل في وقتها مثل زكي طليمات. تقول: «من ذكريات المعهد التي لا أنساها ما حدث عندما طلب إلينا أن نتدرب على إحدى المسرحيات، وكان من بين مشاهد هذه المسرحية مشهد أصفع فيه أحد زملائي الطلبة على وجهه، وأثناء التدريب صفعته صفعة هينة لكنها لم ترضِ زكي طليمات، فصاح يطلب مني أن أصفعه بشكل حقيقي بكل قوتي، وأمام صراخ طليمات لبيت طلبه، ولكن بدلا من أن يصرخ الطالب لشدة الصفعة أطلقت أنا صرخة عالية، حيث لم تتحمل يدي الضعيفة الصفعة وكادت تصاب».

أحبت الفنانة فاتن حمامة الحب قبل أن تعرف معانيه وعاشت في اللفظ قبل أن يبعث الشعور في قلبها وناقشت الحب وأفتت في مشكلاته حتى حملت لقب أستاذة في الحب، حقيقة كانت دائما فاتن هي مبعث الحب النقي الذي نستعيده في أحيان كثيرة ونعيش تجاربه في مراحل مختلفة، وهي ما زالت تكمل السيرة والمسيرة قائلة: لقد بدأ الحب عندي وأنا ما زالت صغيرة حيث كنت حينذاك ما زالت أسكن مع أسرتي في شارع إسماعيل أبو جبل (حي عابدين) بقلب القاهرة بالطابق الثاني لأحد العقارات، وشاهدت نافذة مغلقة أمام نافذة غرفتي بالمنزل المقابل لمنزلي، وكان بها أمر غريب، حيث كان يقف خلفها شاب فكنت كلما فتحت نافذتي أجده واقفا خلف النافذة كأنه يحرص على أن يرسل لي تحية الصباح، وعندما أعود من المدرسة أجده لا يزال واقفا.. لا أعلم حتى الآن لماذا كنت أتخيله شابا أسمر وترتب على هذا التخيل أنني كنت كلما شاهدت ولدا جميلا في الشارع اعتقدت أنه هو، وعندما أعود أجد ذلك الحبيب الذي تعلقت به دون أن أشاهده يقف خلف نافذته المغلقة دائما، وأتساءل: لماذا لا يفتح النافذة لأشاهده كما يشاهدني هو؟ لماذا يعطي نفسه هذا الحق دون أي إحساس بمشاعري وما يجول بداخلي؟! ولكن ذات صباح وقبل ذهابي إلى المدرسة وأنا أقف في شباك غرفتي أتأمل الفتى الواقف كعادته صامتا، فجأة انفتح الشباك، وفي تلك اللحظة تحديدا كدت أن أطير فرحا حيث تصورت أن حبيبي الذي حلمت به كثيرا وأرسلت له رسائل «كلامية» و«ذهنية» كثيرة سمع رجائي ويود أن يرد عللا مشاعري الحالمة به دائما، ولكني حينما انفتح الشباك وبعد أن هدأت ثورة تخيلاتي اكتشف المصيبة الكبرى التي صرعت أحلامي وخيالاتي، وهي أن حبيبي المتخفي دائما وراء ذلك الشباك ما هو إلا «شماعة ملابس» معلقة أمام النافذة ومحمل عليها قطع من الملابس، ولذلك كانت دائما تبدو أمامي كأنها شاب ممشوق القوام.

بعد مرور تلك التجربة العاطفية الصادمة بسنوات التقيت بالمحب الحقيقي وليس «الوهم»، وكان ذلك في محطة «الحافلات»، حيث ناداني وألح في النداء ولكني صممت أذني دونه وإن لم أستطع منع قلبي عن الخفقان، وهنا يجب أن أبدأ الحديث من اللحظة الأولى حيث كنت في ذلك الوقت طالبة بمدرسة «الأميرة فوقية» بالجيزة - كما ذكرت مسبقا - وكنت وزميلاتي نغادر المدرسة عصر كل يوم فأسير مع زميلاتي حتى محطة الحافلات ثم نفترق، وأبقى أنا وحدي لأنتظر الباص العائد إلى منطقة المنيرة حيث أصبحت مسكنا لنا، ولكني لاحظت في أحد الأيام أن ضابطا شابا كان يتعقبني منذ اللحظة التي أغادر فيها باب المدرسة حتى اللحظة التي يصل فيها الباص، وكان يبدي اهتماما زائدا، فكنت ألاحظ نظراته وحركاته التي تدل على أنه يريد التحدث إلي ولكني لم أعر ذلك الشاب اهتماما ولم أقدر للأمر وزنا، حيث شاهدت فيه أحد هواة معاكسة فتيات المدارس، ثم خيل لي أنه من الممكن أن يكون خطيب إحدى زميلاتي ولم تخطر ببالي الحقيقة إلا عندما وصل الباص، فصعدت إليه فصعد هو في أثري وجلس في جواري وهو ما زال على صمته.

لماذا لم يتكلم؟ ماذا يريد؟.. هذه الأسئلة راودت تفكيري وأنا أجلس إلى جوار ضابط البوليس وكان يبدو مرتبكا بعض الشيء، ولما تركت الباص نزل أيضا في أثري دون أن يتكلم، وفي اليوم الثاني وجدته أمام باب المدرسة وكان يقف في منتهى الهدوء وهو ينظر ذات اليمين وذات اليسار وكأنه ينتظر أحدا، ولما شاهدني أغادر المدرسة باتجاه محطة الباص سار ورائي، وقبل أن أصل إلى المحطة شاهدته يتردد طويلا، ثم تغلب على تردده وتقدم إلي يحييني ويسألني بصوت منخفض يخنقه الخجل: «حضرتك مش الآنسة فاتن؟»، ولاحظت من طريقة حديثه والسؤال الذي وجهه إلي أنه يريد التأكد من شيء أكثر مما يدل على أنه يحاول معاكستي، ولذا اضطررت إلى الرد عليه بأدب فقلت: «نعم، أنا فاتن»، فقدم إلي نفسه باسمه وتلاه بالوظيفة والعنوان ثم سألني عن أشقائي الرجال كل باسمه، وزعم لي أنه صديق لهم وأنهم كثيرا ما زاروه في منزله، وهو يريد أن يرد لهم الزيارة، وهنا لم أعلق على حديثه بشيء وكنت خلال حديثه قد اكتشفت نياته، لذا فاكتفيت بالصمت، ورد علي بابتسامة مفتعلة وأخرج رسالة مطوية من جيب سترته «الميري» قدمها لي قائلا وهو ينصرف: «هذه رسالة إلى شقيقك أرجو أن تسليمها إليه»، واختفى ضابط البوليس حيث عاد في نفس الطريق بعدما رمقني بنظرات فيها كثير من المعاني، لعلها نظرات حب أو لعلها نظرات إعجاب، ولكن المهم أني فكرت في كثير من المعاني بنظراته بينما كان يتوارى في الزحام. وأمسكت الرسالة بيد مرتجفة وأنا أسأل نفسي: «ترى لأي واحد من أشقائي سأعطي الرسالة؟»، في حين أن الرسالة كانت تحمل اسمي وليس اسم شقيقي، والغريب أنه قد سبق اسمي بثلاث كلمات وهي «إلى معبودة قلبي»، وبأنامل ترتجف وفضول غريب فضضت الرسالة، وما إن قرأت الكلمات الأولى منها حتى وجدت نفسي أمام «رسالة غرام من الدرجة الأولى» تكاد تلتهب من حرارة كلماتها، وحقيقة كان أسلوبها جميلا وكانت عباراتها رغم الهيام الذي تنطق به منتقاة مهذبة، وضبطت نفسي متلبسة وأنا أقرأها مرات كثيرة جعلتني أعيش في عالم افتراضي لدرجة أنني كنت لا أزال في محطة الحافلات وغادر الباص الذي من المفترض أن أستقله، واضطررت إلى انتظار الذي يليه. ومهما كان نوع حكمي على الرسالة حينذاك أو حتى الآن فإن الذي أعلمه جيدا أنها خاطبت في الغرور قبل أن تخاطب في العاطفة، إن كل فتاة يهمها أن يقدر جمالها ويهمها أن تشعر أنها جميلة في عيون الآخرين قبل أن يهمها الآخرون. وأسرعت إلى المنزل الذي كنت قد تأخرت عن موعد العودة إليه فواجهت من والدتي السؤال عن أسباب التأخير، ووجدت نفسي في هدوء تام أقصص عليها الأمر بكاملة وأسلمها الرسالة، فما كان من والدتي إلا أن مزقت الرسالة وألقت بها من النافذة، وحينها رحت أرقب قصاصاتها الصغيرة وهي تتسلل عبر النافذة إلى الطريق، وأحسست في تلك اللحظة أنني أحمل شيئا عزيزا وكريها في آن واحد.

وعلى حافة السرير العريض جلست والدتي تلقنني درسها الأول، وكان الدرس هو أن أحرص دائما من كذب الشباب الذين يقصدون دائما قلوب الفتيات للتسلية فقط، وفي اليوم التالي كان كاتب الرسالة يقف على المحطة ينتظر أن يشاهد نتيجة ما فعله أمس ويود الحصول على الرد، وحينذاك تقدمت إلى المحطة ووقفت إلى جواره وقد علا وجهي التجهم ولم ألتفت إليه ولم يجرؤ على محادثتي، والتقيت به في اليوم الثالث أيضا، فقد كان همه الأكبر أن يشعرني أنه ينتظر مجيء الباص فعلا وأن لقاءنا مجرد صدفة، ولكن هذه الصدفة المدبرة تكررت كثيرا وعاش الشاب الولهان على أمل أن أرضى عنه أو أبتسم في وجهه، كانت لحظات قاسية على المحطة ولكن نصائح أمي كانت بمثابة حاجز حال بيني وبينه. وذات يوم ذهبت إلى المحطة فلم أجده فكان يبدو أن اليأس قد دب في وجدانه واستولى عليه فانصرف لأن وجوده لم يكن يعني شيئا بالنسبة لي.. ولكن الحقيقة التي أعلنها لأول مرة أن غيابه حينذاك ضايقني كثيرا، وأنا اليوم لا أدري ماذا كان شعوري الحقيقي نحوه، هل أحببته؟ هل شعرت نحوه بعاطفة الحب السامية؟ ولكن كان الواقع رغم أنني أستاذة الحب قد عجزت عن مواجهة أول تجربة تعرضت لها وخرجت منها بنتيجة لا أعرفها خسارة أو ربحا، كان قلبي يخفق من خفقاته ما كانت تختلط بالخوف الذي بعثته أمي في نفسي، وهكذا خنق الخوف حبي الأول وكأنه قدم مارد وطئت شجيرة ضئيلة فحالت بينها وبين النمو.

ومرت الأيام وتناسيت الحب وكل ما يحيط به وتاهت في ذاكرتي الأطياف والصور كما يغوص حجر أسقط في بركة عميقة، وهذا الساحر الذي اسمه الحب والذي تحدثت فيه كثيرا وناقشته مع زميلاتي لم يعرف طريقه إلى مشاعري، عرفته فقط في القصص والحكايات والسينما.. وحينذاك عدت إلى العمل في السينما فاشتركت بدور مهم في فيلم «أول الشهر» الذي قامت ببطولته صباح أمام النجم حسين صدقي، ثم تعاقد والدي باسمي على فيلم آخر هو «ملائكة في جهنم» وكان دوري في الفيلم الجديد من الأدوار الهامة التي استغرقت أغلب أيام التصوير في الاستوديو وكنت بحكم العمل على اتصال يومي بأحد الفنيين المشتغلين في الفيلم وكان شابا مهذبا ورقيق الشعور وطيب القلب، وكان ينتظر له الجميع مستقبلا كبيرا في عالم السينما، وقد حققت الأيام ما تنبأ به الجميع، وكان شعوري نحوه شعور الشقيقة التي تحترم شقيقها الأكبر، وكان هذا الشعور يدفعني إلى معاملته معاملة لا تكلف فيها. ولكن يبدو أنه فسر تلك المعاملة تفسيرا آخر غير ما كنت أعنيه، حيث فوجئت ذات يوم بوالدي يقول لي إن هذا الشاب تقدم إليه طالبا يدي، ولست أدري لماذا غضبت يومها غضبا شديدا وثرت ثورة عنيفة وكدت أعلن إضرابي عن الذهاب إلى الاستوديو لولا أن والدي استطاع أن يقنعني بأن هناك طريقة مهذبة للرفض لا تقضي على الصداقة، ووافقت والدي على هذا الرأي فاعتذر إلى العريس وأبلغه أنني أريد متابعة دراستي إلى النهاية وأن الزواج سوف يمنعني من تنفيذ ما أريد، وبالفعل انتهي الأمر.. ولكني علمت في ما بعد من بعض الأصدقاء أن رفضي الزواج من هذا الشاب أثر عليه سلبا وأنه أصيب بصدمة عاطفية عنيفة، ولكني حينها لم أهتم بالأمر كي لا يفسر عطفي عليه نوعا من الحب.
انتهيت من العمل في فيلم «ملائكة في جهنم» وكان ذلك في نهاية فصل الربيع، وأيضا انتهيت من أداء الامتحان في نهاية شهر يونيو (حزيران)، ولم يكد شهر يوليو (تموز) ينتصف حتى كانت الأسرة تستعد للسفر إلى مصيف الإسكندرية، وكانت نصف حقائبي مليئة بالملابس والنصف الآخر بعدد كبير من كتب الحب، بعضها باللغة الفرنسية التي كان محصولي فيها في ذلك الوقت ضئيلا، وأغلبها كان باللغة العربية، وفي الإسكندرية كنت أسبق العائلة إلى الشاطئ فأضع مقعدا تحت الشمسية الكبيرة (المظلة) وأغرق عيني بين سطور الروايات التي أحملها معي وفي الوقت الذي كنت فيه تحت الشمسية مستغرقة في قراءة كتب الحب سمعت للمرة الأولى بعض الناس يتهامسون باسمي وكان الناس من قبل ينادونني باسم «أنيسة» - كما ذكرت مسبقا - وكان اسم أنيسة يطغى على اسمي الحقيقي «فاتن» ولكنهم هذه المرة كانوا يشيرون إلي باسم «فاتن»، كان هذا تغييرا بمثابة فترة انتقال لدى الجمهور. وكان المنادون باسمي شلة من الشابات والشبان وقد تقدمت بعض الفتيات مني يحيينني بشوق وكأنهن صديقات لي منذ زمن طويل، أما الشبان فقد وقفوا بعيدا وقد أخذ كل منهم يحاول أن يلفت نظري إما بنكتة يلقيها على صاحبه أو بحركة رياضية أو قفزة إلى البحر، ولكنني تجاهلت محاولاتهم ورحت أتبادل وصديقاتي الجديدات حديثا عابرا.

في نفس هذا العام اكتشفت في نفسي ميلا إلى تعلم السباحة، خصوصا بعدما نظمت وزارة المعارف مباريات بين فتيات المدارس الثانوية وخصصت لها جوائز أدبية ضخمة، وقد ساعدتني إحدى الطالبات على تلقي مبادئ السباحة وكنت أتولى تدريب نفسي وقد برعت في هذه الهواية الجديدة بعد مرحلة قصيرة من التدريب وكدت أتقدم للمباراة المدرسية لولا أنني ذهبت ذات يوم إلى النادي فوجدت مصوري الصحف وقد جاءوا يصورون الفتيات بالمايوهات فهربت من عدسات المصورين وعدلت عن الاشتراك في المسابقة، وعدنا إلى القاهرة بعد انتهاء الإجازة.

كان والدي قد بدأ يصطحبني إلى الفرق المسرحية وكانت أحبها إلى نفسي هي فرقة المرحوم نجيب الريحاني، فكنت أحرص على أن لا تفوتني مسرحية واحدة من مسرحياتها، وكذلك فرقة رمسيس، وكان والدي يطلب مني أن أتأمل الممثلين والممثلات وأن أراقب طريقة أدائهم، وكنا أنا ووالدي نعقد بعد كل مسرحية ندوة صغيرة ننتقد فيها الرواية وممثليها، في تلك الأثناء كان يوسف وهبي قد استعد لإخراج فيلمه «ملاك الرحمة» وكانت البطولة النسائية في الفيلم معقودة للسيدة «راقية إبراهيم»، أما البطولة الثانية فكانت لوجه جديد اكتشفها يوسف وهبي وحاول أن يخلق منها بطلة سينمائية، وفي اليوم الأول استغرق تصوير مشهد واحد خمس ساعات كاملة فثارت بطلة الفيلم والعاملون بالفيلم، وأقنعوا يوسف وهبي بعدم صلاحية الوجه الجديد لتمثيل الدور، واستطاع بعضهم أن يقنعه بأني صالحة كي ألعب هذا الدور بالذات. وعلى الفور وجهت لي دعوة من الشركة المنتجة لمقابلة يوسف وهبي، وكنت قبل ذلك قد قرأت كثيرا عن الفزع الذي أصاب بعض الممثلات والممثلين عندما قابلوه للمرة الأولى فارتسمت ابتسامة على وجهي كان مصدرها أنني لم أُصَب بهذا الفزع عندما قابلته قبل ذلك، وذهبت مع والدي إلى مكتب الشركة، وما كاد يوسف وهبي يشاهدني حتى هب واقفا ليحييني وليذكرني بسوء الفهم القديم الذي كان قد وقع بيننا وهو يضحك، ثم استمعنا بعد ذلك إلى الدور.

وقتذاك كان أول خطاب تلقيته من معجب هو ذلك الخطاب الذي حمله إلي البريد عن دوري في «ملاك الرحمة»، وكان المعجب ثريًّا من سوريا، وقد أسهب في وصف نفسه وتحدث عن ثروته ثم ختمه بطلب متواضع، الزواج! وأسرعت إلى والدي وأنا أنتفض من الغضب والخوف وأعطيته الخطاب وقرأه ببطء ثم ابتسم وقال: «غدا سيأتي كثير من تلك الخطابات، ولا تعيري أي اهتمام لما تحمله، إنما لا بد أن تردي عليها، فهذا واجبك نحو المعجبين»، وفي نفس ذلك اليوم صحبني والدي إلى مصور معروف التقط لي عدة صور في أوضاع مختلفة وطلب منه أن يطبع خمسمائة صورة من كل لقطة، وسألت متعجبة والدي عن سبب هذه الكمية الضخمة فضحك وقص علي ما كان قد طلبة منه المصور الذي التقط لي صورتي التي نشرت في مجلة «الاثنين» وتسببت بأن أفوز بلقب أجمل طفلة، ثم قال إن خطابات المعجبين ستزداد كل يوم ويجب أن ترسل لهم صورك وتكتبي عليها إهداء رقيقا يذيل بتوقيعك، ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أتأخر في الرد على رسالة ولا أبخل بصورتي على من يطلبها.

لم يكن التمثيل السينمائي هوايتي الوحيدة، بل كان هناك توأم مزاحم له في ميولي، وهو هوايتي للوقوف على خشبة المسرح تماما كما أهوى الوقوف في الاستوديو أمام عدسات السينما، وكان يقوي هذا الميل في نفسي أنني كنت أبرز تلميذة في فريق التمثيل بالمدرسة، وكنت أتولى أدوار البطولة في المسرحيات المدرسية التي كنا نقدمها في نهاية كل عام، وكنت كما ذكرت من قبل أتردد كثيرا في دور التمثيل المسرحي، وذلك يوم التقيت بزميل من الذين ظهروا معي في فيلم من أفلام عبد الوهاب، وما كاد أن يراني حتى بادرني قائلا: «هل تقدمت للمعهد؟»، وكان معي والدي فسأله: «معهد التمثيل؟»، فأجاب: «نعم، إن آخر ميعاد للتقدم بعد أسبوع»، ولما كان والدي بحكم عمله بوزارة المعارف لديه معرفة بإجراءات الالتحاق فقد سارع بكتابة استمارة الالتحاق، وبعد أيام ذهبت إلى مسرح الأزبكية لأجد هناك أكثر من أربعمائة شاب وثماني فتيات، واستغرق امتحان الالتحاق أربعة أيام كاملة وأسفرت النتيجة عن اختيار اثني عشر شابا فقط وسبع فتيات كنت أنا من بينهن، وكنت قد أديت أمام لجنة الاختيار مشهدا تمثيليا وحصلت به على درجات عالية، وفتح معهد التمثيل أبوابه في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول)، وكان عبارة عن بضعة فصول في مدرسة «الدواوين» الثانوية، وكانت الدراسة مسائية تبدأ من الخامسة إلى السابعة والنصف، وفي اليوم الأول من أيام المعهد قام زكي طليمات عميد المعهد بمهمة تقديم طالبات المعهد وطلبته بعضهم إلى بعض، واستغرق العميد اليوم الأول في رواية ذكرياته القديمة عن معهد التمثيل الأول ثم وجه بعض نصائحه إلينا، وفي اليوم التالي دخل زكي طليمات الفصل وبدأ يوزع نكاته على الطلبة والطالبات، وما كاد يلمحني جالسة وسط الطالبات حتى التفت إلي وقال: «تعالي هنا يا عروسة»، ودفع الغضب بالدماء إلى وجهي وصحت بعصبية وأنا جالسة في مكاني: «أنا مش عروسة، أنا فاتن». وبذل زكي مجهودا كبيرا في إخفاء ابتسامته ثم قال: «طيب تعالي يا فاتن»، وذهبت إلى مقدمة الفصل حيث كان يجلس هو، وسألني: اسمك إيه يا فاتن؟

فقلت: فاتن حمامة.

فقال: تعرفي تطيري يا شاطرة؟

فقلت: يعني إيه؟!

فقال: مش انت حمامة؟

فقلت: لا.. أنا فاتن.

وعاد زكي طليمات يسألني: عمرك كم سنة يا شاطرة؟

ولم أرد، وكرر طليمات السؤال، وتمسكت بالصمت، وكرر السؤال فاقتربت منه لأهمس له: عمري 13 سنة، بس ما تقولش.

وضحك زكي طليمات ونزل عند رغبتي ولم يعلن إجابتي، ثم طلب مني أن أصعد إلى منصة عالية أشبه بخشبة المسرح لألقي دورا تمثيليا، وأعجب ببراعتي في الأداء ولمس في هذا الأداء أشياء تنبئ عن موهبة. فقال لي: صوتك ضعيف يا فاتن.

ولكن زكي طليمات كان يرى أن هذا الصوت الضعيف ينفذ إلى القلب لأنني أشعر بما أقوله بأحاسيس عميقة، ولكن العيب الذي لاحظه أن لدي لثغة في لساني، تجعلني انطق حرف الراء كحرف الغين، وهي لثغة كانت تلازمني منذ الصغر ولم يكتشفها إلا أفراد قلائل، ولذلك فاجأني قائلا: طلعي لسانك يا فاتن.
وضحكت من هذا الطلب وسألته: اطلع لساني ليه؟

فقال: علشان الحتة اللي ناقصة منه.

وضحكت وضحك الجميع، ثم فتحت فمي وأخرجت لساني ثم أغلقته وقلت ردا على تعليقه: لا.. لساني مش ناقص حتة!

وأراد زكي أن يلجأ إلى أسلوب جديد في علاج هذا العيب ففاجأني بسؤال غريب: أنت مصرية؟

فقلت: نعم.. ليه؟

فقال: لأنه مافيش غير الفرنساويين اللي عندهم «اللثغة» دي.

فقلت: لكن أنا مصرية.. مش فرنساوية.

فقال: انت متأكدة؟

فقلت: طبعا.

فقال: طيب اسألي والدك.

فقلت: والدي مصري وجدي مصري.

وضج الطلبة بالضحك.. واحمر وجهي وصرخت أقول: إيه الكلام ده؟

فقال: كان لازم تصلحي لسانك قبل ما تيجي المعهد.

وضحك هو فضحك الطلبة معه فصرخت فيهم: بتضحكوا على إيه يا حضرات؟

وعاد زكي يسألني: انت بتحبي التمثيل يا فاتن؟

وكانت آثار الغضب ما زالت واضحة علي والعصبية تلازمني، فأجبته بلهجة عصبية: نعم.. ولو ما كنتش باحبه ما كنتش حضرت إلى هنا.

وعاد يسألني: انت امتحنت في إيه؟

فذكرت له اسم القطعة التمثيلية التي مثلتها أمام لجنة الامتحان، فقام إلى «السبّورة» وكتب جملة طويلة مليئة بحرف «الراء» وكان نَصها: «انحشر حشرا في الدرج ولم يقدر أن يخرج»، وطلب مني أن أقرأ هذه العبارة بسرعة، وانفعلت بثورة غضبي وانفعالي أقرأ هذه الجملة، فإذا «اللثغة» تفارقني، فصفق زكي طليمات إعجابا وهو يقول: برافو يا فاتن.. حتبقي ممثلة عظيمة.

وكان زكي يعرف أنني لن أتخلص من اللثغة إلا إذا أثارني، وعندما أنفعل سينطلق الكلام سليما بكل حروفه، ولذلك أثارني متعمدا، وهكذا كانت أول حصة في تاريخ معهد التمثيل هي علاج «اللثغة» في لساني، وأصبح لساني بعد ذلك أفصح لسان في نطق اللغة العربية بين طالبات وطلبة الدفعة الأولى في معهد التمثيل.

ومنذ ذلك اليوم نشأت بيني وبين زكي طليمات صداقة التلميذة وأستاذها، وكان الرجل دائما ينتهز كل مناسبة ليشهد بمواهبي التي رشحتني لمكانة طيبة في عالم المسرح، ولم يمضِ العام الأول حتى كنت قد تخلصت تماما من نطق «الراء» مثل «الغين» وأصبحت انطق «الراء» بوضوح، وأتذكر أني مثلت رواية للمسرح كنا في حفلة كانت بقصر الأميرة «شويكار»، وبعد أن مثلنا قمنا بالاحتجاج لأنهم جعلوا طعامنا منفصلا في الخلف وكنا نظن أننا سنأكل معهم، وطبعا كنا صغارا وكان معي شباب مثل النجوم: شكري سرحان وعمر الحريري وفريد شوقي، وكل هؤلاء ثاروا ونحن وراءهم ثرنا وامتنعنا عن تناول الطعام، وذهبنا لنجلس في الحافلة لنستعد للعودة، ولكن الحفلة نفسها كانت جميلة وقد قدمنا مسرحية صغيرة فيها، وكان المكان معدا لذلك.

علمت نفسي اللغة الفرنسية للتخاطب مع المخرجين

كانت أغلب الأحاديث في الاستوديوهات باللغة الفرنسية في بداية حياتي الفنية، وكان المخرج يخاطب بها المصور، ومهندس الصوت يتفاهم بها مع الفنيين، واستهوتني تلك اللغة الجديدة فصممت على مضاعفة محصولي منها، والذي كان مجرد محصول طالبة في المدارس، حتى تمكنت من استعمال «الفرنسية» في التخاطب مع المخرجين والمصورين وغيرهم..

في انتظار فتى الأحلام

كنت في تلك الأيام كأي فتاة في مثل سني أرسم في مخيلتي صورة فتى أحلامي، وكان هذا الفتى كما تخيلته «وسيما وممشوق القامة ومعتزا بنفسه وشجاعا وصريحا»، وليس من حرج أن أذكر الآن أن الصورة التي رسمتها في ذهني عن فتى أحلامي لم أجدها في واحد من زملائي طلبة المعهد حينذاك، فقد كانوا جميعا بعيدين كل البعد عن تلك الصورة، لذلك كانت الأخوة الصادقة هي إحساس علاقتي بهم جميعا.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 الكعب العالي.. ولقاء المخرج عز الدين ذو الفقار


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الخميس - 10 شعبان 1436 هـ - 28 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (4) : الكعب العالي.. ولقاء المخرج عز الدين ذو الفقار

«موعد مع الحياة» كان أول إنتاجي لأتحرر من سيطرة المنتجين


كانت وما زالت فاتن حمامة هي الأكثر حضورا بين نجمات جيلها، تخفق لها قلوب المعجبين والعاشقين رغم أنوثتها الهادئة، وتعابير وجهها السمحة. لقد استطاعت تلك الأيقونة الإنسانية والفنية أن تقوى على العيش منذ طفولتها داخل الاستوديوهات وسط الصرخات والبكاء الممزوج بالأداء الذي يختلف من عمل لآخر ويتباين بين المخرجين والمنتجين، فكان ذلك هو قدرها وفنها وحبها أيضا. وهي حتى بعد وفاتها، تجزب محبيها من كل العالم العربي. وفي مذكراتها التي تنشر بالتعاون مع وكالة الأهرام للصحافة ما زالت تكمل السيرة والمسيرة الصاخبة والضخمة قائلة:

كانت أغلب الأحاديث في الاستوديوهات باللغة الفرنسية في بداية حياتي الفنية، وكان المخرج يخاطب بها المصور، ومهندس الصوت يتفاهم بها مع الفنيين، واستهوتني تلك اللغة الجديدة فصممت على مضاعفة محصولي منها، والذي كان مجرد محصول طالبة في المدارس، حتى تمكنت من استعمال «الفرنسية» في التخاطب مع المخرجين والمصورين وغيرهم.

أذكر أنني أثناء دراستي بالمعهد تلقيت عرضا من إحدى الفرق المسرحية للعمل بها بمرتب كبير، وعلى الرغم من أن المرتب كبير بالنسبة لطالبة فلم يكن من أهدافي أن أتخذ من المسرح وسيلة للكسب، فضلا عن أن الدراسة في المعهد كانت تضاعف من معلوماتي الفنية، وكانت المكتبة العربية (ولعلها ما زالت حتى اليوم) تنقصها المؤلفات التي تتحدث عن الفن المسرحي من نواحي التاريخ والحرفية، فكانت محاضرات معهد التمثيل تعوض بعض هذا النقص.

ومن ذكريات المعهد التي لا أنساها ما حدث عندما طلب إلينا أن نتدرب على إحدى المسرحيات، وكان من بين مشاهد هذه المسرحية مشهد أصفع فيه أحد زملائي الطلبة على وجهه، وأثناء التدريب صفعته صفعة هينة لكنها لم ترض زكي طليمات، فصاح يطلب مني أن أصفعه بشكل حقيقي بكل قوتي، وأمام صراخ طليمات لبيت طلبه، ولكن بدلا من أن يصرخ الطالب لشدة الصفعة أطلقت أنا صرخة عالية، حيث لم تتحمل يدي الضعيفة الصفعة وكادت تصاب. وأيضا أثناء دراستي في المعهد ذهبت لمشاهدة فيلم اسمه «الباحثة عن الحب»، وأعجبني هذا الفيلم إلى درجة أنني شاهدته أكثر من خمس مرات، وكانت قصته تدور حول «فتاة توافرت لها كل أسباب السعادة لكنها حرمت من غذاء القلب وعاشت تبحث عن هذا الغذاء الذي يساوي في نظرها كل ما يحيطها من أسباب السعادة»، وكنت أعطف عطفا شديدا على بطلة الفيلم لحرمانها العاطفي، وكنت في تلك الأيام كأي فتاة في مثل سني أرسم في مخيلتي صورة فتى أحلامي، وكان هذا الفتى كما تخيلته «وسيما وممشوق القامة ومعتزا بنفسه وشجاعا وصريحا»، وليس من حرج أن أذكر الآن أن الصورة التي رسمتها في ذهني عن فتى أحلامي لم أجدها في واحد من زملائي طلبة المعهد حينذاك، فقد كانوا جميعا بعيدين كل البعد عن تلك الصورة، لذلك كانت الأخوة الصادقة هي إحساس علاقتي بهم جميعا، ودامت دراستي بالمعهد عاما وبعض العام، فقد ازدادت ارتباطاتي بالعمل في الأفلام، فكان من العسير عليّ أن أجمع بين بطولة هذه الأفلام وبين دراستي بالمدرسة الثانوية ثم الدراسة بمعهد التمثيل، وترتب على ذلك أن تركت دراستي بالمعهد لأتفرغ لعملي في السينما، ثم تركت دراستي بالمدرسة الثانوية - للأسباب التي ذكرتها مسبقا.

بعد ذلك بدأت الصحف والمجلات تنشر صوري وأخباري، وأصبح الجمهور يهتم بما ينشر عني، وصرت أتلقى يوميا عشرات رسائل الإعجاب، وأصبحت مشهورة، فكنت حينما أسير تلاحقني العيون، وحينما أقف تلتف حولي الشلل، وحينما أدخل المحلات تترك البائعات جميعا أماكنهن ليهرعن إليّ ويعرضن خدماتهن عليّ، وأيضا كنت كأي صبية في أيامها الحلوة (الشباب) أبتهج كل الابتهاج من اهتمام الناس بي، ولم يقف هذا الاهتمام عند هذا الحد بل امتد إلى البريد، حيث كان ساعي البريد قد بدأ يحمل إليّ خطابات من المعجبين في مصر وجميع أنحاء العالم، وكانت هذه الخطابات تتضمن الكثير من الطرائف التي أثارت اهتمامي في بادئ الأمر، ثم أصبحت مع الأيام شيئا مألوفا، وقبل أن أنقل إلى من يقرأ «مذكراتي» جزءا من تلك الطرائف يجب أن أقول إنني اعتنيت منذ البداية بأمر خطابات المعجبين فكنا «أنا ووالدي» نمضي عدة ليال ساهرين في الرد على هذه الخطابات.

وأصبحت مضطرة أن ألتقط عدة صور في كل شهر لأطبع منها آلاف النسخ وأرسلها إلى المعجبين والمعجبات مذيلة بإمضائي، وما زلت أتذكر خطابات المعجبين الأولى، حيث كانت مرسلة من طلبة المدارس الثانوية وطلبة الجامعة، وكانت كلها تحمل عروضا للزواج، وكنت قد أحصيت عدد تلك الخطابات التي تحمل تلك العروض التي تلقيتها خلال الأشهر الأولى فقط فوجدتها نحو ثلاثة آلاف خطاب، فكانت بين تلميذ في السنة الأولى الثانوية يعرض عليّ إعلان الخطبة وإرجاء مراسم الزفاف إلى أن ينتهي من دراسته الجامعية، وآخر يعرض عليّ الزواج فورا ويبدي استعداده لقطع الدراسة وافتتاح مؤسسة تجارية، وثالث يعرض عليّ مهرا قدره عشرون جنيها ودراجة.

ثم جاءت المرحلة التي تمر بها كل فتاة ويمر بها كل شاب، تلك المرحلة التي تتعارض فيها الآراء الشخصية والرغبة في الانطلاق والتحرر من أي سيطرة وآراء الأسر التي تعارض دائما النزعات والنزوات من أجل الحفاظ على أبنائها، بالفعل وقع أول صدام عندما رغبت في ارتداء الأحذية ذات «الكعب العالي»، لكن والدتي عارضتني بشدة قائلة إن هذا النوع من الأحذية لا يناسب عمري مطلقا، فكانت مناقشة حادة حول هذا الموضوع انتهت بانتصاري. ثم تعاقبت الصدامات في الآراء والتفكير بعد ذلك بصور مختلفة، وعلى الرغم من هذه الصدامات فإنها لم تكن تتعدى المناقشة الودية، وموافقة أسرتي على الانتصار لرأيي لم تبعد عن ذهني لحظة واحدة أنني فتاة مقيدة بالأعراف والتقاليد وليس لي أن أتصرف في شؤوني الخاصة إلا بإذن من والدي وموافقة أسرتي، ولكن أيضا من هنا بدأت في نفسي الرغبة في التحرر من أي سيطرة، وامتلأ رأسي بأفكار كثيرة تؤدي إلى هذا التحدي، وانتهت هذه الرغبة بقصة (سيأتي ذكرها لاحقا). وعدت ذات يوم من المدرسة لأجد والدي ووالدتي جالسين في الصالون يتهامسان في اهتمام كبير، وما كاد والدي يشاهدني حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة، وكان والدي يبتسم دائما عندما يريد أن يعرض عليّ أمرا مهمًا يتصل بشؤوني الشخصية.

وقد بادرته قائلة: خير يا بابا.

فقال: أريد أن أجلس معك قليلا لنتباحث في أمر يخصك شخصيا.

ودخلت غرفة الصالون وبدأ والدي الحديث فقال: لقد تقدم إليّ مدرس شاب له دخل خارجي كبير إلى جانب مرتبه، وهو يرغب في الزواج منك، فما رأيك؟

وقطبت جبيني حين سمعت النبأ.

واستطرد والدي يقول: وقد اشترط شرطا واحدا هو أن تعتزلي الفن.

فقلت لوالدي: وماذا قلت له؟ ألم ترفض طلبه؟ ألم تقل له ليس عندي فتاة للزواج؟ وقمت إلى غرفتي الخاصة وأغلقت بابها علي ولم أغادرها إلا صباح اليوم التالي، وقد كان قراري واضحا ونهائيا فرفض والدي الخاطب الجديد وانتهت المشكلة.

كنت أنا ووالدي في فترة من الفترات نتردد على «بيت الفن»، وقد كان ناديا أنشأه بعض الفنانين ليترددوا عليه هم وزملاؤهم، وكان عز الدين ذو الفقار (المخرج المعروف والمشهور حينذاك) من بين المترددين على هذا النادي، وقد قامت بينه وبين والدي صداقة قوية، وكان عز الدين يستعد لإخراج فيلم «أبو زيد الهلالي» لحساب المطرب محمد أمين، وكان من المتفق عليه بين منتج الفيلم ومخرجه أن تقوم «إلهام حسين» بدور البطولة في هذا الفيلم، وفشلت الشركة في الاتفاق مع «إلهام حسين» فبدأت تبحث عن بطلة جديدة تصلح للقيام بدور البطولة، وفوجئت بإسناد الدور إليّ، وقمت بدور البطولة، فكانت هذه خطوة كبرى في حياتي الفنية. وأتذكر أنه بعد نجاحي في هذا الفيلم رُشحت لأدوار بطولة أخرى، فأسندت إليّ بطولة فيلم «العقاب»، وبدأ اسمي يلمع كنجمة من نجوم الصف الأول.

ومن حوادث العمل التي لا أنساها ذلك الاشتباك الذي وقع بين اثنين من الممثلين في فيلم «القناع الأحمر»، الذي أخرجه يوسف وهبي، وكان هذان الممثلان من أفراد مدرسة يوسف وهبي، وكان الاشتباك مجرد تمثيل، ولكن بلغ الحد من اندماجهما في الاشتباك أنهما أتقنا الضرب والركل حتى اعتقدت أنا أنه اشتباك حقيقي، فأسرعت إلى بعض الواقفين أحثهم على أن يتدخلوا لفض الاشتباك، وفي الفيلم نفسه كان هناك مشهد يتطلب إطلاق الرصاص على أحد الأبطال، وكان يوسف وهبي هو مخرج الفيلم فقط ولم يشترك فيه بالتمثيل، وكنت قد قرأت كثيرا من التعليقات الطريفة على حوادث القتل والموت في كل روايات يوسف وهبي، فلما حان تصوير هذا المشهد قلت ليوسف وهبي: هوّه لازم تموت حد في الفيلم يا يوسف بيه؟ ثم ذكرته بأن الرصاصة التي ستنطلق من المسدس يجب ألا تصيب أحدا بسوء كما تقضي أحداث الفيلم، فقال «فكرتيني يا فاتن»، وترتب على ذلك أنه غير هذا الجزء من القصة بحيث تنطلق الرصاصة فلا تصيب البطل كما كان مكتوبا قبل تعديل الرواية، وإنما تصيب خادمه فيموت لساعته، وضحكت بشدة لأنه أيضا جعل بالرواية مقتولا.

وأذكر أن أول زيارة لي إلى صعيد مصر كانت في فيلم «ملائكة في جهنم»، فقد اقتضت حوادث الفيلم تصوير بعض أجزائه في إحدى قرى الصعيد، فسافرنا، وكانت المناظر التي ستصور هناك لا تستغرق أكثر من دقيقة واحدة، ومع ذلك استغرق تصويرها خمسة أيام، وكنت أسافر كل يوم في القطار وأعود في المساء لأتمكن من الذهاب إلى مدرستي، وفي هذه الأثناء كنت قد انتهيت من فيلم «أبو زيد الهلالي»، وفي تلك الفترة كان عز الدين ذو الفقار مخرج الفيلم قد تقدم لوالدي طالبا يدي، فوافق والدي ووافقت أنا على طلبه بشرط أن يؤجل كل إجراء إلى ما بعد انتهائي من دراستي الثانوية، وراح عز الدين يتردد علينا في البيت، وفكر بعد خطوبتنا في تكوين شركة إنتاج سينمائي، وعرض الأمر على والدي فوافق على المساهمة فيها، وبدأ الاثنان يستعدان لتنفيذ المشروع. في تلك الفترة كنت بلغت السادسة عشرة، وكان أغلب اهتمامي في تلك الأيام منصبا على قراءة الروايات العاطفية، وقد جمعت من هذا اللون ما يكفي لتكوين مكتبة ضخمة تتضمن تراجم أشهر العشاق وأشهر الروايات الغرامية، وكان من المعروف عني أنني لا يمكنني أن أفتح كتابا جديدا وأترك مكاني قبل أن آتي على السطر الأخير منه.

ورأى والدي إزاء هذا الاهتمام الكبير أن يصطحبني إلى طبيب للعيون ليجهز لي نظارة طبية خشية أن يتأثر بصري من القراءة المستمرة، فقد كنت أقرأ ما يقرب من خمس ساعات متواصلة يوميا، وكثيرا ما كان عملي في الاستوديو يستغرق أوقات النهار وبعض ساعات الليل، فكنت أضطر إلى السهر بجوار أحد المصابيح الكهربائية اقرأ حتى ساعة متأخرة من الليل، واقتضى العمل في أحد الأفلام السفر إلى الإسكندرية، ورأى مخرج الفيلم لكي يوفق بين عملي الفني وبين الدراسة أن أركب الطائرة صباح كل يوم إلى القاهرة وأعود في مساء نفس اليوم إلى الإسكندرية، وأعترف بأنني لم أكن قد ركبت الطائرة من قبل، وقد أشاع اقتراح المخرج الذعر في نفسي لكني رفضت أن أعلن هذا الذعر وأبديت استعدادي للسفر. وقد تبدد هذا الذعر والخوف في نفسي بمجرد نزولي من الطائرة في المرة الأولى، ثم أصبحت بعد ذلك أقبل على ركوب الطائرات التي أصبحت في ما بعد أفضلها على سائر أنواع المواصلات، وانتهى العمل في الفيلم وانتهى امتحان المدرسة.

قرر والدي أن تنتقل الأسرة إلى مصيف «رأس البر» لقضاء جانب من فصل الصيف، فحملنا حوائجنا وحقائبنا وسافرنا إلى رأس البر، وما كدت أصل إلى المصيف الهادئ حتى فوجئنا ببرقية تنتظرنا في الفندق من مخرج الفيلم الأخير، وفيها يطلب بإلحاح أن أعود إلى القاهرة لالتقاط منظر مهم في الفيلم كان قد تلف أثناء التحميض، وأعترف بأنني تضايقت جدا من هذه البرقية ونظرت إلى الفتيات اللواتي هن في مثل عمري الواقفات على الشاطئ يتمتعن بعطلتهن وبدأت أسخط على العمل السينمائي، فقد كنت مرهقة للغاية من السفر الذي استغرق أكثر من أربع ساعات، وعلى الرغم من هذا فقد عدت إلى القاهرة لتصوير ذلك المشهد الذي لم يستغرق فيه العمل أكثر من نصف ساعة، ليس هذا فقط بل لاحظت حين عرض الفيلم اختفاء هذا المشهد الذي وصفه المخرج بأنه مهم جدا.

لقد وافق والدي - كما ذكرت أعلاه - على خطبتي إلى عز الدين ذو الفقار، واتفقا على تأجيل حفل الزفاف إلى ما بعد انتهاء دراستي، ووافق عز الدين على ذلك التأجيل بعدما لمس مدى شغفي بالدراسة ورغبتي في دخول الجامعة، ولكن الأقدار أرادت غير ما أردته لنفسي وغير ما اتفقنا جميعا عليه، حيث كنا نعمل في فيلم «خلود» وهو الفيلم الذي أسهم في إنتاجه والدي مع عز الدين بعد تكوينهما الشركة سابقة الذكر، وخلال تصوير الفيلم اتفقت أنا وعز الدين على أن نكتب الكتاب (نعقد القران) ونختصر الطريق، وكانت مفاجأة للأسرة حين عدنا من عند المأذون زوجين، وكان ذلك تحديدا في يوم 20 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1947، وعقب الزواج قامت عاصفة كبيرة مطروحة فيها الأسئلة والأجوبة الافتراضية من الجميع «كيف تهرب فاتن من أهلها؟ كيف تتخلى عن والدها ووالدتها وأشقائها؟ كيف لا تستشيرهم في أمر عقد قرانها؟»، وقيل أيضا «لقد هربت الفتاة الصغيرة من أمور كانت تشغلها، وقد أحبت لأول مرة في حياتها، وشاءت أن تكون ثمرة حبها هي الزواج وهي أجمل ثمرة من ثمرات الحب».

على الرغم من كل تلك العاصفة وبعد لوم شديد تقبلت أسرتي الأمر وباركت زواجي، ونزلت أنا وزوجي في فندق «الكونتيننتال» لنقضي بضعة أيام من شهر العسل. والحقيقة أنني يوم تزوجت بدأت أشعر بأحاسيس ومشاعر مختلفة وجديدة، وعلى رأس تلك المشاعر كان الشعور بالمسؤولية رغم صغر عمري، فقد أصبحت ربة بيت مسؤولة عن مملكة صغيرة ويجب أن أدير شؤونها وأدبر أمورها وأهيئ فيها كل أسباب السعادة، وبالفعل عكفت على قراءة كل ما كتبه الكتاب والأدباء عن السعادة الزوجية، وعكفت أيضا على دراسة شؤون البيت والتدبير المنزلي، واشتريت جميع المؤلفات التي تحدثت عن الطهو وإعداد الحلوى حتى أستطيع استغلال كل مواهبي في دنياي الجديدة، وبدأت أستعين بنصائح ووصفات مختلفة ومتعددة كانت تمدني بها والدتي، وانتهت الأسابيع الأولى من شهر العسل، وكان افتتاح العام الدراسي الجديد يقترب بسرعة، وذات مساء جلست مع عز الدين نعالج مشكلة الجمع بين الحياة الزوجية والفن والدراسة، وانتهت المناقشة بيننا على وجوب التضحية بالدراسة على أن أستكملها في أوقات فراغي وأحاول الحصول على شهادة الدراسة الثانوية من المنزل ثم أنتسب إلى الجامعة، ووافقت على ما توصلنا إليه، ولكن عندما أعلنت قراري هذا إلى زميلاتي وجدت الدموع تنهمر من عيونهن، وحاولت مدرساتي أن يثنينني عن هذا القرار، وتعهد بعضهن بإقناع عز الدين بالعدول عن هذا القرار، لكنني شكرتهن على شعورهن لعلمي بأن هذا مستحيل، فأنا التي ستشقى من وراء حملي لهذه النواحي المتشعبة الثلاث. وعدت إلى منزلي لأنظم حياتي الجديدة (الحياة الزوجية) ودوري كربة البيت، وانتقلنا من فندق «الكونتيننتال» إلى الشقة التي أعددناها في مصر الجديدة، وقد أشرفت بنفسي على تأثيث هذه الشقة وتوفير أسباب الراحة فيها، وحرصت على أن أحيط حياتي الزوجية بالجو الذي ينمي فيها السعادة.

بعد عدة أشهر من الزواج شعرت بأنني في انتظار حدث سعيد، وقررت أن أمتنع عن العمل. ورغم كل المتاعب التي تصادفها الحامل أيام الحمل فإنني كنت سعيدة سعادة لا حد لها وأنا انتظر مولودي الأول، وكانت تسليتي الوحيدة هي إعداد متطلبات واحتياجات المولود وزيارة الطبيب بشكل يومي وممارسة الرياضة المناسبة والقراءة، وفي أول يناير (كانون الثاني) من عام 1951 رزقني الله بابنتي الحبيبة «نادية»، وكانت أسعد لحظات حياتي هي تلك التي سمعت فيها صرخاتها الأولى، لقد كان بكاؤها أشبه بقطعة موسيقية ملأت قلبي بالطرب والفرح، واستخدمت مربية خاصة تتولى العناية بها لكني لم أترك لها فرصة القيام بواجبها كمربية فقد كنت أتولى بنفسي كل شيء كانت تحتاج إليه.

وبعد مدة الراحة التي أعقبت مرحلة ما بعد الحمل والولادة عدت إلى العمل السينمائي، وكان ذلك بعد ولادة نادية بثلاثة أشهر، وكان في انتظاري عدد كبير من العقود التي وقعتها وتأجل العمل في أفلامها حتى يتم الحدث السعيد، وكان العمل المتواصل أكثر مما تحتمله طاقتي، فقد جاء وقت كنت أجمع فيه بين العمل في فيلمين في يوم واحد، وبلغ عدد الأفلام التي ظهرت لي بعد مولد نادية ثمانية أفلام في موسم (1951 - 1952)، وقررت أن أرسم لنفسي سياسة جديدة هي عدم الظهور في أكثر من أربعة أفلام كل عام، وأن أحرص على أن تكون قصصها والوسائل الفنية فيها مما يساعدها على النجاح، فلم يكن هدفي الكسب وحده بل النهوض بالمستوى الفني في كل أعمالي الفنية، خاصة وأنا أحب عملي السينمائي حبًا جمًا، ولكن هذا الحب لم يمنعني من أن أعطي «ما لقيصر لقيصر.. وما لله لله»، فقد كنت أقوم بواجبي على الوجه الأكمل كربة بيت وأم وفنانة، وإن كان هذا العمل قد جنى على صحتي وأعصابي، وكانت نظراتي للفن وآرائي الفنية تتطور يوما بعد يوم حتى جاء ذلك اليوم الذي شعرت فيه بواجب ضخم نحو الفن الذي أحببته، ورأيت أن أتحرر من سيطرة المنتجين وآرائهم ومطالبتهم كتجار، فقررت أن أنزل إلى ميدان الإنتاج وأن أفعّل عمل الشركة التي كان قد أسهم والدي في تأسيسها مع عز الدين وأنتج أفلاما لحسابي، واستقر رأيي على أن أنتج فيلما واحدا كل عام تتوافر فيه أسباب النجاح الفني أولا، وكان أول فيلم أنتجته لحسابي هو «موعد مع الحياة» الذي تولى إخراجه زوجي عز الدين ذو الفقار، وصادف هذا الفيلم من النجاح الفني والمادي الشيء الكثير، واعتبره النقاد من الأحداث الفنية الكبرى التي تصنع تاريخ السينما المصرية. لقد وصلت به إلى قمة المجد، وأطلقوا عليّ حينذاك اللقب الذي رافقني طوال رحلة حياتي الفنية والعامة والمحبب إلى قلبي دائما «سيدة الشاشة العربية»، والحقيقة أنني كنت أندمج في الأدوار التي أجسدها وكنت أعيش هذه الأدوار، وعندما كان يتطلب مني الموقف البكاء كنت أذرف الدموع دون أن أستعمل أي وسيلة لذلك، وكنت أعيش في دوامة السينما، ولم لا وأنا التي كانت دائما في «الاستوديو» أمام الكاميرا أو خلف الكاميرا تذاكر السيناريو؟

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 «الجاسوس الخاص» والهزيمة التي لم أنسها


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الجمعة - 11 شعبان 1436 هـ - 29 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (5) : «الجاسوس الخاص» والهزيمة التي لم أنسها

عن زيجتها الأولى : تزوجت الأستاذ مدفوعة بنزوعه إلى الكمال وليس إلى الحب


لم تكن حياة الفنانة الكبيرة فاتن حمامة في زيجتها الأولى خالية من المشكلات، فهي ككل بنات حواء من الممكن أن تغضب وتصرخ لاختلافها في الرأي مع زوجها، ومن الممكن أيضا أن تترك البيت حاملة حقائبها إلى بيت أسرتها، وهذا ما حدث بالضبط في واحد من مواقفها مع عز الدين ذو الفقار، وهنا ما زالت فاتن حمامة تروي.

لقد مرت بي الأيام وبدأت أكتشف حقيقة غابت عني طويلا، وهي أنني أعيش للفن وحده، أما حياتي الخاصة وعواطفي فقد انزوت في ركن صغير من الوجود حتى كادت تتوه عن عيني، وذات ليلة وكنت وحدي في المنزل أنتظر عودة زوجي عز الدين الذي طال غيابه في الاستوديو تساءلت في نفسي: «هل أنا سعيدة؟»، وكان غريبا أن أواجه مثل هذا السؤال وأقول الآن حقيقة كان الأغرب أن أحاول البحث عن الإجابة عنه بعد أن تزوجت وأصبحت أما لطفلة رقيقة، وأيضا بعد أن اشتهرت وغدوت نجمة، ولكن الحقائق كثيرا ما تحتجب عن أعيننا فترة، ولكنها لا يمكن أن تحتجب دائما، وفي مقدمة هذه الحقائق أنني لم أكن راضية عنه، وبالتالي لم أكن سعيدة، وحاولت كثيرا أن أهتدي إلى السر في تعاستي.. «نعم تعاستي»، وعلماء النفس يؤكدون أن الوصول إلى أصل العلة فيه الشفاء من نصف الداء، ولذلك حاولت للمرة الأولى أن أحدد علاقتي بعز الدين ذو الفقار، وهذا سبب لي التوتر، ورغم أنني قلما أدخن، ولكني وجدت نفسي مدفوعة إلى إشعال سيجارة «وجلست على السرير العريض بملابس النوم» أجذب أنفاسا عميقة من اللفافة البيضاء ثم أتلهى بالنظر إلى دوائر الدخان وهي تتصاعد وتتشابك ثم تتلاشى في الهواء، فهكذا كانت حياتي حينذاك أوقاتًا واهية من السعادة تلامس سعادة الآخرين ثم تضيع كما يضيع الدخان في الهواء.

اكتشفت أن علاقتي بعز الدين كانت علاقة تلميذة مبهورة بحب الفن، وكان لقائي به للمرة الأولى في الاستوديو وهو يخرج فيلما استعراضيا تاريخيا لم يلق نجاحا كبيرا لحساب الفنان والموسيقار محمد فوزي، وكنت أقوم في الفيلم بدور صغير، وكان هو يخرجه، وأدهشني أن أشاهده وهو يؤدي الأدوار كلها «دور البطل والبطلة وحتى الكومبارس» وكأنه قد خلق وهو يتمرن عليها حقا، كان يمثل ببراعة وينفعل ويبكي ساعة اللزوم، ومن هنا أخذت بالصدق في إحساسه.

تزوجت الأستاذ مدفوعة بنزوعه إلى الكمال وليس إلى الحب.. «هذا ما اكتشفته بعد ذلك»، ومرت الأيام وبدأت أبحث عن الحب، أبحث عنه بهدوء وفي سكون كمن أضاع شيئا ثمينا وخاف أن يكشف الضياع للناس حتى لا يسخروا منه فراح يبحث عنه بالسر وقد ضاعف من حاجتي إلى الحب إحساسي بالفراغ.

أول أزمة تعرضت لها الحياة بيني وبين عز كانت بسبب «نادية»، فقد كانت نادية ابنتي الأولى وحبيبتي، في الرابعة من عمرها أو لعلها تجاوزتها بقليل حين أراد عز الدين أن يظهرها على الشاشة، حيث كنا نستعد لفيلمنا الأول معا، وأقصد بالأول أي الفيلم الذي أنتجته وأخرجه هو وكتب قصته يوسف عيسي. قرر عز وهو يضع اللمسات الأخيرة في الفيلم كعادته أن تقوم نادية بنفس دورها في الحياة «دور ابنتي» في فيلم «موعد مع السعادة»، وانزعجت للأمر، فأنا أعرف المتاعب التي يتعرض لها الأطفال عندما يعملون بالسينما وأعرف البصمات التي يتركها هذا العمل المبكر والشهرة التي تتولد عنه على حياة الإنسان فيما بعد، وقلت لعز: «أنا أحب الفن وأكبر دليل أنني فنانة وأن زوجي فنان والفيلم فيلمي، ولكنني على الرغم من هذا لا أريد لنادية أن تمر بتجربتي الأولى في الحياة، ولا أريد لها أن تفعل فعلتي عندما ظهرت وأنا طفلة في فيلم (يوم سعيد) فكان أن ارتبطت حياتي كلها بهذه الخطوة المبكرة».

استمع إليّ عز الدين وكأنه يستمع إلى ممثل يقوم ببروفة، ثم قال بهدوء: «وهل تكرهين لها أن تكون فنانة؟».

وأجبته: «لا، ولكني أريدها أن تختار بنفسها طريقها في الحياة، وألا أحاول أنا أو أنت رسم هذا الاتجاه من اليوم».

فقال لي عز بهدوء: «لا تنسي أنها ابنتي، وأنا المسؤول الأول عن مستقبلها. لم أرد عليه واكتفيت بالبكاء».

دموع كثيرة تساقطت من عيني في تلك الليلة على الوسادة وآهات خافتة تسللت من تحت الغطاء لتموت في الظلام. في الصباح خرج عز الدين مبكرا كعادته وشعرت بالفتور الذي أصبح يدب فجأة في حياتنا، فقد غادر عز المنزل دون أن يطبع على جبيني قبلته الصباحية المعتادة، وأنا أيضا تظاهرت بأنني نائمة حتى خرج، وغادرت الفراش بسرعة وارتديت ثيابي على عجل ثم توجهت إلى حجرة نادية، وملت على وحيدتي فرفعت جدائل الشعر التي تغطي وجهها ثم انهلت عليها بالقبل، قبلات كثيرة طبعتها على وجنتيها دون أن أشعر، وفتحت نادية عينيها وراحت تنظر إليّ بدهشة، فقلت لها وأنا أرفعها بين ذراعي من السرير: قومي يا حبيبتي، إحنا خارجين.

وسألتني وآثار النعاس ما زالت تثقل جفنيها ولسانها: «على فين يا ماما؟».

فقلت لها وأنا أضغط عليها في صدري كأنني أريدها أن تتخلل ضلوعي: «خارجين يا حبيبتي».

خاطر غريب سيطر عليّ في ذلك الصباح، لقد خيل إليّ ربما بتأثير التعب النفسي والإرهاق العصبي أنني سوف أفقد نادية وحيدتي ودنياي.. «فاتن الصغيرة»، وكما يتوهم الإنسان تحت تأثير الخمر والمخدر أشياء لا وجود لها انتابتني الهواجس وداهمتني الخيالات الغريبة تحت تأثير التعب والإحباط فصممت عليّ أن أنقذ صغيرتي مهما كان الثمن، وألبست نادية بسرعة نفس السرعة التي ارتديت بها ثيابي ونزلنا إلى الطريق وخيّل إليّ ساعتها أنني نجوت من خطر كبير، أي خطر هذا لست أدري؟ ووقفت على باب العمارة أنتظر سيارة أجرة، وفجأة لمحت شيئا غريبا، لقد لمحت سيارتي البيضاء واقفة في الجراج، ودق قلبي بشدة، فعز الدين لم يقبلني في الصباح كالمعتاد ثم هو لم يركب السيارة على أساس أنها سيارتي، وتوجهت بلا وعي مني إلى السيارة وعلى الرغم أنني لم أكن أجيد القيادة لأن عز الدين كان يقوم بهذه المهمة أو السائق في حالة غيابه، فإنني خطوت بثبات نحو السيارة وجلست على عجلة القيادة وشعرت بخوف مفاجئ، فقد شعرت أن اندفاعي بالسيارة وحيدة قد يعني انطلاقي في الحياة وحيدة أيضا، وبكيت بدموع صامتة خشية أن تلمح نادية القطرات في عيني، ووضعت نظارتي على عيني المتعبتين بسبب البكاء طوال الليل وهمست بصوت خفيض ثم أطبقت بيدي على عجلة القيادة واندفعت السيارة في الطريق الطويل تتلوى في البداية ثم أخذت الاتجاه الصحيح إلى حي المنيرة وسألت نادية بصوتها الرقيق: «على فين يا ماما؟».

فنظرت إلى الطريق قبل أن ألتفت إليها وقلت: «عند جدو يا حبيبتي».

وعادت نادية تقول: «ليه، هو النهارده الأحد؟».

وقلت لها وأنا أستجمع قواي المنهارة: «لا، لكن حنروح عنده».

كان من عادة نادية الصغيرة أن تقضي يوم الأحد، إجازتها الأسبوعية، في منزل أسرتي بالمنيرة، تقضيه في اللعب مع أشقائي ووالدتي التي كانت تتحول إلى طفلة كبيرة في ذلك اليوم لتجاري نادية في جميع تصرفاتها، وقد أدهشها وهي ابنة الرابعة أن تزور جدها في غير موعدها وقبلتها في شعرها، وصمتت وظلت يداي مطبقتين على عجلة القيادة كأنني أخشى أن تفلت مني.

عندما عاد عز الدين ذو الفقار في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي فوجئ بالنور مطفأ، والبيت خاليا، لقد عاد إلى المنزل ليجده غارقا في الظلام وبحث طويلا في الحجرات عن خطاب أو شيء يدله على مكاني أو يفسر له سبب خروجي دون إخطار بذلك بلا جدوى، ورفع عز السماعة الداخلية واتصل بالجراج يسأل عن السيارة فقال له الأخير، إنها غير موجودة، فجن جنونه فنزل إليه بملابسه الداخلية وراح يمطره بالأسئلة كأنه وكيل نيابة يباشر تحقيق في قضية غامضة (هكذا قص عليّ العامل الموقف بعد ذلك)، وقال له المسؤول عن الجراج: لقد ركبت الست السيارة في الصباح وخرجت مع نادية.

وقال عز بلهفة وقلق: «وهل جاء السائق قبلها؟».

فأجابه: «لا، لقد قادت هي السيارة».

وعاش عز على أعصابه الليل بكامله، وعلى الرغم من هذا لم يشأ أن يدير قرص التليفون ليتصل بأسرتي يسأل عني، فقد كان رحمه الله «عنيدًا جدًا» معتزًا بنفسه إلى درجة مثيرة، وأمضيت ليلة مؤرقة أنا الأخرى إلى جوار التليفون أنظر إلى تلك العلبة الصغيرة السوداء، وأنا أتمنى في أعماقي أن ترن فقد شعرت بالندم لتصرفي وبت في أعماقي أتمنى أن يخطو عز الدين خطوة في سبيل إنقاذ الموقف ويفتح لي بالتالي باب التراجع، ولكن التليفون ظل على صمته كأنه مات أو قطعت عنه الحرارة لعدم سداد القسط، مما جعلني بدأت بالشك في أن التليفون معطل، فكنت أرفع السماعة بين وقت وآخر لأتأكد من أنه سليم ثم أعيدها مكانها بغيظ شديد.

وفي الساعة الثالثة صباحا رن التليفون فجأة، وبلهفة المراهقة التي واعدت صديقها على موعد معين رفعت السماعة، ورحت أصرخ قائلة: ألو.. ألو!!!، وظلت صرخاتي بلا رد، وخيّل إليّ أنني استمعت فقط إلى تنهيده عميقة أنهى بعدها المتحدث المجهول المكالمة، وصور لي تأخر الوقت وقلق زوجي وقد جلس يشرب الويسكي بإفراط كعادته في حالات الضيق. وكيف أنه أراد أن يطمئن عليّ فاتصل بي واستمع إلى صوتي واطمأن فأغلق السماعة، وبدأت أشعر بالارتياح، فالإنسان كثيرا ما يحلو له أن ينسج الطمأنينة من خيوط واهية. وفجأة، رن الجرس ثانية ومددت يدي إلى السماعة فإذا بصوت أجش يقول بلهجة آمرة: «فين المعلم شلبي؟».

وأجبت بغيظ: «لا، النمرة غلط».

وعدت إلى القلق ثانية فقد بددت المكالمة الجديدة أطياف الطمأنينة كلها وقلت لنفسي لعل المكالمة الأولى أيضًا كانت للمعلم شلبي، فلما سمع المتحدث صوتا أنثويا أغلق السكة، وبدأت أحاسب نفسي على لهفتي متسائلة: «لمَ أريده أن يتصل بي وأنا التي تركت المنزل باختياري؟!». وجاءني الجواب من أعماقي: «إنه الغرور، نعم غرور المرأة حتى عندما تزهد في الرجل»، وكان هناك سبب آخر هو شعوري بالندم. لقد عاتبني والدي عندما رجعت إلى منزله ورويت له باختصار قصة الخلاف فقال لي بهدوء القاضي الذي استمع إلى وقائع الدعوى بتريث: «قد يكون الحق معك، ولكن خروجك بلا إذن يدينك في الموقف كله وأنت قد تكونين نجمة في نظر الناس إلا أنك بالنسبة لزوجك ست بيت وزوجة وأم». وسكت والدي ثم أضاف وهو يتركني ليصلي العشاء: «لا أستطيع أن أقول لكي ارجعي لأنك في بيتي، ولكني أفضل أن تراجعي نفسك في ما فعلتِ».

ولهذا كله تمنيت أن يتصل بي عز ليلتها فقد كنت أريد مجرد كلمة عتاب تفتح لي باب التراجع.. «آه، ليته فعل ذلك» لاختصر عليّ وعلى نفسه الكثير مما حدث بعدها، ودخلت حجرة شقيقتي «ليلى»، الحجرة التي تخلت عنها لي ولابنتي وذهبت لتنام إلى جوار أمي، دخلت وكلي أمل في أن أجد نادية مستيقظة أو ليلى إلى جوارها، فقد كنت متلهفة إلى الحديث، لهفة السجين إلى التحدث في يوم الزيارة، لقد كنت أريد أن أفتح قلبي لأي إنسان، ولكنني وجدت نادية وحيدة وقد استسلمت للنوم ببراءة وبهدوء، وصعدت إلى جوارها في السرير واحتضنتها بين ذراعيّ بحنان ورفق، وعندما استيقظت في الصباح كانت هناك دموع كثيرة تتخلل شعر نادية الحريري، ودخل شقيقي «منير» إلى حجرتي ليحييني، فقد كان غائبا طوال الليل في مهمة خاصة بعمله، وضمني منير إلى صدره ثم قبّلني وهو يقول: «أهلاً تونة، هو عز مسافر والّا إيه؟».

وأجبت بهدوء: «لا، أبدًا».

فسألني منير: «أُمّال إيه اللي جابك؟».

كان سؤاله كما يبدو عاديا والواقع أنه كان يخفي بين كلماته استياء لتصرفي فقلت له: «أبدًا جيت أزوركم يا منير، هي الزيارة عيب؟».

فنظر في عيني طويلا، ثم قال بخبث ضابط البوليس: «إذا كانت زيارة أهلا وسهلا لكن..».

وقبل أن يكمل جملته قلت له مقاطعة وأنا أناوله مفاتيح السيارة: «والنبي يا منير توصل نادية المدرسة أحسن أنا تعبانة».

وفهم شقيقي أنني أتهرب من أسئلته المحرجة، فمد يده يلتقط المفتاح، وقال لي وهو ينظر إليّ بعتاب: «أمرك يا تونة».

وخرجت نادية مع خالها.. وتركتني للأفكار القاتمة والأحزان، فقد كانت أول مرة أختلف فيها مع عز، وكان احتمائي بالكبرياء مجرد تعبير عن تبرمي بالحياة إلى جوار رجلي الأول، وقد حاولت بعدها أن أنقذ الموقف مهما كلفني الأمر حتى لو حطمت كبريائي المزيفة، وكان الاستوديو الذي يصور به عز مشاهد الفيلم «جاسوس» بمثابة عين تراقب بين الحين والحين موقف عز من الفنانين والفنانات على الخصوص وتنقل إليّ ما يدور بصراحة وطلبت إلى خادمتي أن تتصل بالاستوديو تليفونيا حتى لا يتعرف العامل إلى صوتي، وأن تطلب من «الجاسوس» المجيء على الفور، وجاء فعلاً. وجاسوسي لم يكن إلا «رزق عبد الحميد»، وهو شاب طيب القلب من أسرة لها شأنها، عمل فترة طويلة مساعدا لعز وسكرتيرا له وتابعا أمينا، وسألت رزق: «عز أخباره إيه؟».

فقال لي وهو يبتسم ببلاهة: زفت يا مدام وكله جه على دماغي أنا، فضل يزعق فيّ من ساعة ما وصل لحد حضرتك ما ندهت عليّ، ثم اقترب مني رزق ليقول بصوت لا تسمعه الخادمة: «هو حضرتك زعلانة منه؟».

فقلت له: «يعني، حاجة زي كده».

فهز رزق رأسه، وقال: «علشان كده أنا قلت إيه اللي يخليه يشرب زجاجة ويسكي على الصبح؟».

وشعرت أن قلبي يدق بشدة مع الخبر الأخير، لقد كان عز الدين يشكو من روماتيزم قديم، وكانت هناك نوبات مفاجئة تصيبه فتعوقه عن السير، فكان يخرج وهو جالس على مقعد متحرك كمقاعد المصابين بالشلل، وكان الطبيب الذي يعالجه يحرم عليه تناول الكثير من الأطعمة والإفراط في التدخين وشرب الخمر، وكانت عودة عز إلى الويسكي وفي الصباح خطيرة، ومن هنا صممت على العودة أو لنقل إنني تعللت بهذا كي أتراجع وأعود.

عندما عاد عز في المساء وجدني في المنزل.. «كأن شيئا لم يكن»، وهو أيضا لم يتكلم ونظر إليّ بعينين معاتبتين وقبّلني في وجنتي بشيء من الفتور ثم قال لي: وحشتيني يا تونة.

فقلت له: عن إذنك أنا داخله أنام لأني عندي شغل بدري.

وتركته بضعف وتسللت إلى الفراش بهدوء وقبل أن أطفئ النور نظر إليّ بخبث وقال: أنت قابلت رزق النهارده يا تونة؟

وأجبت وأنا أتلعثم: لا، لماذا؟

فقال بهدوء: لا شيء، مجرد سؤال.

وشعرت حينذاك أن جاسوسي يعمل في الوقت نفسه جاسوسا لعز فعضضت على شفتي ونمت وأنا أكاد انفجر من الغيظ، واستيقظ عز مبكرا وسمعته للمرة الأولى يغني وهو يحلق ذقنه واقتربت منه فقبّلني بمرح زائد، ودهشت لتصرفه وشعرت بالضعف الشديد، فقلت له: أنت عاوز فساتين إيه لنادية علشان الفيلم؟

فنظر إليّ بعينيه الثاقبتين البراقتين ثم قال وآثار الانتصار بادية عليه: اللي تشوفيه، أنت عارفة الرواية جيدا، وذوقك في اللبس أحسن من ذوقي طبعا.

وخرج عز وقد غفر لي فعلتي دون أي لوم أو عتاب، أما أنا فلم أغفر له أو لنفسي أنني هزمت وضعفت وتراجعت وقبلت أن تمثل ابنتي «نادية» لأول وآخر مرة في فيلمي «موعد مع السعادة»، وخيّل إليّ أنني نسيت مع الأيام تمردي وتبرمي بحياتي، ولكن الذي حدث بعد ذلك أنني سافرت بعدها بشهور إلى بيروت ثم عدت لأواجه أقوى عاصفة هبت على حياتي.

* عز الدين كان يقضي نصف ساعات يومه في العمل والنصف الآخر في الاستعداد للعمل، وما تبقى من وقته كان يمضيه معي، ولم يكن هذا كافيًا لأن تصمد الحياة الزوجية أمام أزمات يعرفها كل بيت، ولم يكن هذا أيضًا كافيًا لأن تتوطد بيننا العلاقة أكثر وأكثر، فالعلاقة الزوجية مثل النبات الأخضر يحتاج إلى ماء كثير ليبقي على خضرته وإلا جف وذبل.

* عاد عز الدين ذو الفقار في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي ففوجئ بالنور مطفأ والبيت خاليًا، لقد عاد إلى المنزل ليجده غارقًا في الظلام وبحث طويلاً في الحجرات عن خطاب أو شيء يدله على مكاني أو يفسر له سبب خروجي دون إخطار بذلك بلا جدوى، ورفع عز السماعة الداخلية واتصل بالجراج يسأل عن السيارة فقال له الأخير إنها غير موجودة.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 أزمة الضابط شقيق زوجي.. والرحلة اللبنانية


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
السبت - 12 شعبان 1436 هـ - 30 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (6) : أزمة الضابط شقيق زوجي.. والرحلة اللبنانية

المرأة الجديدة في حياة عز الدين ذو الفقار


تزوجت فاتن حمامة من المخرج عز الدين ذو الفقار الذي كانت تعده أستاذا لها، وقالت وهي تتذكر الأيام الأولى لها معه اكتشفت أن علاقتي بعز الدين كانت علاقة تلميذة مبهورة بحب الفن، تزوجت الأستاذ مدفوعة بنزوعه إلى الكمال وليس إلى الحب «هذا ما اكتشفته بعد ذلك» ومرت الأيام وبدأت أبحث عن الحب، أبحث عنه بهدوء وفي سكون. وقد ضاعف من حاجتي إلى الحب إحساسي بالفراغ، فعز الدين كان يقضي نصف ساعات يومه في العمل والنصف الآخر في الاستعداد للعمل وما تبقى من وقته كان يمضيه معي. وكانت الأزمة الأولى في حياة الزوجين عندما قرر عز الدين أن تمثل ابنتهما نادية دورا في الفيلم الأول الذي تنتجه فاتن وهو «موعد مع السعادة». وتذكر فاتن أنها اتخذت قرارا متسرعا بترك المنزل مع ابنتها ولكن عادت لزوجها وبالفعل قامت نادية بأول دور سينمائي لها كابنة فاتن حمامة في الفيلم.

وتستكمل سيدة الشاشة العربية السيرة والمسيرة قائلة.

في الحياة فقرات كثيرة راكدة تخلو من الأحداث والانفعالات المهمة، وحياتي مع عز الدين ذو الفقار طوال المدة التي استغرقها العمل في فيلمنا «موعد مع السعادة» كانت من هذا النوع فقد ابتلعتنا دوامة العمل فلم أعد بالتالي أفكر إلا في كل ما يخص الفيلم ابتداء من عقود زملائي الفنانين إلى مواعيد خروج النسخ من العمل، وعرض الفيلم في دار سينما ميامي بشارع سليمان باشا وحقق إيرادات خيالية، فقد مست القصة في الجمهور وتر الإنسانية ومن هنا تهافتوا على مشاهدتها وشعرت بشيء من الراحة وأيضا بشيء من الغيظ عندما حمل إلي عز الدين مع قبلة وشاي الصباح جريدة أفردت نصف صفحة كاملة لنادية وحدها قال فيها كاتبها «لقد أثبتت نادية أن الفن يمكن أن يورث فالذي يراها في فيلم (موعد مع السعادة) يشعر أنها كادت في مشاهد كثيرة تتفوق على أمها العظيمة».

وأسعدني أن يكتب هذا عن طفلتي نادية فهي كانت طبيعية في أدائها حتى ظهرت وكأنها ولدت في أستوديو، وفي الفيلم مشهد لن أنساه ما حييت وهو مشهد بكيت فيه بدموع حقيقية وكانت اللقطة تصورني وأنا جالسة إلى جوار فراش نادية أداعبها وأروي لها القصص كي أجلب النعاس إلى عينيها الجميلتين، فقلت لها إن أميرا في مملكة بعيدة أصيب بمرض عضال عجز أمهر الأطباء في مملكته عن شفائه منه وقد خرج الأمير حزينا في رحلة صيد وهناك التقى برجل اشتهر بأنه صاحب خبرة وصاحب رأي سديد وراح الأمير يشكو إلى الحكيم علته فاستمع إليه الرجل جيدا ثم قال له إن علاجك يا مولاي بسيط، فقط عليك أن ترتدي قميص رجل سعيد مدة أسبوع وبعدها سوف تشفى نهائيا من مرضك - واستمعت نادية إلي باهتمام بالغ وأنا أروي لها القصة حتى كادت تنام قبل أن أكملها - وتابعت القصة فقلت لها: وقد أرسل الأمير في اليوم التالي رجال حاشيته فجابوا أرجاء البلاد كلها بحثا عن القميص وعادوا في النهاية دون أن يحققوا للأمير رغبته وعندما أنب الأمير قائد حرسه قال له الأخير مغلوبا على أمره، آسف يا مولاي فالرجل السعيد الوحيد لا يملك قميصا، وفوجئت بنادية تسألني وكان هذا خارجا عن الحوار المكتوب أنت سعيدة يا ماما؟، وصاح عز الدين بعصبية (ستوب)، ولم أقو على إعادة اللقطة قبل ربع ساعة فقد انخرطت في نوبة من البكاء لأن أصابع نادية الرقيقة مست دون أن تدري جرحا عميقا في نفسي.

والسبب في شقائي قديم يعود إلى أيام كنت في معهد التمثيل حينما التقيت يومها بضابط شاب وسيم يزهو بالنجمة البراقة على كتفه وأعجبت به جدا بل أقول بصراحة في هذه السطور إنني أحببته وقد التقيت به مرات قليلة عرفت في إحداها اسمه «كمال» ثم مرت الأيام واكتشفت أن كمال ليس إلا شقيق عز الدين الأصغر وقد عرف عز بتفاصيل الحب البريء قبل أن يطلب يدي ولم يفاتح شقيقه الأصغر في شيء وإنما اكتفى بالسعي مستخدما علاقاته لدى أصدقائه من كبار الضباط حيث كان هو نفسه ضابطا قبل أن يتفرغ للسينما حتى نقل شقيقه، كمال، إلى السودان وشعرت بالذنب لما حدث له، وقد تركت هذه القصة في نفسي رواسب من الحزن والمرارة، التي تقلصت مع الأيام ولكنها لم تتلاش تماما.

انتهى تصوير الفيلم وأسفت جدا فقد كان مقدرا لي أن أعود إلى الفراغ الذي أخشاه خاصة وكان عز غائبا في الإسكندرية وكنت أقرأ قصة أحببتها كثيرا تروي سيرة «الإمبراطورة جوزفين» والمتاعب التي تعرضت لها في حياتها الزوجية، كنت منكبة على الصفحات باهتمام التلميذة التي تذاكر دروسا حين رن جرس التليفون وسمعت أحمد ضياء الدين يقول: تونة، تسافري لبنان؟

ولم أفكر لحظة، بل قلت له على الفور: موافقة.

فقال المخرج الصديق: إذن استعدي للسفر قريبا، فقد دعانا موزع الفيلم لحضور حفلات العرض في لبنان.

ووضعت سماعة التليفون وأنا أكاد أطير من الفرحة ولم تكن هذه أول زيارة لي للبلد الجميل فقد زرته كثيرا من قبل وكانت لبنان دائما حبيبة جدا إلى قلبي وتربطني صداقات هناك عميقة وقديمة والشعب اللبناني شعب محب للحياة ومحب للجمال ومحب للبهجة وينقل إليك هذا الإحساس دائما، ولكنني كنت في حاجة إلى الهروب من نفسي ومن متاعبي جاء السفر في الوقت المناسب كي لا يفلت زمام أعصابي، وطلبت بدوري عز في فندق متروبول بالإسكندرية ورد على موظف الاستعلامات بأدب فقال لي إنه قد خرج للتصوير ورجوته أن يبلغه رسالتي بمجرد عودته وكنت في ذلك الوقت قد انتقلت من شارع المقريزي الموازي لشريط المترو بمصر الجديدة حيث أقمت في بداية زواجي إلى شقة أنيقة استأجرناها في عمارة برج الزمالك بحي الزمالك الراقي.

وقفت في شرفة الشقة الجديدة أتسلى بمراقبة رواد نادي الضباط المواجه لنا وقد جلسوا في الشمس يلعبون أو يتحدثون وأخرجني من تأملاتي البعيدة فقد كنت أرى نفسي بعين الخيال واحدة من الزوجات اللواتي أراهن أمامي لو أن حبي الأول انتهى بالزواج أخرجني من الهدوء النسبي الرنين المتصل لجرس التليفون وهو رنين تتميز به المكالمات الخارجية دون سواها، كان المتكلم هو زوجي عز فقلت له: ضياء الدين عرض علي السفر إلى لبنان.

فقال لي على الفور: أنا ما عنديش مانع.

وضايقني بشدة رده السريع، تماما كما ضايقني من قبل الليلة التي عشتها إلى جوار التليفون أيام خلافنا الأول، لقد تمنيت أن يقول لي عز: هل تسافرين وحدك، انتظري حتى نسافر معا، أو يقول حتى لنؤجل البت في الموضوع حتى أعود.

ولكنه لم يقل شيئا من هذا وافق على الفور وشعرت بفرحتي بالسفر تشوبها مرارة جديدة، وسافرت دون أن أودع عز فقد كان في الإسكندرية لأن اللقطات التي صورت من قبل تلفت في العمل، وهذا أمر وارد في العمل السينمائي، واضطر إلى إعادة تصويرها ومن هنا اكتفى بإرسال برقية يتمنى لي فيها إقامة طيبة وعودة سريعة. في مطار القاهرة التقيت بأحمد ضياء الدين والتقيت أيضا بصديق عزيز وكنت أرتاح إليه كثيرا وهو المونتير المعروف ألبير نجيب الذي تحول إلى الإخراج فيما بعد، ثم هبطت الطائرة في مطار بيروت، والتقيت على أرض لبنان بوجوه كثيرة وبأصدقاء كثيرين ومعجبين أكثر وتلاشت متاعبي وأفكاري كما تتلاشى الغيوم عند أول شعاع شمس، ولكن الحال عادت أسوأ مما كانت عليه بعد لحظات، فقد اقترب مني صحافي أعرفه، ولكني لن أذكر اسمه وهمس في أذني قبل أن أركب سيارة الموزع بكلمات قليلة وشعرت بالأرض كلها تنهار تحت قدمي حيث كانت الكلمات التي همس بها الصحافي في أذني أشبه بفحيح الأفاعي التي تمهد اللسعة القاتلة، سألني ولست أدري الدافع للسؤال: هل حقيقي أن عز الدين يحب سواك؟ وكان سؤال الصحافي غريبا بقدر ما كان جريئا وقد ارتجفت له لأنني في أعماقي كنت أشعر بتحول طارئ في عواطفه نحوي، وعز الدين كان خياليا متطرفا في الخيال فكان يعيش الفيلم الذي يستعد لإخراجه بكل لقطاته بكل جملة في حواره ومن هنا كان يندمج في الأحداث إلى درجة التوهم بحب البطلة وهناك فارق كبير بين التوهم وبين الشعور الفعلي بالحب، المهم أننا وصلنا إلى الفندق الذي اختاره لنا الموزع وكان فندق بياريتنز الذي يطل على بحر بيروت بكل زرقته وبكل جماله ووضعت حقائبي في خجل وارتميت على السرير بملابسي أبكي بحرقة ولم يكن بكائي بسبب عز الدين بقدر ما كان بسبب كرامتي التي شعرت أنها مست أو ربما طعنت، وانتظرت أكثر من ساعة في الحجرة حتى سمعت نقرات على الباب وفتحته لأشاهد أحمد ضياء الدين أمامي وقد دهش لمنظري ودهش لثيابي التي تكسرت من رقدة الفراش ودهش للدموع التي حفرت خدي حفرا، وانزعج المخرج الطيب قائلا: إيه الحكاية يا تونة؟

فقلت له وأنا أغالب دموي مرة جديدة: عز يا ضياء.

فعاد يسأل مستفسرا: ماذا به؟

وأجبت بمرارة: بيقولوا بيحب واحدة تانية.

فسكت قليلا وتجهم وجهه ثم حاول أن يتدارك الموقف فقال لي: مين اللي قالك؟

وبدلا من أن أجيبه على سؤاله اندفعت أقول بلهفة: مش مهم مين اللي قالي المهم أنت عارف حاجة؟

فقال لي وهو يحاول الإفلات من الشرك التي نصبتها له: لا، لا أبدا، أبدا.

وشعرت أن ضياء يكذب.

تسلل ضياء خارجا من الحجرة وهو يقول لي: إحنا مستنينك تحت فيه عزومة علشان ما تنسيش.

فقلت له وأنا أحاول اصطناع هدوئي: أما أشوف.

وأدرت قرص التليفون أطلب الدليل، وأسأل عن رقم الجريدة التي يعمل بها الصحافي الذي عكر لي صفو الأيام الحلوة في بيروت وسمعت صوته وجاءت نبراته إلى أذني أشبه باحتكاك معدنين صدئين أحدهما بالآخر.

قلت له: أنا فاتن حمامة.

وغاب صوته عن السماعة كأنه لم يتوقع الأمر ثم قال لي وبذات الزهو يملأ صوته الكريه: الحمد لله على السلامة، أهلا أهلا.

وجاهدت طويلا في سبيل الاحتفاظ بهدوء أعصابي وقلت له: أنا آسفة، ولكني لم أستمع جيدا إلى ما قلته لي في المطار.

وسكت الرجل قليلا ثم قال: لقد سألتك عن قصة حب عز الدين الجديدة.

وانفلت بشدة وقلت له بحدة: وهل هذا سؤال يوجه إلى زوجة؟

فقال بصوته اللعين: يا مدام دي حكاية معروفة في القاهرة.

ودون أن أدري أعدت السماعة مكانها وأغلقت السكة في وجهه، وجلست على مقعد قريب من التليفون تعبة مرهقة كأنني مشيت السكة كلها من القاهرة إلى بيروت وحاولت أن أعود بذاكرتي إلى أحداث قديمة مرت دون أن أوليها اهتماما كبيرا تماما كما يفعل المخبر السري عندما ينقب عن مخلفات الماضي ليقبض على مرتكب جريمة جديدة، وعادت الأحداث واضحة جلية كما تعود الصور القديمة في الأفلام، صور الماضي المعروفة باسم «الفلاش باك» وتذكرت شيئا مهما، تذكرت أنني عثرت ذات ليلة في جيب من جيوب سترة عز، وكان من عادتي أن أنقل محتويات الجيوب من بدلة إلى أخرى، على صورة ممزقة وقد تفحصت بقايا الصورة فلم أجد فيها غير جزء من وجه عز وبقايا صورة امرأة لم يبق منها إلا جديلات من شعر أصفر رخيص، وقد سألت عز عن الصورة في اليوم التالي فقال لي إنها لقطة من ألبوم الفيلم لم يرض عنها فمزقها، وحاولت أن أعرف الحقيقة من «الجاسوس» فلم أظفر بطائل، وإن كان قد أخطأ وذكر أن عز سهر قبلها بيومين في الأريزونا وهو ملهى بشارع الهرم يديره المطرب المعتزل محمد أمين، وتذكرت أيضا مكالمة تليفونية أثناء غيابه في الإسكندرية فقد رن التليفون في بيتي فلما رفعت السماعة سألني المتكلم قائلا: الأستاذ عز موجود؟

وأجبت بالنفي، فعاد يسأل: حيرجع امتى؟

وهنا قلت له: مين حضرتك؟.

وسمعته يهمس إلى امرأة تقف بجواره: تسألني إنت مين يا ست سامية.

وقبل أن يرد أغلقت السكة فجأة، وهنا شعرت أنني حللت اللغز المستعصي، وقلت لا بد أنها سامية جمال، ولكني اتهمت إنسانة بريئة في الواقع فسامية جمال صديقة عزيزة وهي إنسانة تقيم وزنا كبيرا للصداقة وللمبادئ.

بدلت ملابسي بسرعة وأزلت من عيني بقايا الدموع بالريميل ونزلت سلم الفندق وأنا أرسم على شفتي ابتسامة عريضة ولكنها ابتسامة مزيفة وبرقت في وجهي عشرات من مصابيح «الفلاش» والتقطت لي صور كثيرة وأنا أسير إلى المائدة الرئيسية في المأدبة التي أقيمت على شرفي كما يقال في لبنان الحبيب.

وطلب لي الصديق العزيز فنجان قهوة بلا سكر حتى ينقذ رأسي من الدوار الذي بدأ يستبد به وانتهى الحفل وبدأنا نصعد إلى حجراتنا وسار ألبير إلى جواري فقلت له: قولي يا ألبير فيه واحدة في فيلم عز اسمها سامية؟

وفكر ألبير قليلا وراح يستعرض لقطات الفيلم التي مرت أمامه على الموتيدلا ثم قال: لا مفيش!

وقبل أن نصل إلى الدرج المؤدي للطابق الثاني توقف ألبير قليلا وقال كمن تذكر شيئا: يكونش قصدك سامية كمال.

وقلت له دون أن أدري: لازم هي، لازم هي.

ولم يفهم الصديق شيئا مما أقوله وراح ينظر إلى بإشفاق، وصعدت درجات فندق بياريتز والاسم يطن في أذني كانت صوت عجلات القطار في رحلة طويلة مملة «سامية كمال.. سامية كمال.. سامية كمال» وكدت أسقط إعياء وتحاملت على نفسي حتى وصلت حجرتي وهنا انهارت مقاومتي فارتميت فوق السرير بثوب السهرة، واستيقظت قبيل الفجر على أشعة الشمس الأولى التي تسللت إلى مخدعي عبر النافذة المفتوحة وحاولت أن أنهض من رقدتي فلم أستطع في البداية كان كل جزء من جسدي يؤلمني وكأن هناك عشرات من المسامير قد دقت فيه واكتشفت السبب عندما شاهدت زجاج النافذة المطلة على البحر مفتوحا، وتحاملت على نفسي مرة جديدة فخلعت ثوبي وارتديت روبا وتسللت إلى الفراش بعد أن أغلقت النافذة وحاولت أن أفكر بهدوء.

وفجأة أخرجتني طرقات خفيفة على بابي من دوامة التفكير وقلت وأنا ألملم الغطاء على جسمي اتفضل، ودخل الجارسون فحياني بأدب ثم قال لي «سيدتي لقد كنت متعبة بالأمس ولذا فقد طلب المدير أن نحمل إليك إفطارك في غرفتك»، وبدأت أتصفح الجرائد والمجلات التي جاءت مع الطعام وفجأة تسمرت عيناي على خبر يحتل صفحة كاملة من إحدى المجلات «نفس المجلة التي يعمل بها الصحافي الذي لا أريد ذكر اسمه بين سطور تلك المذكرات»، وكان الخبر خاليا من الأسماء ولكنه كان صريحا بما فيه الكفاية وواضحا وضوح النهار نفسه.

وجاء في السطور ما يشكل هذا المعني «واتصلت بنا النجمة الكبيرة.. الكبيرة جدا، وبدلا من أن نسألها تفاصيل المغامرة العاطفية التي يعيش فيها زوجها البوهيمي، بدأت هي تسألنا عن التفاصيل»، وراح الصحافي يروي الكثير من التفاصيل التي بدت لي أنها من نسج خيال سقيم مريض وحاقد يشقيه أن يرى الناس سعداء، ولكن وسط الأكاذيب كانت هناك ثغرة الحقيقة ثابتة فقد كتب الصحافي أن عز الدين تخلف عن وداعي لارتباطه بموعد غرامي، كان الشيء الثابت هو تخلف عز أما الأسباب فكانت تحتمل التأويل ونحيت صينية الإفطار جانبا وشعرت بالغيرة تهلك نفسي وتمضغها مضغا وكأنها قطعة «علكة» بين فكين لا يرحمان وعدت إلى السؤال الذي طالما أرهقني «هل عز الدين هو رجل حياتي؟ هل هو رفيق مشوار العمر الطويل؟»، ولم أشأ أن أضعف أو أتخاذل، فقررت أن أكون حازمة في موقفي بشرط أن أدرس الموقف كله وأن أحيط بتفاصيله ولما كانت المسألة من الصعب أن تتم في لبنان فقد قررت أن أرجئ البت فيها إلى حين عودتي ورأيت أيضا أن أكبت في نفسي كل قلق وكل تعب حتى لا أظهر أمام المعجبين بصورة تختلف عن تلك التي اعتادوا مشاهدتها، وبالفعل اتصلت بأحمد ضياء الدين تليفونيا في حجرته وقلت له: بابا أحمد أنا عاوز منك طلب، (وأسعده أن أناديه بلقب بابا).

فقال لي بفرحة: أنا تحت أمرك يا بنتي.

فقلت: أريد أن أسهر الليلة.

وأجاب على الفور: بس كده، أنا تحت أمرك،

بعد ذلك وذات صباح تلقيت برقية من عز الدين كان نصها «وحشتيني جدا، تلحمي اتصل بي من أجل فيلم جديد، عودي بسرعة.. قبلاتي»، وطويت البرقية ووضعتها في حقيبة يدي، وطويت معها بعضا من مخاوفي السابقة، واتصلت بالزملاء أخبرهم باضطراري إلى العودة.

* إحساس بالذنب

عندما سألتني نادية هل أنا سعيدة تذكرت على الفور المتاعب التي لقيها الضابط كمال بسبب حبه لي، وقلت لنفسي «إن التي تطأ في طريقها قلوب الآخرين لا يمكن أن تكون سعيدة»، وبسبب إحساسي بالذنب عشت معذبة فترة طويلة على الرغم من أن الذنب لم يكن ذنبي وحدي وإنما كان لي فيه شركاء، وأنا أشعر بالراحة، راحة الخاطئ عندما يجلس إلى كرسي الاعتراف.

* جرح الخيانة

عز فنان والفنان عرضة لأن ينحرف فترة مع تيار عاطفي معين ولكن هذا لا يعني بأية حال أنه نسيني أو يفكر في نسياني مع امرأة أخرى أيا كانت هذه المرأة وسواء أكانت بطلة أم راقصة مغمورة، وشعرت بشيء من السكينة مع هذا التفكير المنطقي ولكن الجرح عاد يؤلمني، الجرح الذي يصيب المرأة عندما تشك وعندما تتعذب فالخيانة لا توقظ في النفس أكثر من الأنانية نحن نتساءل في أعماقنا ودون أن نشعر: لماذا ينصرف عنا الناس إلى أناس آخرين، ما هي المزايا التي يجدونها في الآخرين ولا يجدونها فينا؟

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 أحزان الخيانة.. والضحك مع يوسف شاهين


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الأحد - 13 شعبان 1436 هـ - 31 مايو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (7) : أحزان الخيانة.. والضحك مع يوسف شاهين

المكالمة التليفونية التي غيرت حياتي


دائما وستظل فاتن حمامة هي الرحيق الدافئ الذي يريح صدورنا عندما نتنشقه، والصورة الهادئة التي نريح أبصارنا بمشاهدتها، والجملة المفيدة التي تظل راسخة في عقولنا ووجداننا نعيش بها ونستعيدها في أوقات المحن والأزمات، نقلت لنا عبر رحلتها السينمائية التاريخ والجغرافيا المصرية والعربية بكل ما كانت تحمله وتعايشه. تذكر، في مذكرات تنشرها الشرق الأوسط بالتعاون مع وكالة «الأهرام» للصحافة، زواجها من المخرج عز الدين ذو الفقار الذي أحبته كتلميذة تحب أستاذها، وجاءت ابنتها نادية لتملأ حياتها بمشاعر جديدة. ومع نجاحاتها في السينما قررت أن تنتج أول أفلامها «موعد مع السعادة»، لكن زوجها يصدمها بقراره ضم ابنتهما نادية لفريق الفيلم، لكن فاتن حمامة لم ترض عن هذا القرار وتركت بيت الزوجية برفقة ابنتها، لتغيب عن بيتها ويبدأ الندم في التسلل لأفكارها. تسرد أيضا سفرها لبيروت مع المخرج أحمد ضياء الدين وسؤال أحد الصحافيين هناك حول علاقة زوجها الغرامية مع إحدى الممثلات. وتستكمل السرد والذكريات..

كانت رحلتي إلى لبنان عصيبة لكل ما واجهته فيها من ألم نفسي كما ذكرت سابقا، لكني عدت إلى القاهرة، إلى الوطن الغالي، ولمحت وأنا في ردهات المطار المغطاة بالزجاج عز الدين وسط المستقبلين، وكانت معه شقيقتي ليلى، ونادية ابنتي العزيزة، وشقيقي الأصغر مظهر، وبعض الأقارب ومندوبي الجرائد والمجلات، ولوحت لهم من بعيد، ورد عز على تحيتي مرات عديدة.

ولم تطل وقفتي في المطار، فقد أسرع أحد الموظفين يرحب بي ويسهل لي مهمتي، وفي قاعة الاستقبال احتضنت نادية ورحت أقبلها بجنون وبحنان الأم (بلهفة الغياب الطويل) بعصبية من أضناها السفر بالطائرة، واحتواني عز بين ذراعيه وقبلني على جبيني وعيناه تشعان ببريق من استرد شيئا غاليا ضاع منه فترة، وطوال الطريق لم أتكلم تقريبا كنت أضم نادية الجالسة إلى جواري بشدة وأنظر إلى شوارع مصر الجديدة ثم القاهرة بشوق بالغ. ووصلنا إلى الزمالك ودخلت شقتي لأفاجأ بوجود والدتي، ونسيت نفسي وارتميت بين ذراعيها كأي طفلة صغيرة، وربتت أمي على شعري وقالت لي «انبسطت في رحلتك يا تونة؟»، وأجبتها بهدوء «جدا يا ماما». وسهرت الأسرة كلها معنا حتى الفجر تقريبا وأوينا إلى الفراش في ساعة متأخرة، واستيقظت نحو الساعة الحادية عشرة صباحا لأجد عز قد توجه إلى الاستوديو، ورن جرس الباب وفتحت ويا ليتني ما فتحت، فكان الطارق هو البواب النوبي الطيب الذي رحب بي قائلا: «الحمد لله على السلامة يا ست فاتن، مصر نورت».

فقلت له وأنا أبتسم: الله يسلمك متشكرة قوي.

ومد الرجل يده وناولني عدة أوراق مالية صغيرة، فسألته بدهشة: إيه ده يا عم إدريس؟

فقال الرجل ببساطة: «دول يا ستي باقي حساب بتاع الست اللي كانت نازلة عندكم».

وسألته بدهشة: نازلة عندنا فين؟

فقال ببساطة أهل النوبة الطيبين: «الست الضيفة ما كانش معاها فكة تركت لي جنيها وبعدين مشيت من غير ما تاخد الباقي».

وشعرت بالأرض تنهار تحت قدمي وجاهدت كثيرا في سبيل تمالك أعصابي، وقلت للرجل وأنا أغلق الباب: حاضر لما تيجي هابقى أديهم لها.

وقبل أن يختفي الرجل داخل المصعد سألته: هي الست دي شكلها إيه؟

فنظر إليّ بدهشة ثم قال: «سمينة شوية، وشعرها أصفر طويل». ووجدت الأوصاف تنطبق على «سامية كمال»، وعندما عاد عز الدين في المساء كنت قد اتخذت قرارا بيني وبين نفسي، فكنت قد اعتزمت أن أتكلم بما عرفته حتى أهتدي إلى الحقيقة كلها، وجلست إلى مائدة العشاء أمثل وأتظاهر بأنه لم يحدث ما يعكر صفوي على الإطلاق، وقلت لعز مداعبة أو متظاهرة بذلك على الأصح: يعني ما قلتليش جبتي لي إيه من لبنان؟

فنظر إليّ نظرة مليئة بالطيبة كادت تقلب خطتي رأسا على عقب، وقال: «مش مهم جبتي إيه، المهم انك رجعتي بالسلامة».

وسألته مدفوعة بتلك القوة التي تتحرك داخل المرأة والتي ترمي دائما إلى إرضاء غرورها: يعني وحشتك؟

فنظر إليّ ثانية نفس النظرة الطيبة وقال: جدا.. هوه أنا ليّ غيرك يا تونة؟

وشعرت بقطع الخبز الصغيرة في فمي تتحول إلى كتل من المرارة. لقد آلمني أن يكذب عز الدين عليّ، وأصابني في الصميم أن يحاول تضميد جراحي بضمادات الأكاذيب. لقد فهمت من حوار البواب الساذج أن هناك امرأة كانت تزوره في البيت «بيتي ومملكتي الصغيرة»، دنياي التي أملكها وحدي، فكيف تجسر امرأة أخرى على أن تدنسها؟ وتحولت حركة المضغ إلى عملية أوتوماتيكية، فلم أعد أشعر بما آكله، وقبل أن ينهض عز مد يده إلى تفاحة ناضجة من تفاح لبنان الذي حملته معي إلى القاهرة وقال لي وهو ينزل قشرتها بالسكين الحامية: «يظهر أن التفاح في لبنان معدي؟».

وسألته: ليه؟

فقال وهو يبتسم: «لأن لونه الجميل انتقل لخدودك».

ولم أحتمل عبارة المجاملة هذه فقد كانت ناعمة، لكن نعومتها كان فيها شيء من ملمس الثعابين، فقمت عن المائدة وأنا أصرخ: كفاية بقى.

وفي الصباح فتحت باب الحجرة لأجد عز قد غادر المنزل مبكرا، وبين الأغطية المبعثرة التي كان ينام تحتها وجدت رسالة صغيرة قال فيها: «فاتن.. لقد لاحظت في عينيك منذ اللحظة التي استقبلتك فيها على أرض المطار شيئا من الاتهام.. نظراتك كانت في أحيان كثيرة تنغرس في جلدي كأنها الإبر.. وقد حاولت أن أبدأ بالدفاع.. لكنني فوجئت بهجوم.. هجوم شديد.. نحن بشر.. والبشر عرضة دائما للأخطاء وللخطايا.. لكن القلوب الكبيرة لا تضن الغفران». لقد كانت الكلمات شاعرية وهادئة ومن النوع الذي يضيفه إلى حوار أفلامه فيكسبه حنوًا يرضي المتفرجين، لكن هذه الكلمات الشاعرية لم تكن كافية لتبديد غيوم الحزن المخيمة على حياتي، وفي الاستوديو حاولت أن أعرف من هي سامية كمال، وقيل لي يومها إنها راقصة مغمورة استغلت بعض الشبه بينها وبين الصديقة العزيزة سامية جمال لتحاول التشبه بها في أشياء أخرى كثيرة، حتى اسمها حاولت أن تسطو عليه بعد أن غيرت فيه حرفا واحدا، وكانت سامية كمال هذه تعمل مع شقيقة لها لا أذكر اسمها في بعض ملاهي شارع الهرم «ملاهي الدرجة الثانية أو الثالثة»، وفي أحد هذه الملاهي التقى بها عز وكان معه مساعده رزق، وقام رزق بمهمة التعارف بين الاثنين، وقال لأستاذه بمهارة القط المدرب على اصطياد الفريسة: «مش سامية تنفع في ديكور الكباريه بكرة؟».

ونظر إليها عز (وما أرويه مصدره رزق نفسه كما روى لأحد الأصدقاء)، وقال لها «والله فكرتني.. ابقي فوتي عليّ بكرة». وكانت عبارة عز مفتاحا إلى المجد، فكانت فرصة أكبر من أن تفلتها فتاة ناشئة بينها وبين الفن مسيرة آلاف الأميال، وقد أرادت المرأة أن تنتهز الفرصة فتمسكت بالموعد، وفي اليوم التالي كان عز في الاستوديو يستعد للعمل حين همس عامل البوفيه في أذنه: «فيه واحدة عاوزاك يا أستاذ»، وسأله عز: «ما قالتش على اسمها؟»، فقال العامل الصغير «سامية كمال»، وراح عز يردد الاسم دون أن يبدو عليه أنه يذكر صاحبته، وفجأة جاء رزق يبتسم في زهو يقول: «الجو بره يا أستاذ»، وفهم عز وسكت، وعملت سامية في الفيلم كومبارس لا يتعدى دورها الدقائق الخمس، ترقص خلالها رقصة خليعة وسط السكارى، وعندما انتهت من العمل سألت عز بدلال مفتعل: «عجبتك يا أستاذ؟».

فقال بلا حماس: «مش بطالة».

فقالت باندفاع: «فيه أدوار تانية أعجبك فيها قوي»، وأضافت بلهجة المبتذلات: «قوي قوي يا أستاذ».

وسافرت سامية بغتة مع بعثة العاملين في الفيلم إلى الإسكندرية على الرغم من أن دورها انتهى في القاهرة، لكنها كانت ترسم دورا آخر يؤديه المخرج نفسه في هذه المرة، وفوجئ عز بالتليفون يرن في حجرته بفندق «متروبول» ورفع السماعة ليسمع ضحكة خليعة عالية قالت له بعدها المتكلمة: «أنا صحيتك واللا إيه؟».

فقال عز بهدوء: «لا أبدا، مين اللي بيتكلم؟!».

ورنت ضحكة عالية أخرى ثم قالت المتحدثة: «أنا سامية كمال».

وأضاف عز بلا حماس: أهلا، أيه اللي جابك؟».

فردت: «أنا أصلا من هنا، والإسكندرية بلدي».

وقاطعها عز قائلا: «فيه خدمة أقدر أقدمها؟».

فضحكت ضحكتها العالية، وقالت: «طبعا، خدمة كبيرة قوي».

فسألها عن تفاصيل الموضوع فقالت له: «بعدين، بعدين هاقولك على كل حاجة».

ومر يوم واحد أمضاه عز في العمل المضني، فهو والحق يقال كان يعطي فنه كل اهتمامه، ويكاد يفني نفسه في سبيل إتقان ما يؤديه. وفي اليوم التالي عاد التليفون يرن ويرفع عز السماعة ليتفاجأ مرة جديدة بصوت الراقصة نصف المعروفة وهو يقول له: «إمتى هتفضي لنا شوية يا أستاذ؟».

فأجاب عز بطريقة عفوية: «والله أنا النهارده فاضي لأن فيه ممثل اتأخر في القاهرة وأجلنا الشغل».

فقالت سامية: «عال يبقي أشوفك النهارده».

فأضاف عز وهو يتسلم للحصار: «ما عنديش مانع».

والتقى عز بالمرأة التي عكرت صفو حياتي، ولم يكن لها وحدها وزن يذكر، أما وقد حاولت أن تقاسمني رجلي فقد جعلت منها الأقدار شيئا يذكر ولو في هذه السطور، وكان اللقاء في شاطئ ناء بعيد في الضاحية المعروفة باسم «أبو قير»، وفي مطعم «إلياس»، وهو مطعم اشتهر بطهي السمك الطازج وبتقديم البيرة المثلجة. وجلس عز ومعه سامية ورزق مساعده الأمين، وبدأت الراقصة نصف المعروفة تقول لعز الدين كيف أنها عملت طوال فترة الحرب في ملهى من الملاهي التي يقصدها الإنجليز، وكيف أنها جمعت من وراء هذا العمل ثروة لا بأس بها. ثم أنهت روايتها بطريقة لبقة سألته بعدها عن أنسب الطرق لاستثمار الثروة، فقال لها عز بهدوء: «افتحي لك دكان».

فذهلت سامية، فلم يكن هذا هو الرد الذي تنتظره أو ترمي إليه، وكانت أكثر صراحة عندما سألته: «طيب إيه رأيك لو نعمل فيلم؟».

ففوجئت بعز الدين يضحك عاليا، ضحكة كادت تلفت أنظار رواد المطعم الصغير جميعا، ثم قال لها: «فيلم؟.. فيلم إيه؟.. هي الحكاية كده سلق بيض؟».

وقالت له بغيظ: «ليه؟ يعني ما نفعش أمثل، ما هو فيه راقصات كتير مثلوا وأنتجوا من أول حكمت فهمي لحد رجاء يوسف؟».

فقال عز وعيناه تضيعان دليل الملل: «والله إذا كنت انت مستغنية عن فلوسك فأنا مش مستغني عن اسمي».

وصدمت سامية. انهارت الأحلام التي زينتها بخيالها شهورا طويلة، فقالت له: «خلاص أخلي حد تاني يعمله».

فرد عز على الفور: برافو عليكي.. أهو ده الحل المعقول».

ودفع عز الحساب ثم غادروا المكان معا في سيارته، وأوصل عز في طريقه منتجة الأحلام وليس الأفلام، ثم عاد إلى فندقه وهو يقول لرزق: «المجنونة فاكرة انها هتضحك عليّ بحكاية الفيلم».

وإذا كانت حيلة الفيلم قد فشلت فقد كان هناك فخ آخر قد أطبق على قدمي عز الطيب، حيث اتصلت به سامية مرة جديدة، وقالت له: «بكرة الأحد، وانت عندك أجازة.. إيه رأيك نتغدى سوا؟».

وقال لها محاولا إسدال الستار على علاقة ليس وراءها إلا المتاعب: «والله أنا بكرة عاوز أرتاح، ويمكن أنزل مصر».

فقالت له على الفور: «معلش نتغدى وبعدين انزل، أنا أختي جات من مصر وجايبة معاها بط يجنن».

فضحك عز وهو يستمع إلى وسيلة الإغراء البدائية ثم قال لها: «طيب يا ستي». ولبى عز الدعوة فذهب وحيدا إلى «الكابينة» الصغيرة التي وصفتها له في شارع متعرج من شوارع سيدي بشر، ووجد سامية وحيدة أيضا، فقد اعتذرت عن غياب شقيقتها بأن بعض أقاربها وصلوا في الصباح وطلبوا منها أن تزورهم لأمر عائلي مهم، ووجد عز نفسه وحيدا مع امرأة لها أهداف، وأكلا كثيرا وشربا كثيرا، وكان طبيعيا أن تقع الفريسة في الفخ الذي نصب تحت قدميها بمهارة يشوبها شيء من البدائية، ووجد عز في سامية (كما عرفت بعدها) لونا رخيصا من ألوان العلاقات العاطفية، وقد مال إلى هذا اللون وإن لم يحبه، وكان يقول لأصدقائه الذين يعاتبونه: «الواحد ما يقدرش ياكل بقلاوة على طول.. لازم برضه يأكل طرشي بلدي من وقت لآخر».

وكانت الراقصة نصف المعروفة هي قطعة المخلل التي هفت إليها نفس عز، وكانت قطعة المخلل هي السبب الذي من أجله قررت أن أنفصل عن عز، فكانت أمنية الطلاق قد اختمرت في ذهني، وكنت قد صممت بيني وبين نفسي أن أضع حدا لتلك العلاقة الزوجية التي أصبحت تنغص عليّ حياتي أكثر مما تسعدني، وكانت سامية كمال السبب المباشر لكن الأسباب الأخرى كانت عديدة. مرت الأيام وذات صباح اتصل بي يوسف شاهين، وكان قد عاد من أميركا بعد أن درس الإخراج هناك، وقدم للشاشة أول أفلامه فيلم «بابا أمين» الذي سبق زمنه بأعوام طويلة، وقال لي يوسف: «أنا عندي لك فيلم جديد».

فقلت له مداعبة: بس إوعى الفيلم يطلع مقلب زي «بابا أمين».

فغاب صوت المخرج الشاب ثواني ثم قال بأسى: «بذمتك كان فيلم وحش؟».

فقلت له (وكنت صادقة كل الصدق): أبدا يا يوسف الفيلم كان كويس جدا، وأنا شخصيا قمت بدوري وأنا سعيدة، لكن تعمل إيه للجمهور؟

فأجاب: «عندك حق، المرة دي الفيلم مختلف تماما».

فسألته: إزاي؟

وراح يوسف يروي لي ملخص القصة، فقال لي إنها قصة فتاة تعيش في الصعيد برفقة قريب لها، وفجأة يطمع القريب في مالها ويبدأ أكثر من محاولة للحصول على هذا المال وبمحاولات مشروعة وغير مشروعة، وفي النهاية قتلها ويكاد ينجح في خطته لولا شاب جريء يتدخل لإنقاذها، وينجح فعلا، وتحب البطلة منقذها وتتزوجه. ووجدت في القصة لونا من الإغراء الفني، فالواقع أنني كنت وما زلت أرتاح جدا للعمل مع يوسف شاهين على الرغم من الشائعات التي حامت حول ارتياحي لهذا، فقد قيل إن يوسف أحبني في فترة من الفترات وأنني بادلته هذا الحب، وأنا أقول إن نظراتي إلى يوسف لم تتعد في يوم من الأيام نظرتي إلى فنان مجتهد أعجب بأسلوبه في معالجة الأفلام وبشخصيته في الحياة، هذا هو كل ما في الأمر، أما ما قيل في فترة من الفترات عن حبه لي وعن محاولته الانتحار ذات مرة من أجلي فهو أمر لا أساس له من الصحة، أو لنقل إنه لا علم لي به.

وبالفعل أرسل لي «جو» ملخص القصة لأقرأه، واتصلت به تليفونيا أبدي بعض الملاحظات، فكان من الطبيعي أن أسأله: مين أبطال الفيلم؟

فقال لي: «محمود المليجي وفريد شوقي».

وعدت اسأله: «طيب والبطل؟».

فتردد قليلا ثم قال: «لا دي مفاجأة».

فقلت ليوسف شاهين بشيء من العصبية والفضول: أنا لا أحب المفاجآت في العمل.

فرد عليّ قائلا: «إنه صديق لي، جمعتنا معا الدراسة في فيكتوريا في الإسكندرية، وقد افترقنا لسنوات طوال ثم التقينا فجأة منذ أسابيع، فعرضت عليه فكرة التمثيل فلم يعترض».

وقاطعته قائلا: أنا لا يهمني أن أستمع إلى تاريخ حياته، أنا أريد أن أعرف من هو.

فقال يوسف بهدوء يشبه البرود: «سوف ترينه طبعا لكنني أحب أن أعطيك عنه فكرة قبل أن تقابليه. هو شاب مهذب، ورياضي، ووسيم، كان نجما لامعا في فرقة الكلية المسرحية».

وكاد صبري ينفد فقلت له: اسمع أنا أريد أن أعرف اسمه على الأقل.

ونطق يوسف بالاسم أخيرا فقال: «اسمه ميشال شلهوب».

وضحكت عاليا، بل استبدت بي نوبة من الضحك، فسمعت صوت المخرج الناجح يصرخ قائلا: «بتضحكي ليه؟».

فقلت له وأنا أغالب الضحك بصعوبة: «هوّه ده اسم ده؟».

فثار يوسف ثورته المحببة التي تجعل الكلمات صعبة النطق على شفتيه، ثم قال: «ما أنا غيرته وسميته عمر الشريف».

وانتهت المحادثة التليفونية وراح الاسم الموسيقي نوعا ما يطن في أذني كأنه أغنية سمعتها للمرة الأولى وأحببتها كثيرا. ودفعني الفضول إلى محاولات للكشف عن حقيقة بطل فيلمي (الذي قدر له بعد ذلك أن يصبح رجلاً مهمًا في حياتي)، فانتهزت فرصة الاستعداد للتصوير فقلت للصديق العزيز الحاج وحيد فريد: حاج، أنا عاوزة آخد رأيك في الماكياج. فنظر إلى مدير التصوير نظرة لها مغزى، فقد أحس بأنني أريد أن أفاتحه في أمر مشكلة من مشكلاتي العديدة مع عز الدين، فقال لي: «حاضر يا ستي، هاضبط النور وآجي حالا».

* دهش عز الدين لتصرفي لكنه شعر بذكائه أن هناك شيئا في الأفق فسكت.. أما أنا فقد دخلت حجرتي وأغلقت بابها بالمفتاح. ونام عز ليلته على أريكة في الصالون، ونبتت فكرة الطلاق المقيتة في تربة أفكاري المشوشة. رأيت أن حياتي إلى جوار عز لن تكون سعيدة، وكان عز فنانا كبيرا لكنه كان كما قلت من قبل كثير النزوات، ولم أكن في حالة تسمح لي باحتمال ما هو أكثر من تردد امرأة غريبة على بيتي. وأمضيت الليلة كلها مؤرقة.

* لم أكن أدري يومها أن مكالمة تليفونية عادية من مئات المكالمات التي تخللت حياتي الفنية يمكن أن تغير طريقي بل قدري، وحاولت أن أرسم الأوصاف التي ساقها لي يوسف معالم عن البطل الجديد المرشح للقيام بدور البطولة أمامي. قال إنه رياضي فرحت تارة أتخيله طويلا عريضا مثل «جوني ويسمولر» بطل أفلام «طرزان» في ذلك الوقت، ثم تتلاشى الصورة تطردها أفكاري لأرى عوضا عنها صورة إنسان أقل طولا لكنه أضخم من جهة العضلات. وظللت في هذه اللعبة الذهنية التي يغذيها الخيال والفراغ معا حتى توجهت إلى الاستوديو لأكمل العمل في فيلم كنت أصوره.

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 بداية التعارف مع النجم الجديد ميشال شلهوب


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الثلاثاء - 15 شعبان 1436 هـ - 02 يونيو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (8) : بداية التعارف مع النجم الجديد ميشال شلهوب

كنت أشعر أني مقبلة على حدث جديد.. نوع آخر من الحب


في حياة سيدة الشاشة العربية محطات لا تنساها مثل اللحظة التي فاجأها فيها البواب بورقة مالية قائلا إنها بقية النقود التي أعطته إياها «السيدة السمراء» التي قضت الليلة في منزل فاتن بينما كانت هي في بيروت. تأثرت حياتها مع عز الدين ذو الفقار بسبب تلك المرأة وكانت البداية لتفكيرها في طلب الطلاق، كانت أمنية الطلاق قد اختمرت في ذهني وكنت قد صممت بيني وبين نفسي أن أضع حدا لتلك العلاقة الزوجية التي أصبحت تنغص علي حياتي أكثر مما تسعدني، وكانت سامية كمال السبب المباشر ولكن الأسباب الأخرى كانت كثيرة. وكانت تلك الفترة أيضا مقدمات لمحطة قادمة في حياتها، بدأت باتصال من المخرج الشاب يوسف شاهين الذي أخبرها عن فيلم قادم يعد له وسيكون البطل فيه «مفاجأة».

تستكمل فاتن حمامة رحلة الذكريات.

مرت نحو عشرة أيام قبل أن يتصل بي يوسف شاهين ثانية وكنت في هذه الأثناء قد انتهيت من تمثيل دوري في الفيلم الذي كنت أعمل فيه مع يحيى شاهين واسمه «سلو قلبي». عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل لأجد ورقة من عز الدين إلى جوار فراشي وعليها عبارة مختصرة «اتصلي بيوسف شاهين فقد كلمك مرتين ولم يجدك»، كان عز الدين قد عاد إلى الأستوديو مبكرا مرهقا متعبا فطلب من الخادم أن يعد له حماما ساخنا ثم نام في حجرة ثانية حتى لا يستيقظ عند عودتي ومن هنا ترك لي الورقة الصغيرة. وخلعت ملابسي وأخذت حمامي ودخلت سريري ومددت يدي فتناولت مجلة «الاثنين» وكانت واحدة من أشهر المجلات في ذلك الوقت بل لعلها كانت أشهر مجلة في حينها ثم حاولت أن أقرأ مقالا كتبه الكاتب الساخر وليم باسيلي لعل النعاس يدب في جفوني وقرأت السطور الأولى من المقال، وكان كما أذكر حتى الآن يسوق النصائح بطريق فكاهية إلى الزوجات ويصف لهن كيفية الاحتفاظ بالأزواج. وكان من بين الجمل الغريبة التي تضمنها المقال عبارة تقول «إذا أردت أن تحتفظي بزوجك أطول مدة ممكنة فكري في غيره فقد تنسين عيوبه»، كان المقصود بالعبارة التسلية والمداعبة، ولكنني وجدت مرارتها للأسف تمتزج بالواقع الذي أعيش فيه، ووجدتني دون أن أدري أحاول التفكير في رجل آخر، وشرد خيالي ثم اصطدم بالواقع، فلم تكن عيناي تلتقط الصور إلا بالمقدار الذي يسمح به العمل وكنت أنسى بعدها كل شيء حتى الأسماء ثم استسلمت للنوم. واستيقظت في السابعة صباحا على دقات ناعمة على بابي، والدقات كنت أعرفها جيدا فهي جزء من دقات قلبي، وهي أنامل ابنتي نادية تطرق الباب برفق قبل أن تدخل، وفتحت نادية الباب، ووقفت للحظات تنظر إلي من بعيد ثم أسرعت ترتمي في أحضاني وقبلتني، وهي تقول: صباح الخير يا ماما.

وقلت لها وأنا سعيدة سعادة الدنيا: صباح الخير يا ست البنات.

ونظرت إلى نادية ثم قالت: أنت مريضة يا ماما؟

فقلت لها بدهشة: أبدا يا ستي أنا، ليه بتقولي كده.

فعادت تقول: أصلك فضلتي منورة النور طول الليل.

وضممتها إلى وأنا أهمس: لا، أبدا بس كان مش جيني نوم.

وتركتني نادية فقد سمعت صوت سيارة المدرسة ونظرت إلى جواري فوجدت الأباجورة ما زالت مضاءة لقد نسيتها هي الأخرى طوال الليل، وخرجت إلى القاعة الخارجية، ثم تقدمت إلى حجرة عز الدين فلم أجده، وعدت إلى حجرتي وحملت معي التليفون وأدرت رقم يوسف شاهين، وقالت لي زوجته إنه ما زال نائما فقلت لها: صحيه أنا عاوزاه ضروري. وجاء يوسف شاهين بعد قليل، وقال لي وهو ما زال يغالب آثار النوم: أهلا تونة إنتي فين، أنا قلبت عليكي الدنيا.

وقلت له: كنت في أستوديو نحاس، وجيت بالليل ما لقيتش حد منكم.

وأضاف يوسف: أصلنا كنا معزومين عند جان خوري وزوجته، على فكرة أنا عندي ميعاد النهار ده.

وسألته: مع مين؟

فرد بسرعة: مع عمر.

وعدت أسأل: عمر مين؟

فقال ببساطة: عمر الشريف.

وسكت برهة، ثم قلت له: أهلا وسهلا، حتيجوا الساعة كام؟

فقال: مش أحسن نتقابل بره؟؟

فرددت بعناد: لا.. اللي عاوزني يجيني في بيتي.

وقال يوسف: أمرك وإحنا يحصلنا الشرف حنيجي الساعة ستة.

وقلت وأنا أضع السماعة: أهلا وسهلا.

وفي الساعة الخامسة والنصف رن جرس الباب وفتحت الخادمة الباب ثم عادت ومعها باقة ضخمة من الورد الأحمر الجميلة، والتي تنم عن الذوق ملفوفة في ورق شفاف أنيق، وتفحصت البطاقة المرفقة فوجدت عليها اسم «عمر الشريف»، ودق قلبي، حقيقة دق قلبي لا أعرف لماذا، ولكن هذا ما حدث، وفي السادسة مساء رن جرس الباب ثانية وفتحت الباب في هذه المرة ووجدتني أمام يوسف شاهين ووجها لوجه مع عمر الشريف، وتسمرت في مكاني لحظات وبقي هو في مكانه دقائق ثم تقدم مني وبكل أدب انحنى على يدي وطبع قبلة مهذبة وارتجفت كما يرتجف العصفور تحت قطرات المطر التي تسقط فوق ريشه دفعة واحدة، ودخل النجم الجديد الشقة، لقد دخل عمر الشريف بخطوات هادئة كأنه يخضع أرضا جديدة، وقال لي وهو يتوقف في البهو الخارجي وينظر طويلا إلى لوحة لي تتصدر الحائط الرئيسي: الصورة دي رائعة.

فقلت له: شكرا.

وابتسم ابتسامة فيها بعض الخجل، ثم أضاف: أقدر أعرف مين اللي رسمها؟

وأجبته بهدوء: الصديق الفنان صلاح طاهر، لماذا؟

وزادت ابتسامته الجميلة اتساعا، ثم أضاف: حتى أحسده على مهارته أولا وكي أحسده على أنه وقف أمامك ساعات طويلة.

واحمر وجهي، فقد شعرت كأنني تلميذة صغيرة تستمع إلى أول عبارة إعجاب على الرغم من أن العبارة كانت عادية، ولكن الظروف هي التي تصنع من الأشياء العادية أشياء لها قيمتها، واتجهنا إلى الصالون وجلسنا وظل الصمت يخيم قليلا على الحاضرين وأنا من بينهم قبل أن يتكلم يوسف شاهين وانتهزتها فرصة ورحت أتأمله وأعجبتني عيناه كانتا وما زالتا طبعا واسعتين عميقتين تقولان شيئا وتخفيان أشياء، لكن كان فيهما حزن، وكان فيهما عمق وغموض، واستقرت عيناي بعدها على وجهه ولم يعجبني أنفه كان كبيرا أكثر من اللازم كأنه مستعار من وجه آخر واستقرت نظراتي مرة جديدة على الخال الأسود البارز الذي كان يتوسط وجهه كان غريبا ولكنه كان مميزا، ورفع عمر رأسه فسحبت نظراتي كلها بسرعة وقلت له: أنت لك نشاط فني؟

وسرح قليلا، ثم أجاب: ليس كثيرا، كنت رئيس فريق التمثيل في فيكتوريا كوليدج.

ونطق كلمة فيكتوريا كوليدج بلهجة أجنبية بحتة، فابتسمت ولاحظ ابتسامتي فقال: غلطت في حاجة؟

فقلت على الفور: لا أبدا.

وبدأ يوسف شاهين يقول إنه واثق من أن عمر سوف يصبح ممثلا مرموقا من ممثلي القاهرة وبدأ يروي لنا تفاصيل القصة، وكنت قد قرأتها أكثر من مرة ولذا وجدت نفسي أشرد في لحظات كثيرة واستقرت عيناي مرة جديدة في عمر، ولاحظت أن سنتيه الأماميتين منفرجان وقلت في أعماقي هو إنسان موفور الحظ، وهذه هي الصفة التي تغلب على أصحاب «الفلجة في الأسنان»، واستمرت أحلامي، وصوت يوسف شاهين يبتعد ويبتعد حتى غدا ممزوجا بضجيج الطريق، وافقت على المخرج يسألني: عجبك الدور؟

وأجبت: مش بطال.

وتكلم عمر، فقال بصوته الذي يعكس لونا من الخجل: لما أنت تقومي بيه حيبقى أحسن دور.

وقلت له: تفتكر كده؟

فرد على الفور: طبعا ده أنا معجب بك جدا من زمان.

وابتسم وسكت وأرخى عمر عينيه العميقتين إلى السجادة ثانية، ثم قال لي وهو يبتسم ابتسامة هادئة هذه المرة: أنا سأقص لكي حكاية بس أوعى تضحكي علي.

وضحكت مقدما وقلت له: اتفضل.

وروي لي عمر كيف أنه لم يشاهد أكثر من ثلاثة أفلام عربية في حياته، في حين هو يشاهد الأفلام الأجنبية كلها، وقد حدث أن دعاه أحد أصدقائه في الإسكندرية إلى السينما، ولما كان الصديق رقيق الحال فقد جاءت الدعوة إلى سينما «ماجستيك» وهي سينما متواضعة في شارع سعد زغلول في الإسكندرية، ويومها شاهدنا فيلما أجنبيا هو فيلم «العالم بين ذراعيه» لجريجوري بيك، ثم فيلما عربيا هو «دنيا». ولما كان عمر يرتاح إلى راقية إبراهيم، هذا ما قاله لي: فقد بقي في القاعة راضيا فلما ظهرت أنا على الشاشة نسي راقية تماما وتعلقت نظراته بي طوال الوقت ومن يومها وهو يشاهد أفلامي كلها أو أغلبها، وانتهى اللقاء الأول بيننا وانصرفا.

مرت أيام طويلة قبل أن يبدأ الفيلم، حيث كان قد طلب يوسف شاهين من الممثل المسرحي المعروف عبد الرحيم الزرقاني أن يدرب النجم الجديد على الإلقاء، وقد اختار الزرقاني حوار الفيلم نفسه الذي كنا نمثله فيلم «صراع في الوادي» ليدرب عليه عمر، ويمرنه، والغريب أن كاتب الحوار كان السيناريست المعروف على الزرقاني شقيق عبد الرحيم، ثم قال لي يوسف شاهين إن والد عمر مريض وإنه لم يتمكن من مغادرة الإسكندرية. لم يتمكن عمر من الحضور إلى القاهرة قبل أسبوع كامل فقد طال مرض والده بحيث اضطر للبقاء إلى جواره، وقبل أن ألتقي بالنجم الجديد ثانية، وقبل أن نقف معا أمام الكاميرا حدث خلاف شديد بيني وبين عز الدين ذو الفقار لم تكن له أسباب مباشرة، وإنما كانت له أسباب بعيدة ورواسب كثيرة في النفس، حيث كنا جالسين ذات ليلة في بيتنا، وهو منصرف إلى قراءة جريدة مسائية، وفجأة رفع عينيه عن الجريدة وأشعل غليونه، وراح ينفث الدخان من صدره ثم قال: أنا ملاحظ حاجة غريبة يا فاتن.

ولم يكن عز يناديني باسمي إلا إذا كان هناك أمر له أهمية أو شيء على جانب من الخطورة وسألته على الفور: ملاحظ إيه؟

وبدأ يتكلم بهدوء كأنه استعد للمناسبة من قبل، وكأنه حفظ الكلمات تماما، كما كان يحفظ حوار أفلامه كلها، ثم قال: ملاحظ إنك مش سعيدة، بقالي مدة براقبك كويس، وبقول لنفسي يمكن سحابة وتعدي، لكن السحابة طالت أكثر من اللزوم، وسكت عز وأشغل الغليون الذي انطفأ، ثم أضاف، ساعات كثيرة أحس إني حابس عصفور في قفص، عصفور كناريا ريشه لونه حلو وصوت جميل لكنه محبوس.

وقاطعته قائلة: ده صحيح.

وفوجئ عز بالكلمتين المختصرتين تماما كمن يفاجئ الجندي عندما يشعل فتيل قنبلة بالدوي الهائل الذي لم يكن يتوقعه، وخيمت على عينيه نظرات بلا بريق وأحنى رأسه ينظر إلى الأرض وراح يمر بيده على شعيرات لحيته القصيرة التي أطلقها فترة، والتي أصبحت جزءا من صورته في أعين الناس، ورفع إلي عينيه بعد فترة ثم قال: إذن ظنوني كانت في محلها.

وقلت له باندفاع: ظنون إيه يا عز، دي حقائق الحياة.

وسألني بلهجة اليائس: فيه حد تاني في حياتك؟

وأجبته بصدق: لا أبدا.

وعاد عز يتكلم بهدوء ظاهري، ولكنه في الواقع كان منفعلا جدا وحزينا جدا حزن المريض الذي يرى موضع الجراح يقترب منه يبتر من جسده قال لي: والحالة دي مالهاش علاج.

وردت عليه بقوة بكل الكتمان الذي عانيت منه: ما تفتكرش إني ما فكرتش في العلاج فكرت كتير وكان الدواء مر قوي واستحملته لكن.

وتوقفت قليلا عن الكلام وتعلقت عيناه بشفتي كأنه مذنب ينتظر الحكم من بين شفتي قاض وراح يمر بأنامله بعصبية بين شعيرات لحيته، ثم سألني: لكن إيه؟

وتابعت كلامي قائلة: لكن أنا شايفة إن مصلحتنا المشتركة في إننا نسيب بعض.

ولمعت في عينيه نظرات غريبة، كأنها نظرات التوسل في عيني مشرف على الغرق وقال: يعني قصدك؟ وابتلع ريقه وحاول أن يبتلع الكلمات، ولكنه عاد وقال «قصدك نطلق».

وسكت وكنت بلا شك أقصد الطلاق، نعم أريده وأفكر فيه، ولكنني فزعت من الكلمة وشعرت، وكأنها نغمات في لحن جنائزي المفروض فيها أن تبكيك وأن تطلق لدموعك العنان ولكنني لم أبك، وتماسكت، وكأن قطرات الدموع تحولت إلى قطعات جامدة، لا يمكن أن تسيل على الرغم من توتر الموقف، وقلت لعز، وأنا أنظر إلى الأرض محاولة أن أهرب من وقع كلماتي عليه: أظن هو ده الحل السليم.

وقال بسخرية: سليم بالنسبة لك، ولا بالنسبة لي؟

فرددت على الفور: إحنا الاثنين.

وعدت أقرأ صفحات السيناريو دون أن أعي شيئا مما فيها، وراح هو بدوره يقرأ الجريدة دون أن يبدو عليه أنه يتابع السطور فعلا، وطالت الجلسة حتى أصبحت مملة، فنهضت أحاول دخول حجرتي، ولكنه استوقفني قائلا: استني شوية.

وجلست ثانية ولكنه لم يتكلم إلا بعد تفكير طويل، فقال لي وهو يزن كلماته بكل دقة: اسمعي أنا مش عاوز نتسرع في حاجة وبعدين نندم أنا عندي اقتراح.

وسألته: إيه هو؟

فقال: زي ما بيبقى فيه فترة خطوبة يعني فترة اختبار قبل الجواز أنا عاوز نعمل فترة اختبار قبل الطلاق يعني نبعد عن بعض حتى ولو عشنا مع بعض ونشوف كل واحد يقدر يعيش من غير التاني ولا لا.

وفكرت في الأمر فوجدته معقولا وقلت له: فكرة مش بطالة.

وقمت ودخلت حجرتي وظل نور الصالة الخارجية مضيئا لفترة طويلة حتى استسلمت للنوم، وعندما فتحت عيناي في الخامسة صباحا وجدت المكان إلى جواري خاليا وجدت وسادة عز على حالها أي أنه لم يدخل السرير وخرجت إلى الصالة فلم أجده، لقد أصبحنا غرباء في بيت واحد، أنا غريبة عن عز الدين وهو غريب عني.

وانقطعت شعره معاوية بيني وبين عز الدين حيث كنت أقاوم وكان هو يقاوم وأهملني عز، لقد أراد أن يشعرني أنني بحاجة إليه، ولكنه لم يكن يعرف أن قلبي بدأ أن يخفق بحب جديد، بحب شاب أسمر ملك مشاعري قبل أن أراه. وحاول عز أن يلعب معي دورا جديدا، لقد حاول أن يدخل الغيرة إلى صدري ويشعرني أن في حياته امرأة غيري ومن هنا بدأ يسهر خارج البيت ولا يعود إلا مع طلوع الفجر.

كنت حقيقة أسأل نفسي: ترى هل عاد عز الدين إلى سامية كمال أم أنه مع غيرها؟ ومع الأيام بدأت أعتاد هذه الحياة، وكانت صورة الشاب الأسمر تكبر في خيالي، وتكبر وتكبر لتشكل خيوط قصة حب تعيش من طرف واحد. ونجحت التجربة بيني وبين عز الدين، لقد وجدت نفسي قادرة على السير دون أن أعكز عليه، وقررت أن أسير وحدي في الطريق الذي رسمته لنفسي، وبدأت ألملم جناحي وأقاومه، وعز الدين يقاوم، وكانت نادية الصغيرة تشغل كل فراغي وكبرت الهوة بيننا وكان لا بد من الطلاق لنضع نهاية للمأساة الصامتة التي تشغل حياتنا.

وبينما كنت في المنزل أراجع سيناريو الفيلم الجديد، قرع جرس التليفون وكان على الطرف الآخر المخرج يوسف شاهين الذي قال: مدام فاتن هل أنت مستعدة للمباشرة في التصوير؟

قلت بلهفة: هل عاد عمر من الإسكندرية؟

قال المخرج شاهين: نعم مدام فاتن.

قلت وأنا أشعر بفرحة كبيرة: متى سنبدأ؟

قال المخرج شاهين: بعد بكره، عموما سيصلك أمر التصوير.

وشعرت وأنا أطلق سماعة التليفون أن غمامة الحزن زالت عن صدري، وأن مشكلاتي العائلية ومتاعبي مع عز الدين قد زالت فجأة، لماذا؟ هل لأني أحب الشاب الأسمر صاحب النظرات الثاقبة والجسد الرياضي، هل يكون عمر الشريف الذي ضحكت عندما أخبروني ان اسمه الأصلي ميشال شلهوب يجسد صورة الرجل الذي يعيش في خيالي؟ ورغما عني أسرعت إلى المرآة لأتأكد من جمالي هل أرضيه؟ وهل يفكر بي كما أفكر به؟ ولم أجد نفسي إلا وأنا ألف وأدور في المنزل وأغني «يا حبيبي طال غيابك ليه يا قاسي إنت فاكر ولا ناسي» كأني كنت أغني لعمر الشريف وكنت أضحك بمرح كطفلة أهدوها لعبة يوم العيد.

في اليوم التالي جاءتني الخادمة بمجلة فنية تصدر في القاهرة، وما إن قلبت صفحاتها حتى شاهدت فيها تحقيقا مصورا عن عمر الشريف، إنها أول صور كانت تنشر للوجه الجديد الذي سيقاسمني دور البطولة في فيلم «صراع في الوادي» وتأملت الصورة وأنا أتخيل نفسي بين ذراعيه، وللمرة الأولى أشعر فيها بحاجة إلى شاب من هذا النوع. أقول هذا لأني عرفت مع زوجي عز الحب الهادئ المشحون بالتأملات والذكاء، أما مع هذا الشاب الأسمر فكنت أحلم بنوع آخر من الحب، ذلك الحب الذي تحدثت عنه الكاتبة الفرنسية «فرنسواز ساجان» في رواياتها، ورحت أتأمل صورته فلا أشبع منها، وضحكت عندما شاهدت لحيته القصيرة وشاربه «الدوغلاس» ووقفت أحدق في عينيه وشعره الأسود وأنفه وقامته الرياضية وضممت المجلة إلى صدري وكأني كنت أضمه هو بالذات، وبدأت أفكاري تعمل بسرعة وأنا في الغرفة أراجع موقفي، كنت أشعر أني مقبلة على حدث جديد، قد يقلب أوضاع حياتي رأسا على عقب، لقد كنت أسال نفسي هل شعر عز الدين أنني أميل إلى الوجه الجديد عمر وأنني سأفلت من العش الزوجي؟

* حكاية الإسم

روى يوسف شاهين لعمر ملخص الأحاديث التليفونية التي دارت بيننا وكيف أنني سخرت من اسمه الأصلي وضحك عمر ضحكة قصيرة فيها ارتباك ظاهر ثم أضاف: والله يا مدام فاتن فيه في الحياة حاجات كثيرة الشخص لا يستطع اختيارها من نفسه ومنها الاسم، ونظر بعينيه الواسعتين إلى السجادة كأنه يغرق نظراته في نقوشها.

* إحساس عز الدين

شعر عز أن في حياتي صورة رجل قد يهاجم قلبي ويتسلل إلى أعماق صدري، وكان يجلس وقتا طويلا وهو صامت يفكر وأحيانا يسهر خارج البيت ويعود في آخر الليل لينام في غرفته. لم يكن عز يعلم شيئا عن عمر الشريف سوى أن المخرج يوسف شاهين جاء به ليلعب معي دور البطولة في فيلم «صراع في الوادي»

عن موقع جريدة الشرق الأوسط



 الزواج وبريق هوليوود


جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط
الأربعاء - 16 شعبان 1436 هـ - 03 يونيو 2015 مـ
الصفحة : يوميات الشرق
القاهرة : السيد الحراني


مذكرات فاتن حمامة (الحلقة الأخيرة) : الزواج وبريق هوليوود

«نهر الحب» تسبب في بكاء ابني.. وشائعات أرهقت حياتي


كانت الحيرة والقلق والتوتر عنوانا لتلك المرحلة في حياة الفنانة الكبيرة فاتن حمامة، كانت أمام قرارات صعبة ومشاعر جديدة ملكت عليها حياتها. تحدثت حول حياتها مع المخرج عز الدين ذو الفقار وفتور علاقتهما ثم غيرته من عملها مع الوجه الجديد عمر الشريف. أما عن دقات قلبها فتحدثت بصراحة كبيرة وصورت أياما جالت بخاطرها أحلام وأماني، وأخذتنا معها خلال تصوير فيلم «صراع في الوادي» وتبادل المشاعر والأفكار بينها وبين عمر الشريف أثناء التصوير وفي الكواليس.

وتتحدث فاتن حمامة في الحلقة اللأخيرة من مذكراتها وسيرة حياتها التي تنشرها «الشرق الأوسط» بالاتفاق مع وكالة «الأهرام للصحافة, عن أسرار حياتها مع عمر الشريف.

كنت قد بدأت أفكر بحل جدي لما وصلت إليه وبدأت أسأل نفسي ماذا افعل؟ وبعد تفكير طويل صممت على الطلاق وكنت أدرس موقفي من جميع نواحيه، ولكن شيئا وأحدا لم أكن أراجع نفسي به وهو حبي لعمر الشريف. حينذاك كانت الشائعات قد بدأت تردد اسمي وتربط بيني وبين عمر، كان الوسط الفني يتحدث عن علاقتي معه، حيث لمحت حينذاك إحدى المجلات إلى أنني أصبحت في طريق الطلاق وأن في حياتي رجلا آخر غير عز الدين وكادت هذه الشائعات تدمر أعصابي فكنت خائفة على قصة حبي من الانهيار. وذات يوم كنت مع عمر في مكان ما نتحدث في موضوع هذه الشائعات عندما قال لي: الحقيقة يا فاتن لازم نشوف حل.

قلت: ضروري، أنا مش قادرة أعيش بالطريقة دي.

فقال عمر ونظراته تغرق في عيني: مش أفضل تطلقي من عز ونتزوج.

قلت وأنا استشف الصدق في كلامه: هو ده الحل الوحيد.

وبالفعل افترقنا على هذا الأساس والجمل مختمرة في ذهني «أطلق من عز وأتزوج عمر» ولكن بقيت مشكلة تؤرقني، إنها ابنتي الحبيبة نادية التي تشغل صورها رأسي فأنا أحبها وهي تحبني ولا يمكنني الابتعاد عنها لحظة واحدة، خصوصا أنها بالنسبة لي عالمي ودنياي ومجتمعي وحياتي، وصممت أن أبقي نادية معي مهما كانت الظروف. وفي تلك الليلة كنت على موعد مع حدث جديد لعله غير مجرى حياتي وجعلني أسرع في الطلاق، حيث كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل وكنت في غرفتي أراجع موقفي وأدرس خطواتي حيث كنت أفكر في «الطلاق وعز ونادية وعمر» وفجأة دخل عز الدين إلى غرفتي وهو بحالة عصبية واقترب مني قائلا: إيه الشائعات اللي بسمعها دي، مش حتعقلي يا فاتن.

وتجاهلت الموضوع الذي جاء يفاتحني به وقلت بعدم اهتمام: مش فاهمة حاجة.

قال عز بعصبية: البلد كلها بتحكي عن علاقتك مع الواد ده اللي اسمه عمر الشريف.

قلت بعدم اهتمام: وأنا مالي ومال الشائعات؟

قال عز بنفس اللهجة العصبية: ما تنسيش إنك لغاية دلوقتي مراتي وبتحملي اسمي.

قلت: وفيها إيه، عموما إحنا متفقين على الطلاق.

ولمعت في عينيه نظرات مجنونة وقال: إنتي لسه مراتي.

وفجأة تحول عز إلى إنسان ثائر عصبي وكأنه فقد وعيه ثم هجم علي وحاول خنقي فبدأت أصرخ وأستغيث وهو يزداد شراسة وعنفا، ومنذ تلك اللحظة التي نجوت فيها منه كان لا بد من الطلاق. وقبل الطلاق تفاهمت معه على مواضيع كثيرة أهمها أن نبقى أصدقاء وأن تبقى نادية معي ووافق على كل شيء وعندما ودعته شعرت بأن دموعه تنحبس في عينيه.

وبعد أن تم الطلاق أسرعت إلى التليفون أزف البشرى إلى عمر الشريف فقلت له وأنا أضحك من السعادة: خلاص أنا بقيت حرة تطلقت.

وبصوت ملئ بالأمل قال لي عمر: يعني حنتزوج؟

فقلت وأنا ما زالت أضحك: قريب، بس تخلص أشهر العدة.

ولكن كانت هناك مشكلة أخرى دينية فأنا مسلمة وعمر مسيحي كاثوليكي، وكان مستحيلا أن أترك ديني، وبالتالي لم يكن أمام عمر خيار آخر ولذلك وافق عمر على أن يترك دينه ويعتنق الدين الإسلامي وذهبنا إلى أحد المكاتب الحكومية المختصة بذلك الأمر التابعة لمشيخة الأزهر ووقع عمر على وثيقة إشهار الإسلام وكان الأمر هكذا سهلا على الأقل رسميا، ولكن كان صعب على عائلته حيث أصيب والد عمر بانهيار عصبي «رغم أنه لم يجرؤ علي إخباره وجها لوجه ولجأ لوالدته لتتولي الأمر وأعلن والده خيانته لعقيدته».

وكنت حينذاك بدأت أمثل مع عمر الشريف فيلما جديدا للمخرج حلمي حليم هو «أيامنا الحلوة» والذي شهد الظهور الأول للوجهين الجديدين «عبد الحليم حافظ وأحمد رمزي». وتم الزواج في الأيام الأخيرة التي كنا نعمل فيها في الفيلم.

بعد عقد القران سافرت مع عمر إلى باريس لقضاء شهر العسل، وكنت سعيدة وكأني أعيش في حلم لا أريده أن ينتهي، وكان عمر سعيدا في حياته الجديدة معي، وكنت لا أفارقه لحظة واحدة، وكان هو إلى جواري دائما، وعدنا من باريس إلى الإسكندرية لنبدأ حياتنا الجديدة.

بعد ذلك بسنوات عشناها مع بعض في منتهي الحب والسعادة والنجاح، وشاركنا بعضنا أفلاما وأعمالا فنية عدة، وجدت نفسي فجأة في لندن، وكانت المدينة حينذاك في حالة استعداد لعيد الميلاد ورأس السنة والشوارع الكبيرة مثل أكسفورد ستريت وريجنت ستريت مزينة بزينات في منتهى الذوق والجمال، وواجهات المتاجر ممتلئة بالسلع التي تغريك بالشراء. ولفت نظري شيء غريب جدا، وهو أن يتلفت المارة إلى الوراء لينظروا إلى سيدة صادفتهم في الطريق هذا شيء طبيعي في باريس مثلا، أما هنا في لندن فمستغرب، إلا أنه حدث لي حيث سرت مع عمر في الطريق وكلما مررت بشخص رجلا كان أم امرأة وجدته يتلفت وراءه وينظر إلينا مرة ثانية وضايقني هذا جدا في البداية، واهتممت وأخذت بالي ولكن دهشتي جعلتني أراقب المسألة لاكتشف الحقيقة، وأعرف ما الذي غير الإنجليز وجعلهم يقلدون الفرنسيين والإيطاليين.

ثم اكتشفت الحقيقة أنهم لا ينظرون لي أنا بل إنهم ينظرون إلى عمر وبالتحديد إلى شعر عمر فعمر قد كان أطال شعر رأسه ولم يقصه منذ ثمانية أشهر استعدادا للتمثيل في فيلم «لورانس العرب» الذي كان قد رشح له ويقتضي دوره فيه أن يظهر بشعر طويل وشارب.

وكنت قد التقيت بديفيد لين مرتين مرة في الأردن عندما ذهبت إلى هناك في الصيف لأزور عمر والمرة الثانية في لندن، وكان يعجبني جدا تفكيره ودقته ونظامه في العمل؛ لأنه لا يعمل شيئا في عجلة، بل كل شيء على مهل وبمنتهي الدقة، ولذلك كان يحترمه نجوم الفيلم احتراما هائلا، وكان يبادلهم هذا الاحترام بتقدير وإعجاب كبيرين.

كان إنجابي من عمر الشريف ابننا طارق مصدر سعادة جديدا لي وتتويجا حقيقيا لعلاقتنا وأصبح طارق يحكم قلبي بل يحكم عالمي كله، وعندما كان يغيب عني فترة من الصباح فلا أتحدث إلا عنه، وكنت أجلس إلى ضيوفي الذين يزورونني داخل بيتي وعيوني بعيدة تتابعه وهو يتحرك في ردهة البيت أو يجلس أمام التلفزيون أو يتشاجر مع شقيقته نادية، وأذكر أن طارق في صباح أول يوم دراسي له ذهب للمدرسة، وكنت أخشى أن يخاف أو يبكي ويعيش بعقدة من المدرسة، وما أن حان موعد انصراف التلامذة من المدرسة أرسلت المربية لتصحبه للبيت، ولكن العجيب والمضحك أنها عندما ذهبت للمدرسة وجدته يمارس دورا بطوليا على زملائه ويبرحهم ضربا، كما أن طارق كان دائما يصر على أن يدخل السينما وحده مع مربيته فقط، ولو أرادت نادية مثلا أن تذهب معه يتمسك بعناده إلى درجة كبيرة جدا، بل كان إصراره على أن يشاهد أفلامي وأفلام والده يعتبر شيئا مألوفا.

وحقيقة فوجئت بطارق ذات مرة يعود من السينما صارخا، ومنفعلا يكاد ينفطر من البكاء فحاولت قدر ما استطعت تهدئته ولكن بلا جدوى فكان يبكي بحرقة وهو يصيح بصوت يخنقه التشنج «عايز بابا، هاتوا لي بابا»، واضطررت إلى أن أقضي عدة ساعات أبحث عن عمر حتى وجدته أخيرا في الأستوديو وطلبت منه أن يترك المشهد الذي يمثله ويعود إلى البيت فورا ليراه طارق. وعندما عاد عمر إلى البيت أسرع طارق يلقي بنفسه عليه وهو يصيح وما زال بكاؤه يطغى على صوته «بابا، يا حبيبي يا بابا، رجلك اتعورت يا بابا» ولم يكف عن البكاء إلا بعد أن أثبت له عمر أنه صحيح معافى حتى يقتنع أنه لم يصب بسوء، وانفجر عمر ضاحكا، ولم أتمالك نفسي من الضحك عندما سأل عمر المربية عن الفيلم الذي كان طارق يشاهده معها فاكتشف أنه «نهر الحب». لقد تصور طارق أن والده قد أصيب حقا عندما شاهده مصابا على الشاشة وكان هذا هو سر بكائه.

عشرات من الشائعات التي لا تنتهي ولا تتوقف زاد محصولها بعد أن تربع عمر فترة من فترات المواسم السينمائية بأفلام «بداية ونهاية» و«إشاعة حب» و«حبي الوحيد» و«نهر الحب» و«في بيتنا رجل» وأصبح هو الجواد الرابح بالنسبة لشباك التذاكر في دور السينما، حينها زادت حدة الشائعات، ولأنني مدركة لكل تلك الأبعاد وأعرفها جيدا وأعرف كامل الحقيقة كنت أطبق المثل الشعبي القائل «أذن من طين وأخرى من عجين».

كنت دائما أحاول قدر استطاعتي أن أكسب ثقة ابنتي «نادية» وأقلل ما استطعت من إصدار الأوامر والنواهي لها يكفي فقط الأوامر المعقولة؛ لأنني كنت حريصة على أنها بعد أن تكبر تتخذني صديقة تستمع لي وتصدقني فورا عن إيمان واقتناع. أما بالنسبة لمستقبل نادية فكان يبدو في البداية أنها تريد أن تكون نجمة سينمائية، وإن كنت من جانبي أحاول دائما ألا أفرض عليها طريقا معينا، وحقيقة كنت لا أحب أن تظهر صور نادية وطارق في المجلات وهم صغار، وهذا قرار اتخذته حرصا على مصلحتهما، كنت أريد ألا يشعر أحدهما بأنه يمتاز شيئا عن زملائه في المدرسة ولا أريد أن يعاملهما الزملاء معاملة خاصة فيجب أن يعيشا حياة عادية مثل كل الأولاد والبنات، وإن صداقة الطفولة والدراسة لا يمكن أن تعوض لأنها صداقة خالصة بعيدة عن الأهواء والأغراض.

بعد انتهاء عمر من فيلم «لورانس» وبعد النجاح الضخم الذي كان قد تحقق له كنت أعتبر عمر الشريف ذلك الزوج الطيب والإنسان الكبير والصديق المخلص وهو كان يحفظ لي مثل هذا الشعور، ولكن أصبح لكل واحد منا ظروفه في الحياة وكان الطريق الذي سلكناه هو طريق صعب ومزروع بالدموع والأشواك والألم. لقد بدأت الحكاية في عام 1961 عندما طار عمر إلى صحراء الأردن ليمثل دورا ثانويا في فيلم «لورانس العرب» ثم شاهده المخرج ديفيد لين، وكان قد وزع الأدوار المهاة ومن بينها دور علي بن الحسين الحارثي للممثل الفرنسي موريس رينيه، فلما شاهد عمر طلب أن يصوره هو الآخر في بضع لقطات لنفس الدور ولم ينم عمر لمدة أسبوع ولم ينم موريس رينيه أيضا لمدة أسبوع وجاءت اللقطات من لندن بالطائرة وشاهدها المخرج والمنتج فقررا أن عمر أفضل من الممثل الفرنسي لهذا الدور وكان عقده عن دوره الثانوي 8 آلاف دولار فقط فارتفع عن دور علي إلى 25 ألف دولار. وكانت هذه هي بداية الانطلاقة، وبعد ذلك قام بتمثيل فيلم «الدكتور زيفاجو» وظهر معه ابننا طارق ليمثل زيفاجو في طفولته. وخلال عمله معه كانت أعصابي مرهقة بالطبع لأنني كإنسانة أعمل في السينما أقدر المسؤولية ونفقات إعادة تصوير أي منظر وهذا ما لا يدركه هو كطفل ومن الطبيعي أن الوقوف أمام الكاميرا شاق ومرهق للطفل، ثم إنني كنت أشفق عليه من تسليط الأضواء على عينيه، ومن تسليط الآلات التي كانت تحدث هواء وثلجا، ولم تبد من طارق أي تصرفات غريبة، اللهم إلا أنه كان إذا كلفه المخرج بالوقوف في مكان معين قال لي: «وأنا أقف هنا ليه.. إيه اللي يخليني أقف هنا؟.. لا.. مش عايز».

ومن الطبيعي أن هذا كان يسبب بعض المتاعب، وأعتقد أنه أوتي استعدادا للتمثيل، ولكن المرء لا يستطيع أن يعرف اتجاهاته لأنه لا يزال صغيرا لم يتعد عمره ثماني سنوات ونصف. بالفعل بعد أن انتقل عمر في أقل من ثلاثة أعوام من دور بسيط في فيلم مشترك إلى الأدوار الثانية في ثلاثة أو أربعة أفلام عالمية إلى دور البطولة في فيلم «الدكتور زيفاجو» الذي رشحه للفوز بجائزة الأوسكار، جاءت عاصفة كادت تطيح بالبيت الذي تضمنا جدرانه والذي كان يبدو مستقرا. صعد عمر درجات المجد وأصبح نجما عالميا لامعا، وأصبح مجنونا ومدفوعا بطموحه في طريق يمضي به إلى الأمام على نحو تصعب معه العودة.

أصبح عمر أشبه برجل الأعمال المشغول والمكدود والمتعب والمرهق دائما الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا وعيناه أضناهما السهر، لا يكاد ينام أكثر من أربع ساعات يختطفها في الهزيع الأخير من الليل وأصبح مرهف الحس ومتوتر الأعصاب ينتابه الإحساس بالخوف من الناس، والخوف من أن يستغلوه بصورة ما وهو إحساس طبيعي لا يمكن إلا وأن يسيطر على أي إنسان يهبط عليه المجد فجأة ويجد نفسه صاحب حسابات في البنوك تقدر بملايين الدولارات وأيضا يصبح مطمعا للمستغلين والنصابين. هذه المخاوف بالذات ساعدت على نموها في نفسه سكرتيرته الأميركية كارولين التي أصبحت تباشر، ولكني في ظل كل ذلك كنت أعيش في لندن أغلب الوقت بينما عمر يطوف بمجده في أنحاء العالم، وكان عمر دائما يقول إنني كنت في كل تلك الفترة ألعب دائما الدور الأصعب والأكثر جهدا وعناء وضنى. والذين اعترضوا على تضحيتي الهائلة من أجل يوم قررت أن أتزوج عمر كانوا قد أصبحوا للأسف شامتين في ويهمسون هذا جزاؤك، أن الذي ضحيت من أجله قد هجرك، فالمجد عنده أعز منك، ويدعمون نصائحهم بالأسانيد، (التحقيقات الصحافية المصورة الوافدة من الخارج التي تظهر عمر في مغامرات غرامية مزعومة مع بطلات أفلامه)، في لقطات ليست من أفلامه ولكن في أوقات الفراغ اختلستها العدسات له وهو يلف ذراعيه حول البطلة ويضمها إليه أو وهو يعبث بقدمه في ساقها، وكنت دائما أدافع عن عمر كما تعودت دائما وأيضا في الواقع كنت أدافع عن نفسي وكياني وبيتي الذي توشك أن تطيح به العواصف، ولكنه كان دائما دفاعا بلا طائل فأقرب الناس إلي كانوا لا يصدقون ولا يرحمون.

وحينذاك فاض بي الكيل فهرعت إلى عمر أبحث عنه وأسبقه إلى مدينة من المدن في أوروبا، وكان هو ينتهز فرصة فراغ من عمله فيطير إلي، وأيضا ذات مرة نزلت عليه في مدينة كان مشغولا فيها بالعمل، ولكني شعرت وأنا معه في مدينة واحدة أنني بعيدة عنه حيث كنت لا أكاد أراه، وكنت أستقي أنباءه من سكرتيرته كارولين التي كانت دائما لغزا بالنسبة لي حيث كنت أشعر أن تلك السكرتيرة تسيطر بشكل ما على زوجي عمر بل إنني لا أبالغ في التصور إن قلت إن خيالي صور لي أن كارولين تسيطر على قلب عمر، ولكن عمر كان دائما، يقول لي إن كارولين تسيطر على ما في بحكم أنها مديرة أعمالي ولكن قلبي هو المكان الوحيد التي لا تستطيع القرب منه لأنه لك وحدك.

ولكني شعرت بالضيق والحنق والغضب في صيف عام 1964 عندما سافرت إلى مهرجان كان حيث لحقت بي كارولين بتعليمات من عمر لتكون في خدمتي وكان سر كل مشاعري السلبية تجاهها في ذلك الصيف الكئيب أنني شعرت أنها تباعد بيني وبين لقائي بعمر الذي كان من المفترض أن يكون بجواري. حقيقة لقد شعرت بأن عمر يحب سكرتيرته وكثيرا حاول أن يثنيني عن ذلك الشعور ولكنه فشل، وعندما كنت أقابله كان يتلاشى منه كل جبروت المجد الذي حققه ويبدو أمامي عمر الشريف الذي خفق قلبه بعنف منذ أول لقاء له معي، عمر الشريف الذي ساعدته وساندته حني أصبح أهم ممثل في مصر والوطن العربي، وكنت أستغل اللقاء لأمارس عليه كل سلطان الحبيبة وكل سلطان الزوجة فأناقشه وأحاسبه وأسأله وأعاتبه. وفي أحد لقاءاتي معه بباريس كنت أنتظره بأحد الفنادق، وكنا قد اتفقنا على منح حياتنا المقبلة معا شيئا كثيرا من الحرية والمرونة وأن البيت الذي يبنيه في باريس سيكون دائما بيتنا معا ويستطيع كل منا أن يهرع إليه في أي وقت يشاء وأن نلتقي فيه كلما سمحت بذلك الظروف، وأيضا اتفقنا على أن تلتحق نادية وطارق بمدارس داخلية في جنيف يقيمان بها ويترددان علينا في أي وقت يريدان أو يستطيعان واتفقنا على أن أختار ما أشاء من مكان أقيم فيه سواء في باريس أو جنيف، ولكننا أيضا اتفقنا قبل كل هذا على الطلاق ولكنه ليس الآن، وإن كان عمر سيحققه لي يوم أن أطلبه أنا.

* عز كان حزيناً

* كان عز حزينا وكان كئيبا ولكنه تصرف كرجل، لقد تمنى لي التوفيق والسعادة في حياتي الجديدة وقال إنه يحفظ في نفسه المحبة ولا شيء غير المحبة وقال لي إن احترامه سيبقي كما كان وإن رحلة الدرب التي مشيناها معا لن تؤثر على صداقته في قلبي وأعترف الآن بأني أكبرت في عز الدين ذو الفقار هذه الروح الكبيرة.

* شائعات

* لقد كانت حياتي مع عمر وأطفالي نادية وطارق هانئة وإن عكر صفوها في كثير من الأحيان بعض الطامعين والحاقدين على نجاحنا وأيضا طلاب الشهرة من المغامرين فكان لا يكاد يمضي يوم حتى يطلقوا شائعة ولكن الحقيقة لا تلبث أن تهدمها بأسرع مما نسجتها العقول المريضة، وكان من السهل جدا أن تطال تلك الشائعات بيتي وحينذاك زوجي عمر الشريف

عن موقع جريدة الشرق الأوسط


جريدة الشرق الأوسط، صحيفة عربية دولية رائدة. ورقية وإلكترونية، ويتنوع محتوى الصحيفة، حيث يغطي الأخبار السياسية الإقليمية، والقضايا الاجتماعية، والأخبار الاقتصادية، والتجارية، إضافة إلى الأخبار الرياضية والترفيهية إضافة إلى الملاحق المتخصصة العديدة. أسسها الأخوان هشام ومحمد علي حافظ، وصدر العدد الأول منها في 4 يوليو 1978م.
تصدر جريدة الشرق الأوسط في لندن باللغة العربية، عن الشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق، وهي صحيفة يومية شاملة، ذات طابع إخباري عام، موجه إلى القراء العرب في كل مكان.
لقراءة المزيد



 رابط نحو صفحة كل الحلقات


مذكرات ومسيرة وسيرة الفنانة الراحلة فاتن حمامة، الإنسانة والحالة الفنية الرائدة في عالمنا السينمائي المصري والعربي، والتي صنعت تاريخها بميزان صائغ، وأزاميل نحات، وسيرة ملتزمة، قلما نجد فيها أخطاء.

رابط نحو الصفحة الجامعة لكل الحلقات


عن الصورة المرفقة بهذا المقال

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)