في الذكرى السنوية لرحيل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب

, بقلم محمد بكري


 تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية : رسائل إلى بدر شاكر السيّاب


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية


يصادف غداً الأحد مرور تسعين عاماً على ولادة بدر شاكر السياب (1926- 1964) في قرية جيكور في بصرة العراق. هنا ملفّ يستحضر رائد التجديد في الشعر العربي الحديث في راهن اليوم، ويستعيده بنحو افتراضي بيننا، نتخيّله حيّاً لديه صفحة على فايسبوك، أو يمشي في بغداد أو البصرة أو الأنبار التي درّس فيها قبل عقود، وربّما يمضي بعيداً نحو صحبه من شعراء العراق في مغتربات العالم.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 البصريّ النحيل... شاعر موت حاكَ نهاياته ببطء


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية
حسام السراي


بغداد | أيّ كتابة تخلّد نفسها، هي محفورة بقوّة صنعتها ومعرفة صانعها، وإن كان العبور من المآسي والغربة وأوهام الحبّ والبحث عن الحبيبة المفتقدة، هو أهمّ المفاتيح نحو موطن هذا الخلود. السياب الذي تذوّقت سيرته هذه العشبة الأسطوريّة، صار خالداً بما تركه لنا من ملاحم في الشعر. تحضر في البال مجموعة عوامل ارتقت به إلى هذه المكانة في الشعر العربي والعالمي أيضاً، منها ذكاؤه في توظيف ذاكرته وكيفية استرجاعه الانتماء إلى الأمكنة التي نشأ فيها، حيث جيكور، قريته التي منحها شهرة عالميّة بفعل قصائده، إلى درجة جعلها جنّته التي ولد وعاش فيها ذات يوم. «هل أنّ جيكور كانت قبل جيكور/ في خاطر الله في نبع من النور» (من قصيدة «أفياء جيكور»)، يكتب عنها وروحه تعشّقت بفسائل نخيلها ومائها، ماء «بويب» الذي تغنّى به.

عامل ثانٍ يعطي للسياب أسبقية التميّز عن غيره: إنّه شاعر اغتراب بحقّ، إذ ما أن تقرأ له تعود لتسأل كيف له أن يتحرّى عن لحظة موته ويتعايش معها بوعي وشجاعة؟ وكيف لهذا الكم من المأساوية أن يكون حاضراً بهذا المنحى الجمالي الجذاب؟ حيث الربط بين الذاتي والعام في أكثر من قصيدة، واحد من مهارات بدر في الشعر، فالذات ضائعة تبحث في أتون ضياع وجودي وإنساني أكبر ازداد فداحة من حوله.

وظّف صاحب «المعبد الغريق» و«المومس العمياء»، الأسطورة بتمثّلات عدة. مرّة جعلها وسيلة لاستنهاض طاقة التعبير الشعري عنده، كما في استعارته لاسم عشتار والمسيح، ومرة يعطيها المجال كلّه لتكون بنية عامة للنص.

«أنشودة المطر» تصح كمثال للإشارة، ومرّة ثالثة يصنع من الموجودات حوله ومن أشيائه وأحاسيسه، أساطير يصدّرها إلى قارئ قصيدته، ولنا في «شباك وفيقة» و«شناشيل ابنة الجلبي» أقرب الأمثلة على الأساطير الخاصة التي ألفها السياب.

ورغم جذوة حياته وتمرّده على منحدراتها ومعاناته فيها، كان البصريّ النحيل شاعر موت يحوك نهاياته ببطء. لازمه هذا الشعور من قصّة حب فاشلة إلى تجربة مرض تطيح به، كان خلالها غياب الآخر- المرأة التي يبحث عنها ـ هو موت متجدّد بالنسبة إليه، وربّما استشراف مسبق لرحلة الحياة القصيرة التي عاشها.

إنّ الذي حازه السياب، ليس فقط الاعتراف الأدبي الذي هو رأسمال الشاعر والكاتب، بل إنّ تراثه الشعري صار منطلقاً للموهوبين من بعده ليسترشدوا به ويمعنوا في مراحله بما ضمّته من تبدّلات سياسيّة لعلّ بدر في لجّتها، وتحوّلات ثقافيّة عدّ فيها أبرز رموزها المجدّدين. كما إنّ اسمه بات مداراً يخوض في تفرّده النقّاد وشعراء الأجيال المتعاقبة، فمن منّا لم يتأثّر به، العراقيّين أولاً والعرب بدرجة ثانية وربّما أقلّ؟

ونحن نتوقّف عند بدر شاكر السياب، بتجربته الرياديّة وسيرته الثرّية، موجّهين له رسائلنا، التي هي رسائل افتراضيّة لن يسمعها هو في العالم الآخر، كأنّنا ـ عبر بدر ومناسبته هذه- نبتغي تمجيد الحياة المهدّدة والمتراجعة عراقيّاً وعربيّاً، ونقرّ أيضاً بقيمة الافتراض اليوم في زمن اللامتوقع، حيث الحيّ الذي يفترض أنّه حيّ وقلبه ينبض، يصبح ميّتاً ومتشظيّاً بعد دقائق، واللص أو القائد الفاشل يصبح زعيماً وطنيّاً تحميه البنادق والهتافات.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 الجمرة ستبقى مضيئة


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية
دنيا ميخائيل - شاعرة عراقية مقيمة في أميركا


عزيزي الشاعر بدر شاكر السياب،

في مناسبة ميلادك التسعين، تذكّرتُ شيئاً أردتُ أن أخبرك به. أنت تعرف كيف أننا في العراق نطلقُ أسماءً على الأجيال الشعرية؟ مثلاً أنت والشاعرة نازك الملائكة من جيل الروّاد، وبعد ذلك جيل ما بعد الروّاد ثم جيل الستينات والسبعينات. ولأن جيلي (الثمانينات) كان يُسمّى بجيل الحرب، تصوّرتُ بأن الجيل الذي بعده سيُسمّى بجيل ما بعد الحرب.

لكن الحرب لم تنتهِ، ولذلك، تصوّر يا عزيزي، بأن الأجيال التي بعدي كلّها حتى الآن يمكن أن تُسمّى بـ «جيل الحرب». ما كنتُ أريد أن أقلقُ نومتَك المسالمة يا شاعرنا بهذه الأخبار الغريبة، لكن أنت تفهمنا وتفهم مثلاً معنى أن نبتعدَ عن البلد حتى نصبحَ أقرب، ونرى الشمسَ في مكان آخر لنتأكّد بأنها نفسها ولكن نردّدُ كلماتِك: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام/ حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق».

دعني أيضاً في هذه المناسبة أشكرك لأنك أحببتَ الشعرَ حد منحَه الحريةَ ولو بقدرٍ ما، فنحنُ لا يمكن أن نحب شيئاً ونقيّدهُ. دعني أقولُ لكَ شيئاً آخر: حينما رحلتَ عن عالمنا، ظلَّ عدد من المعنيين بالشعر في العالم العربي يتحدثون عن شرعية أو عدم شرعية كسر «قوانين» الشعر العمودي ومن ثم شرعية أو عدم شرعية كسر الشعر الحر نحو ما يُسمى بقصيدة النثر. بالمناسبة، أنا لا أحب تسمية «قصيدة النثر» فبرأيي، إما هي «قصيدة» وإما «نثر»، لكن ليس هذا هو الموضوع. ما أردتُ الإشارة إليه أن التصوّر القائم لحد اليوم هو أن الشعر العربي كان عمودياً أولاً، وبذلك توجّبَ لما جاء بعده أن يقدم «تأشيرة دخول» إلى عالم الأدب وحتى بعد منح التأشيرة قوبل الشعر غير العمودي (وحتى غير الحر) بنظرات استهجان أو تساؤل أو دفاع (عن تهمة). الأمر الذي فاتنا جميعاً هو حقيقة كتابة الشعر السومري قبل فترة الشعر العمودي، بل قبل كل كتابة أخرى على وجه الأرض.

إذا قرأنا الشعر السومري، سنكتشف حقيقة في غاية الإمتاع هي أن الشعر العراقي ما بعد الفترة «العمودية»، ينتمي إلى الشعر السومري بامتياز أي انه لم يخرج عن مساره الأصلي، إنما الشعر العمودي هو الخروج الوحيد عن ذاك المسار. هذه مفارقة انتبهت إليها وأنا أحاول تلمس مواصفات الشعر العراقي المعاصر، وأنا أقرأ نماذج شعرية منذ جيلك إلى الآن. كان الغرض الأصلي اختيار عدد محدّد من النماذج الشعرية العراقية لنشرها في أنثولوجيا وهي مهمة محببّة ومكروهة في الوقت نفسه؛ إذ من الصعب جداً التحدد بعدد معيّن من القصائد في بلد مثل العراق الذي إذا رميت فيه حجراً، فإن الاحتمال الأكبر هو سقوط الحجر على رأس شاعر. المهم أني أرى أن الشعر العراقي المعاصر هو امتداد لروحية الشعر السومري أكثر مما هو امتداد للشعر العمودي. بكلمة أخرى، جينات الشعر العراقي سومريّة بامتياز ومَن يتفحص ثمار الشعر العراقي المعاصر سيعرف جذور شجرتها الأصلية.

أخيراً، دعني أخبرك بما يسرّك يا شاعرنا الكبير: عراقنا اليوم فيه شعراء شباب رائعون فعلاً وقصائدهم لن تخيّب ظنك بالشعر العراقي المتميز دائماً. إذن أطمئنك بأن جمرة الشعر ستبقى مضيئة (وسط الخراب أو بسببهِ أو برغمهِ) على يد أحفاد وحفيدات السيّاب والملائكة.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 الموت أهون من خطية !


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية
صفاء خلف - شاعر من العراق


صديقي العزيز بدر، وأنت هناك في أبديتك الشاسعة، كيف حالك؟

مرّ تسعون عاماً على يقظتك الأولى في هذا العالم، واثنان وخمسون عاماً على اغماضتك الأخيرة، وما بين اليقظة والاغماضة، مرّ كثيرٌ من الموت علينا. أما المنافي التي وقفت يوماً وحسبت نفسك أنت الغريب الوحيد على الخليج، فأطمأنك بحرارة صادقة بأن الخليج ذاته بات غريباً، وان الشواطئ عجّت بالفارين من ليل العراق. أما مدينتك يا صديقي، فهي باتت خزاناً بشرياً هائلاً للموت، وهياكل تحترف البشاعة! ومن فم الفاو دخلها المحتل مجدداً. والعشائر تقصف السماوات بكثير من الرصاص.

لكن دعني أقول لك وأنت تجالس الآن أصدقاءك الغيارى ممن كنت معهم يوماً تنادم الزمن على مسرات لم تتحقق، إن نبوءة العرافة التي صادفتموها ذات يومٍ ستيني صدقت، وكذبت يا بدر حين قلت لمحمود عبد الوهاب ومحمود البريكان وعيسى مهدي الصقر وسعدي يوسف «لنتسلى»! فتلك «التسلاية» الوقحة، قذفت بكل واحد منكم إلى مصيره المفجع. فأنت - كما تعرف – بعدما ظللت تذرف الكثير من المطر في قصائدك مردداً «مطر..مطر..مطر»، لم تجد أحداً يُقلك يا بدر من الكويت عبر سفوان إلى البصرة وأنت مسجى بنعشك سوى المطر. شبعت مطراً يا أباً غيلان حتى إن عائلتك الصغيرة طردت من البيت الجاهز في الموانئ يوم مت، فكنت وعفش البيت والعائلة والبلاد كلها تحت مطرك! أما محمود، فمات غريباً وحيداً، والبريكان قُتِل ببشاعة، وسعدي يكرع الويسكي ويكتب شعراً ويشتم، لم يتبق من مدينتك سوى الظلام الذي حففتها به ورحلت.

بدر عزيزي، أرجو في المرة المقبلة، حين تبعث برسائلك إلى المجهول، ألا تعنون محل إقامتك بجيّكور/ نهر بويب؛ لأن النهر الصغير المُعذب من شهرة زائفة قد جف وبات خندقاً مترباً تغزوه الملوحة والدغل. أما منزل الأقنان، فإنّ وزارة الثقافة العتيدة حولته إلى بلاتوه رخيص، وعلبة فاقعة مغطاة بطين مستورد، وشناشيل ابنة الجلبي عند مفرق باب سليمان، قد تداعت، ويقال إن مولاً سيقام على أرضها، عموماً لا تقلق... أنت ما زلت تقف بصلافة عند شط العرب قبالة البنك المركزي. المشكلة أن أهل مدينتك دوماً يوجهون الاهانات إليك- هل شاهدت الرايات ـ؟، فأنت الجنوبي المسلول المفلس الجائع تتجمهر ببزة أنيقة أمام خزان المال، حتى انك أصبت بشظية من الشرق، فخرقت جيبك الفارغ واندلق الكثير من الانتهازيين منه، لكن الحكومة قررت إغلاق خرم الشظية! وأجدني أدعوك ملزماً يا بدر أن تُحسّن علاقتك بالله في الفترة المقبلة، ريثما تقنعه باستقبال تمثالك أيضاً، ولا تستغرب فأنت الوحيد الذي تدير ظهرك إلى شرق البصرة الآن، ولا أظن إن أي خوذة ستقيك رصاصة حاذقة تصيب اعتراضك! مرة، حين كانت البصرة جبهة عقب 20 عاماً من موتك، وبات الجامعيون والأكاديميون يلبسون الكاكي، افترض الراحل الدكتور علي النجدي سؤالاً: ماذا كنت ستفعل لو كنت الآن مقاتلاً في خندق؟!

صديقي العزيز بدر، حملني الشاعر الراحل محمد علي الإسماعيل أمانة تذكيرك بأن ثمة قصائد لم تنشر لك بعد، وهو يقترح عليك أن تُطبِّع بدار الأبدية، وتوزع على منتحلي الشعر، كمساهمة جادة منك في رعاية المواهب الضارة!

بدر... البصرة لم تعد بصرتنا التي نعرف، ولم يعد من النخيل الفسيح شيئاً، وإن القمر الذي كان يداعب وهناً صفحة الماء ساعة السحر، تغطيه الآن طبقات سميكة من النفط الأسود. أما الدروب، فنما فيها كثير من الجوع. لذا أرجو أن ترسل لأحمد الناطور أن يستبدل ما كتب على شاهدة تمثالك بـ: «ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث، في الدروب تحت الشموس الأجنبية/ متخافق الأطمار، أبسط بالسؤال يدا نديّة/ صفراء من ذل و حمى: ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية/ بين احتقار، وانتهار، وازورار .. أو «خطيّة»/ والموت أهون من خطّية».

الرسالة من أبي الخصيب/السيبة/الشلهة البحرية.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 فرحنا جميعاً بفوزكَ بــ «نوبل»


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية
شاكر لعيبي - شاعر عراقي مقيم في تونس


سيدي العزيز: فرحنا جميعاً بفوزكَ بجائزة «نوبل» للآداب هذا العام. انتظرنا طويلاً أن تحيد الجائزة مرة عن طريقها، وتُمنح لشاعر عربي، مع معرفة أعضاء الجائزة بترسُّخ الفنّ الشعريّ في الثقافة العربية، ومع ترشيحنا لكَ، سيدي، مراراً وتكراراً، وإشاحتكَ عنها وزهدكَ بها وانغمارك بكتابة الشعر وحده، وترنيمه، في غرفة معتمة، بصوتٍ أجشّ، في عزلة الوجود.

قرأتْ «نوبل»، هذه المرة، النصَّ، ولم تقرأ تعليقاتِ مقرّريها الموصولة بالشائعات والأقاويل والسياقات السياسية والأفكار المسبقة والوكلاء الفاعلين لصالح هذا وضدّ ذاك.

فهمتْ «نوبل» أخيراً أن الشعر يمكن أن يُحوَّل نُهيراً ضائعاً مثل بُوَيْب، إلى نهر من أنهار الميثولوجيا، وأن اسماً من جنوب العراق يمكن أن يرنّ صداه أبعد من كلّ خليج. قرأتْ جائزة «نوبل» أخيراً الشعر العميق وحده، وليس ما تتصوّره عن الشعر، وما يعتقد آخرون بحزم أنه ماهية الشعر الحقيقي. إنّها لمعجزة سيدي أن تُمنح نوبل لكم في سنواتنا العجاف هذه، بخاصة بعدما أحاط بشخصك الكريم من تصوّرات، صحيحة وواهمة، عن مواقف متناقضة وتقلبات فكرية ونزوات سياسية وما قيل عن مرضكَ العضال، وبعيداً عن كلّ شفقة، وكل حدّة صادرة منك وموجهّة ضدّكَ، وكلّ مديح عالٍ.

نحن فرحون، ونحن نعلم أنّ «نوبل» هي جائزة كغيرها من الجوائز الممنوحة في الغرب والشرق، وأن ما تَشْهَد لحظات مداولات وإعلان الجائزة من تدخلات وعلاقات عامة وخاصة لا يختلف بشيء عما يَحْدث، قبل وأثناء وبعد، توزيع جوائز عالمنا العربي، في مجال الشعر بشكل خاص.

ستظلّ، سيدي، في ضميري، شاعراً مهموماً بالكائن والوجود، حصلتَ على جائزة «نوبل» أو لم تحصدها.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 كيف تحيي أبي غيلان لو صادفته اليوم ؟


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية


في هذا التقرير، توجّهنا إلى عدد من الشعراء، نسألهم أن يتصوّروا لو صادفوا السياب اليوم في أحد شوارع المدن التي تقيمون بها بين بغداد والبصرة والأنبار وبين مغتربات العراقيين في هولندا وأستراليا، حيث يقيم اثنان من الشعراء اللذان استجابا بتفاعلهما مع سؤالنا الافتراضي.
أدناه نصوص الأجوبة:

■ جئت إلى المكان الصحيح أهلاً وسهلاً بك. لكنك تأخرت قليلاً ولا بد من أن أوصلك إلى مدينة تير آبل حيث تطلب اللجوء رسمياً في هولندا.
خزعل الماجدي

■ أكتب لك من بغداد التي ظلمتها الأقدار، وظلمتنا نحن الشعراء من بعدك، فبرغم كثرة من كتبوا عنك، إلا إني أرى انك شاعر مظلوم، وما زلنا بحاجة إلى أن ندرس شعرك جيداً.
حميد قاسم

■ «مت» بخير يا بدر. لئن لقيت السياب، الشاعر، في سوق في البصرة، أو تحت نخلة في أبي الخصيب، أو على ضفة نهر صغير، مثل بويب، لقلت له: سيدي بدر، منذ سنوات وأنا أقارع بسيف قصائدك حكومات الصدفة العراقية، أولئك، الذين أتوا بحقدهم وجهلهم وسوء طويتهم على غابة نخلك، وردموا أنهارك، ولم يحفظوا لشعرك إلّأ أو ذمة. لكنني، بسبب التهافت الذي أودى بمواقف غيرك من الشعراء والأصدقاء، سأخشى عليك، من أن تميل مثل غيرك من مثقفي العربية إلى طائفتك وحزبك وقوميتك. هذا زمن عربي لا يأمن فيه أحد على أحد. مت بخير يا بدر، ولتبق صورتك كما هي في أذهاننا دائماً.
طالب عبد العزيز

■ السياب كما تذكر سيرته قد مرّ في الرمادي وعاش فيها لفترة محددة، ودرّس في ثانويتها الوحيدة آنذاك، وقصيدته المشهورة «السوق القديم» هي عن سوق الرمادي القديم. لهذا أقول له حين أراه هنا في الرمادي:

الثانوية تهدّمتْ يا صديقي السياب

والفندق الذي كنتَ تسكنه أمسى خراباً

أما السوق القديم فلم يبقَ فيه سوى غمغمات عابرين خائفين

كأنّ قصيدتك كُتبتْ اليوم

كأنها نبوءة
فـ «خُطى الغريب»

خطاكَ آنذاك

هي خطانا كلُّنا الآن في هذا الشرخ المريب لحياتنا

بل أنت معي هذه اللحظة ترى «من خللِ الدخان» ما لم نره حينها

أيها الشاعر الذي رأى كلّ شيء!

نامق عبد ذيب

■ يا بدر، هل أقول لهم أنّك حيٌّ؟
جمال علي الحلاق

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 لو كان صديقك في الفايسبوك ؟


جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٠٦٦ السبت ٢٤ كانون الأول ٢٠١٦
جريدة الأخبار
ادب وفنون
تسعون عاماً على ولادة رائد الحداثة الشعرية


استكمالاً لملف «الأخبار» عن السياب في ذكرى ولادته التسعين، طرحنا السؤال التالي على عدد من الشعراء العراقيين: لو كان صاحب «أنشودة المطر» صديقك في الفايسبوك، ما الذي ستقوله له؟

ما ضرك يا صديقي لو ختمت قصيدتك «أنشودة المطر»: «ما مر عام ليس في العراق جوع» بهذا السطر: «.. إلا والعراق.. في حرب وفي خطر.. مطر.. مطر».
رعد زامل

■ ■ ■

* يا سيابنا، إننا عملنا «غروب» شعرياً في الفايسبوك يضم الجواهري والبياتي وبدوي الجبل وأدونيس وأنسي الحاج ومحمود درويش، فلماذا لا تشترك في هذا «الغروب» وتتفاعل؟
عارف الساعدي

■ ■ ■

* عزيزي السياب! لم يسرني التعرف إليك شخصياً، فأنا مؤمنة بهذا القول «تبقى القصيدة جميلة حتى تتعرف على كاتبها».
مريم العطار

■ ■ ■

* المطر لم يتوقف حتى الآن، مطر بلا شرفة بلا عينين بلا سَحر، مطر وطين فقط، هذا العمر يا بدر.
علي الحمزة

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



 بدر شاكر السياب… حياة القصيدة حين تلبس أثواب الرفض


جريدة القدس العربي


السنة الثامنة والعشرون العدد 8686 السبت 24 كانون الأول (ديسمبر) 2016 - 25 ربيع الأول 1438 هـ
جريدة القدس العربي
ثقافة
بغداد من صفاء ذياب


أكثر من نصف قرنٍ على رحيل الشاعر بدر شاكر السيّاب وما زال الجدل حول شعره مستمراً، هل تمكّن هذا الشاعر من كسر طوق القصيدة العربية فعلاً؟ وهل كانت قصائده خرقاً للذائقة العربية آنذاك؟ وهل كان السيّاب بالفعل رائد القصيدة الحرّة، أم نازك الملائكة أو علي أحمد باكثير أو شاعر آخر لم يلتفت له التاريخ؟
السيّاب الذي رحل في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1964 بعد صراع طويل مع المرض والفقر والفصل من الوظيفة، ربما كان واحداً من جمع من الشعراء الذي غيّروا خريطة الشعر العربي، واحداً من بنية ثقافية أسهمت في إعادة التفكير بالأسلوب القديم وكسر أطواقه، لكنه مع هذا كان الملهم الأهم لأجيال جاءت بعده.. وربما هذا هو ما يميز صوته الشعري، وتحولات قصائده، كونه نموذجاً للرفض والسعي للخروج بأنماط أخرى.

دراسات لم تكتمل

يرفض الشاعر محمد صالح عبد الرضا كلام القائلين إن شعر السياب استهلك بحثاً، ذلك أن الدراسات النقدية التي تصدت لشعره باتجاهاتها المتنوعة، وطروحاتها المتباينة في استنطاقها النص السيابي على كثرتها، لم تستوف تطبيقات المناهج النقدية الحديثة غير الانطباعية، مثل البنيوية والتفكيكية وما بعد الحداثة، وفي ذلك دراسة العلاقات المتخيلة مع منظومة العلاقات الواقعية ودراسة الأنموذج البشري أو تحليل شعره لسانياً أو استغواره إيقاعياً ذاتيا وموضوعياً، وكذلك من المفيد حرث حقله السايكولوجي والمركب الوجداني في دراسات جادة ومستقلة.

يرى الناقد سلمان كاصد أنه من الضروري النظر للسياب من زاوية مهمة وهي علاقة الشاعر بالديمومة، وإلاّ كيف نفسر بقاء واستمرار الظاهرة السيابية بعد سبعين عاماً من اكتشافها وتطويعها لشكل القصيدة العربية؟ الظاهرة السيابية مختلفة تماماً عن كل الظواهر الشعرية العربية التي سرعان ما تختفي بعد التعرّف عليها إبداعياً، إلا السياب وصياغاتها الشعرية العربية، إذ ظلت رؤاه تدخل أزماناً وتخرج منها نحو أزمان أخرى وهي أقوى مما قبل.

ويؤكد كاصد أن الظاهرة السيابية لم تمت، وكأننا أمام رؤى تتجدد، الأبنية الشعرية لبساطتها وخفتها على الكلام، والصيغ الأسلوبية لترابطها الثر ولتعانقها الأخّاذ ظلت أكثر صفاءً، حتى قصيدته «أنشودة المطر» صارت أكثر الأناشيد التي تستدعيها لحظة انهمار المطر، وكأن الأنشودة قد صيغت من الانهمار الطبيعي للمطر نفسه، فقد تحوّل المطر إلى كائن شعري باذخ.. مثلما تحّول بويب إلى نهر في ذاكرة الشعرية العربية على الرغم من أنه لم يكن سوى ساقية صغيرة لا تعني في واقعها شيئاً أبداً، إنه خارج الجمال بمعناه الواقعي.. داخل مركز الجمال بمعناه الكتابي.

لننظر إلى صياغات السياب، لم أجد في «أنشودة المطر» فاعلاً يجاور فعله، لم يقترب الفاعل من فعله، لابد أن يكون هناك فاصل ما؛ أي فاصل، كل ذلك لخدمة القافية التي تمطر سحراً لقمرٍ يسقط في نهر.. «كما اكتشف السياب عبر القصيدة التي كتبها سمات الواقع ولم يصوّر واقعاً، إنما أخرج جدليته، فصاغ قوانينه التي لم يبصرها في البدايات أحد غيره، ذلك هو السياب الذي ظل في ديمومته، على الرغم من التحولات المتعددة في أبنية الشعر العربي، التي لم تستطع أن تطمس تجلياته وكشوفاته وصياغاته، وهذا هو أهم قانون في شعرية القصيدة التي صاغها السياب أن تظل جميلة دائماً».

السياب وديمومة الأثر

يتحدث الناقد باقر جاسم محمد عن أثر السياب في الشعر العربي، مبيناً أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاته، مال زال بدر شاكر السياب شامخاً بصفته أحد أعلام الحداثة في الشعر العربي المعاصر؛ ذلك أن نتاجه الشعري الغزير والمتنوع والمتجدد كان وما زال حاضراً بقوة، فليس غريباً أن يكون موضع اهتمام ودرس، على المستويين الأكاديمي والنقدي، على الرغم من غيابه الجسدي المبكر. تمكّن السياب، من خلال نتاجه الشعري في الدرجة الأولى، وفي هذا العمر القصير نسبياً، وعلى الرغم من اعتلال صحته، أن يسهم، مع شعراء آخرين، في منح الشعر العربي الحديث هويته المميزة وأن يقدم له قصائد رائعة تمثل، آثاراً خالدة يمكن أن تكون من بين القصائد الأنموذج الدالة على الشعرية العربية الحديثة، مثل قصائد «أنشودة المطر» و»النهر والموت» و»المسيح بعد الصلب» و»شباك وفيقة» بجزئيها. وفضلأً عن ذلك، فإن السياب واحد من الشعراء العرب القلائل الذين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم متوناً شعرية ونصية مميزة ودالة عليهم ومؤثرة فيمن جاء بعدهم من الشعراء. ويضيف محمد: ولم يكن للسياب أن يحقق ذلك لولا أنه عاش تجربة الوجود بإخلاص. فقد واجه؛ بشجاعة، كل ما تنطوي عليه الحياة من المحن ومن خذلان الجسد والأوضاع السياسية والاجتماعية المضطربة، وما آلت إليه من الأخطاء والخطايا. فحوّل كل ذلك إلى شعر حي جديد شكلاً ومضمونأً، شعر نابض بالحياة ويتسم بالجمال والعمق لأنه كان يصدر عن خصوبة المخيلة الشعرية لديه، فقد منح السياب شجرة الشعر العربي روحاً جديدة وأغصاناً خضراء نضرة، بعد أن جف عود شعر الشطرين وأوشك أن يتيبس. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أن السياب قد تفرد، من بين الشعراء العرب المحدثين، بأنه منح الأمكنة التي عاش فيها، مثل قريته (جيكور) ونهيرها البسيط (بويب) وساحة (أم البروم) في البصرة شهرة وذيوعاً، ما أضفى على هذه الأماكن الخلود من خلال نقلها من الوجود المادي الواقعي المحدود إلى الوجود النصي المتجدد في كل قراءة.

كباش السيّاب

كان السياب – بحسب الشاعر علاوي كاظم كشيش- مفترقاً مهما جعل هذا القارئ يبحث عن الشاعر الحر وليس عن الشعر الحر، إذ إن الأشكال لم تشكل عائقاً أمام الإبداع، ولهذا ظل الشعر حرّاً في جوهره يحتل أي شيء شكل يشاء، ومثلما أن قِدَم الأشكال لم يعق الإبداع، فإن حداثة الأشكال لم تنفع كثيراً من التجارب الفجة. لهذا وجد هذا التلميذ القارئ للسياب أن مشكلة الشاعر الحر لم ترس لها حلول أو نظرية على الأقل تقود إلى تطبيق يصح على كثير من القمم الشعرية، على أن الشاعر الحر موجود هناك في الكواليس خلف الواجهات، وفي طرقات الإبداع الوعرة التي هي صعبة المرتقى على الباحثين عن الجاهز والمصطف والمجتلب قديماً وحديثاً. وعلى هذا القياس البسيط، فإن السياب لم يكن شاعراً حرّاً ولا شعره، فهو كان متذبذباً بين أن يختار أو لا يختار. ولذلك أصبح سهلاً هو وشعره على الدراسين. ثم أدخله الإعلام المتعاطف إلى مصاف الرمز وظل الحكم الحقيقي عند قارئه المستبعد الذي تم اغتياله مع الشاعر، وهو وحده (القارئ) الذي يشم روائح قصائد السياب ويتمثل المضيء منها، وهذا على قلّته فإنه إبداع سيابي لا يندثر باندثار بويب. كشيش يقول إن قارئ السياب يؤمن بأن الشعر كلام مقيد غير حر، ويفرق بين الكلام الشعري وبين الشعر في جوهره المتغلل في الأشياء والأفكار، وهو جوهر لا يختلف عن السحر إلاّ في الأدوات، وإن كان العرب قد وصفوا البيان بالسحر، كما في الحديث النبوي الشريف… وقارئ السياب يؤمن أيضا ألا شيء أكثر ابتكاراً ولا أشد شخصية من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء، فالأسد مكون من كباش مهضومة؛ بحسب فاليري.

تحجّر القصيدة

وحسب الشاعر أديب كمال الدين فإن السياب لم يلقِ حجراً في بركة ماء راكدة، بل حفر نهراً عذباً من الشعر شرب منه آلاف الشعراء العراقيين والعرب. فقد امتلك كلّ صفات الشاعر الفذّ: امتلك موهبة نادرة، قاموساً شعريّاً خاصاً، فهماً عميقاً للنمو العضويّ في القصيدة، اقتصاداً في المفردة، معاناة عميقة، لغة ثانية مكّنته من النهل من تجارب كبار شعراء العالم، ولذا كان نتاجه خلّاقاً حتى أنه غيّر الذائقة الشعرية العربية، وقبل ذلك، بالطبع، غيّر القصيدة العربية إذ كانت قد وصلت في زمنه إلى أقصى درجات التحجّر. ولولا هذا لما استطاع أن يحقق التغيير الكبير الذي صار بفضله معلّما قلّما يجود الدهر بمثله وليبدأ عهد شعر التفعيلة بدلاً من الشعر الكلاسيكي الذي أكل عليه الدهر وشرب. ويوضح كمال الدين أن بعض شعراء الستينيات في العراق حاولوا «اختصار» المنجز السيّابيّ بثماني قصائد فقط هي: «أنشودة المطر، في المغرب العربي، المسيح بعد الصلب، أغنية في آب، غريب على الخليج، سفر أيوب، النهر والموت، شناشيل ابنة الجلبي»، وحتّى لو افترضنا جدلاً بصحة هذا الاختصار- وهو اختصار تعسفي دون أدنى شك- فإنّ هذه القصائد قد كتبها السياب لا لتتألق في جمالها وعذوبتها وفرادتها ولغتها، بل لتتحدّى سطوة الدهر وهو الممتحِن الحقيقي الذي يغربل كلّ شيء فلا يبقى على شيء إلّا ما كان من معدن أصيل. مبيناً أن هذا يحدث رغم أنّ القصيدة العربية قد دخلت منذ زمن ليس بالقصير في منعطف قصيدة النثر، وهو منعطف كبير أهّلها لتكون مرآة جمال عميقة على يد المبدعين الحقيقيين من الشعراء، لكن هذا ما كان ليتمّ لولا المنجز السيّابي المتدفّق، المتفرّد الذي شقّ نهر التغيير العظيم.

علامة فارقة

غير أن الكاتب حسان الحديثي يؤكد أنه لم يعدْ يعنينا كثيراً الخلافُ حولَ من بدأ شعرَ التفعيلةِ؛ هل هو بدر شاكر السياب؟ أم نازك الملائكة؟ كما لم يعدْ يشكل هذا السؤال أهميةً كبيرةً لدى المهتمين بالشعرِ الحرِ خصوصاً، وبالأدب عموماً، وذلك أن القناعة أصبحت متكاملةً أن هذه المدرسةَ لابدَّ ناشئةٌ إن لم تكن بالسياب فبغيره. فنشأةُ شعرِ التفعيلةِ ضرورةٌ أدبيةٌ كان لابدَّ لها من الظهور وليست ترفاً أدبياً كما كان يظنُّ، أو يتهم بعضُ شعراءِ ونقادِ أهل ذلك الزمان ومن عاصرهم وأتى بعدهم، إنه مؤامرة على الشعر العربي وقال بعضهم سموه ما شئتم إلا شعراً، والضرورة في نشوئها وظهورها هو أمر له علاقة بالمعاني لا بالتراكيب الشعرية من بحورٍ وقوافٍ، وما جعل السياب يبتكر تكرار التفعيلة الواحدة في المقطع الشعري متجاوزاً الحد «الخليليَّ» المسموحَ به، إنما هو لإتمام المعاني وللانطلاق في فضاءاتها لكي تكتمل صورها آخذاً بنظر الاعتبار أنَّ القلة في التكرار هو الأصل والمحبذ والزيادة ضرورة لإتمام المعنى.

أما القافية، فيشير الحديثي عنها إن السياب أدرك – بحس الشاعر- أن اللغة العربية هي لغة صوت، بالإضافة إلى أنها لغة معنى، وإن وقْعَ الصوتِ له أهميةٌ لا تقل شأناً عن المعنى، عندها وجد في شعر التفعيلة سعةً في المساحةِ والأفقِ لتحقيق ذلك، فلم يمنعْهُ حينها مانعٌ أن ينتقل من قافيةٍ لأخرى، ما رأى أن ذلك يخدم المعنى مراعياً جِرسَ المفردةِ وتأثيرها في البناء الشعري من جانب ووقعها في أُذن المستمع من جانب آخر… ليس ذلك فحسب، فالأمر الذي يعدّه بعض الأُدباء والنقاد ضعفاً في شعر العمود أصبح مصدر جمالٍ في شعر التفعيلة وهو «التدوير»، إذ اصبح التدوير سمةً جمالية فارقة في شعر السياب وأن بناءه الانسيابي الذى راعى أهمية الإيقاع وسلاسة البناء جعله سمةَ جمـــالٍ وإمتاع. هذا على صعيد القارئ العربي، أما على الصعيد العالمي، فإن السياب- وبعد مرور ما يزيد على نصف قرن لرحيله- يعد من أكثر شعراء العربية ترجمةً- إن لم يكن أكثرهم- إلى بقية اللغات، ليس ذلك فحسب، بل لقد تمت ترجمة القصيدة الواحدة عدة ترجمات، لاسيما اللغات الأكثر انتشاراً كالإنكليزية والإسبانية والفرنسية، ولا يزال المترجمون العرب والمستشرقون يجدون أن القصائد المترجمة تحتاج إلى ترجمات أخرى للإلمام والإحاطة بمعاني السياب وصوره وإشاراته، ولا تكاد تخلو جامعةٌ تدرس الأدب العربي من شعر السياب كعلامة وأساس من علامات وأُسس الأدب العربي الحديث… كل ذلك يجعل الشاعر الكبير والأديب العبقري بدر شاكر السياب يشكل نقطةً فارقةً في الشعرِ العربي على وجه الخصوص والعالمي عموماً.

عن موقع جريدة القدس العربي

عدد المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.



عن صورة المقال

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)