فضاءات السّينما الجزائرية، بغداد أحمد بلية (الجزائر)، بحث نظرة بانورامية على تاريخ السّينما في الجزائر

, بقلم محمد بكري


جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة السادسة والعشرون ـ العدد 8349 الأربعاء 20 كانون الثاني (يناير) 2014 ـ 10 ربيع الثاني 1437هـ
عبد الحفيظ بن جلولي، كاتب جزائري


قراءة في «فضاءات السّينما الجزائرية» ونظرة بانورامية على تاريخها


لقد تفتّق وعي جيل ما بعد الاستقلال في الجزائر على المؤثرات الفنّية النّاقلة للذاكرة، التي ناضلت واستمرت في نضالها لأجل خلق حركة تتماشى والواقع المتحرّك في التاريخ وفي الإنسان أيضا.

وأكاد أجزم أنّ السينما كانت في مرحلة من المراحل تكاد لا تجد تسمية مصطلحية سوى «السّينما الثورية»، لأنّ المتتبع للحركة السّينمائية في الجزائر يجد أنّها موضوع حامل للكثير من القيم، أي أنّها بدأت قيمية بالدّرجة الأولى، ومفهوم القيمية لا يعني أنّها فاقدة للفنية، أو أيديولوجية خالصة، بل لعل السّينما الوطنية الجزائرية كانت أكثر مغامرة داخل الوجدان الفنّي الخيالي، فـ»التصوير في مواضع وجود الجنود الجزائريين يعتبر مغامرة خيالية»، كما يرى الباحث بغداد أحمد بلية، وهذا ما حاول التأكيد عليه هذا الباحث في مؤلفّه الممتع «فضاءات السّينما الجزائرية/نظرة بانورامية على تاريخ السّينما في الجزائر»، وهو جهد أكاديمي ألقى نظرة على هذا الإرث الفنّي الجمالي الذي صاحب الذاكرة في تماهياتها الجمالية المخيالية مع الحدث التاريخي الواقعي. ولكنّه أيضا لم يفلت تطوّر السّينما في الجزائر في تشظياتها المتعدّدة واستلهامها للواقع في تفاصيله المتجدّدة وتحوّلات اللحظة العميقة في الذاكرة، حيث يبدأ المدخل إلى تاريخ السّينما الجزائرية برؤيته لطبيعتها النشأوية قائلا: «وفي كل هذه المراحل التاريخية لم تبعد السّينما الجزائرية عن جوهرها الفنّي إلا لماما، وظل النقاد والكثير من السّينمائيين يدعون إلى تسبيق الجانب الفنّي على الجانب التّجاري في الإنتاج السّينمائي الجزائري»، ولعلي هنا أفضّل هذا الجانب، الذي يؤكد على أهمّية المرحلة التاريخية في تأسيس سينما جزائرية طليعية تستند إلى قاعدة صلبة من التاريخ كزاوية لرؤية العالم في تحوّلاته الأيديولوجية والواقعية، أي تلك التي تتعلق باليومي في تعالقاته مع التاريخي والفكري، وهو ما يجعل هذه السّينما قيمية بالدّرجة الأولى، تعتمد الفن في نسج ملامح الحركة على الشاشة الكبيرة، ولعل وجه هذه السّينما كما يوضّح بغداد أحمد ظهر «مع وجود مبدعين حقيقيين قاوموا الشركات التّجارية للحفاظ على أفكارهم ومبادئهم وإبداعاتهم.. بداية من شارلي شابلن وإزنشتاين وفون شترويم وفرنسوا تريفو وغيرهم». يؤكد هذا الإصرار من الباحث على التّفريق بين السّينما التجارية والسّينما ذات التوجه الفنّي على الجانب القيمي في السّينما الوطنية. ينقسم هذا العمل الجاد إلى قسمين: علاقة السّينما الفرنسية بالفضاء الجزائري، والسّينما الجزائرية. يذهب الباحث إلى أن بدايات السّينما الجزائرية كانت في النّصف الثاني من القرن العشرين، لكنّه يؤكد في الوقت ذاته على أنّ الجزائر عرفت فنّ السّينما قبل ذلك بنصف قرن من الزّمن، وهو ما جعله يفرّق بين مصطلحين اثنين: «السّينما الجزائرية» و»السّينما في الجزائر»، مضيفا إليهما مصطلحا ثالثا وهو «السّينما الكولونيالية»، الذي تناوله الكثير من المؤرّخين الفرنسيين، ومن بينهم روبير موريس باتاي وكلود فييو في مؤلّفهما «كاميرات تحت الشمس» وكذلك ب. لوبروهن في كتابه «السّينما والغرائبية» عام 1946، وغي هنبيل في كتابه «السّينما والمجتمع في المغرب»، ومن الجزائريين عبد الغني مغربي، الذي أكد ما ذكره النقاد والمؤرّخون الفرنسيون بأنّ سينما ما قبل الثورة في الجزائر كولونيالية، من خلال كتابه «الجزائريون في مرآة السّينما الكولونيالية»، ويخلص الباحث بغداد أحمد إلى أنّه «يجب إعادة النّظر في كل مفاهيم السّينما الكولونيالية، ومع أنّ العديد من الرّوائيين والمخرجين كانوا من مواليد الجزائر، إلا أنّ أعمالهم كانت تتوجّه نحو إنشاء سينما فرنسية أكثر منها كولونيالية جزائرية». وعلى كلٍّ، مما يمكن أن نستنتجه من تاريخية السّينما في الجزائر هو اعتماد المراحل في مسار الحدث السّينمائي الذي يمكن أن يكشف عن الفرق بين السّينما الجزائرية، التي تعبّر عن ذلك الحدث الفنّي النّابع من الخصوصية الوطنية والحضارية، وبين السّينما في الجزائر والسّينما الكولونيالية، وهي تلك التي أنتجت عن الجزائر، وقد تكون في الجزائر اعتبارا للظرف التاريخي الاستعماري، ويمكن التدليل عليهما بما أورده الباحث من مادّة فِلْمِيَة مثل: «في قلب القصبة أو ماريا بيلار» للمخرج بيار كاردينال عام 1952، والثاني «زيتون العدالة» من إخراج الأمريكي جيمس بلو.

أمّا بدايات السّينما في الجزائر فيتّفق جل المؤرّخين، حسب الباحث، على أنّها كانت على يدي الأخوين لوميير، حيث أرسل الأب لوميير قنّاص الصّور فليكس مسغش، لتصوير مشاهد حيّة لعرضها في دور السّينما، فجاب العالم ولم ينس مكان ولادته، الجزائر التي حينما وصل إليها «لم يكن حينئذ مصوّرا عاديا، إنّما أحسّ ذكريات طفولته تنهال عليه، ولم يستثن من تلك الذّكريات، العناصر والأماكن الأصلية، إنّما الجزائر بقصبتها ومساجدها وأحيائها تشكل بالنّسبة إليه ملاذا نفسيا، كما ذكر ذلك في مذكراته». وعرضت أفلام لوميير القصيرة في الجزائر العاصمة وبعدها وهران خريف سنة 1897 .

والسّينما في الجزائر أو تلك الكولونيالية كانت تعبّر عن التوجّه الاستعماري الذي يبحث في الواقع الجزائري لا لتعريته وحسب، ولكن لمحاولة كسره وترتيب أوراق الهوية النّاقصة، تلك التي تحتاجها العقلية الاستعمارية الاستعلائية، إذ لا يمكن أن تتشكل استعلائية المستعمر من دون شعور المستعمَر بالدّونية والنّقصان، وهو ما كانت تبحث عنه السّينما في الجزائر لتثبيت هوية النّقص، وهو ما يمكن أن نقرأه في أفلام جورج ملياس، الذي لم يزر يوما الجزائر ولكنّه تعرّض في ثلاثة من أفلامه إلى موضوع العربي والجزائري المسلم، وهي «المسلم المضحك» في دقيقتين عام 1897، وشبح الجزائر» 1906، و»علي باربويو علي يأكل بالزّيت» وكلها تقدّم صورا تسخر من شخصية العربي والجزائري المسلم.

لا يمكن ونحن نحفر في الذّاكرة السّينمائية الجزائرية، من دون أن نذكر روني فوتييه الذي كان من المناهضين للسّياسة الاستعمارية الفرنسية، أخرج فيلم «أفريقيا 50» الذي صودر وحوكم عليه بالسّجن إلى غاية سنة 1952، «وبعد اندلاع الثورة الجزائرية يقوم بإخراج فيلم جديد «الجزائر أمّة»، الذي حوكم بسببه أيضا، وعلى إثر ذلك سافر إلى تونس ومنها التحق بالجبال ليصوّر حقيقة ما يحدث فيها من مناهضة لأكاذيب المستعمر.

يعرّف الباحث بغداد أحمد السّينما الجزائرية بأنّها تلك «التي أنتجها أو أخرجها جزائريون»، ويذكر أنّه على هذا الأساس «يكون المخرج طاهر حناش أوّل سينمائي ينتج عملا سينمائيا جزائريا»، إذ أنتج عام 1950 فيلما وثائقيا عن مدينته قسنطينة يحمل عنوان «قسنطينة»، وفي سنة 1953 أخرج «غطاسي الصّحراء»، وهما من إنتاج جزائري وعرضا في قاعات، وهي شروط العرض السينمائي كما يذهب إلى ذلك الباحث، وبعد الثورة التحريرية عرفت السّينما الجزائرية مجموعة عروض لأفلام قصيرة منها «الحموات» لمصطفى غريبي و«الدجالون» لعلي عبدون و«السي الهواري» لمحمد توري، و«المتسوّلة» لمحيي الدين بشتارزي، وفيلم مطوّل لعبد الحليم رايس «التضحية غير المجدية» سنة 1955، ومن خلال هذا العرض لطبيعة المادّة الفيلمية لما قبل وبعد الثورة نرى أنّ الجزائريين عرفوا نوعين من الأفلام، منها الوثائقية مع طاهر حناش وبعدها مجموعة أفلام قصصية. ويرى الباحث بأنّ «سبب إنشاء سينما جزائرية سياسي خالص»، وهو ما يجعل الاعتقاد قائما في قيمية السّينما الجزائرية، حيث يرى الباحث أنّ سبب اهتمام جبهة التّحرير الوطني بالسّينما يعود إلى إدراكها لأهمية الصّورة في تحريك القضية الجزائرية وعرضها أمام الرّأي العام الدولي، فتأسّست «لجنة السّينما» عام 1960، وبعدها «مصلحة سينما الحكومة المؤقّتة» و»مصلحة السّينما» التابعة لجيش التّحرير الوطني، وظهر سينمائيون جزائريون أمثال شولي وجمال شندرلي ولخضر حمينا، وهناك أسماء ظهرت بعد الاستقلال من بينهم أحمد راشدي ونصر الدّين قنيفي ومحمد قنز.

يعدّ كتاب «فضاءات السّينما الجزائرية» لبغداد أحمد بلية من الكتب القليلة أو النّادرة التي تناولت هذا الجانب في تتبع تاريخية السّينما الوطنية من حيث الجذور والأصول، ومن حيث التأصيل لبعض المفاهيم الفنّية التي تتعلق بحقيقة هذه السّينما التي ترجع جذورها إلى فجر ظهور السّينما العالمية على يد الأخوين لوميير، والباحث في هذا العمل يتتبع السّينما الجزائرية إلى أيامنا هذه، لكن ما يهمّني في هذه العجالة التّقديمية والقرائية في «فضاءات السّينما الجزائرية» هو الجانب القيمي الذي لا يعني إهمال الفنّية فيه، ولكن يعني بالدّرجة الأولى التأسيس السّينمائي الهادف، الذي لم يكن تجاريا منذ البداية مما يعني صدق الرّؤية ونباهة المسلك في إنتاج فعل سينمائي يليق بقلعة الثوار، ولهذا نجد مثلا إلى حدود بداية التسعينيات ظهور بعض الأفلام التي كانت تعكس هذا المنحي القيمي الثوري بالمعنى التغييري في السّينما الوطنية، ولعلنا نذكر فيلم «عمر قتلاتو» لمرزاق بقطاش عام 1977، «الذي استعرض الحياة اليومية للشباب العاصمي، وفيلم «عائلة كي النّاس» «حيث ألفينا عمار تريباش يعطي الأهمية الكبيرة لنوع الكوميديا الاجتماعية».

على الأقل بالنسبة لي يمكنني الزعم أنّه من زاوية الرّؤية القيمية للسّينما الجزائرية يمكن أن نحصر بعض أسباب تدهور حالتها في ما بعد التسعينيات، حيث نجد أن الصناعة السينماتوغرافية بالمعنى الحرفي فقدت الكثير من وجودها مع زوال العديد من دور العرض، وأصبحت السينما بالمفهوم الثقافي والاجتماعي في خبر كان لأنّها فقدت القاعدة الأداتية لوجودها.

عن موقع جريدة القدس العربي الجديد

عن موقع جريدة القدس العربي

- المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)