غياب الليالي اللبنانية عن مهرجانات بعلبك للمرة الأولى منذ عام 1957

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الثلاثاء 21-08-2017
الصفحة : ثقافة
محمود الزيباوي


غياب “الليالي اللبنانية”


بعلبك 1960 بعلبك وفيروز بعلبك 1965 مهرجانات بعلبك على طابع بريدي ليالي بعلبك


كما في كل عام، يشهد صيف لبنان سلسلة طويلة من المهرجانات الفنية. اللافت اليوم، غياب “الليالي اللبنانية” التي أنشأتها “لجنة مهرجانات بعلبك” للمرة الأولى سنة 1957، وتحولت إلى نهج فني عمّ سائر الربوع اللبنانية حتى الأمس القريب.

وُلدت “مهرجانات بعلبك الدولية” في صيف 1955، واستهجن البعض غياب أي نشاط محلي عن عروضها التي غلب عليها الطابع العالمي النخبوي. في 2 نيسان/أبريل تحدّثت مجلة “الشبكة” عن اجتماعات تُعقَد في القصر الجمهوري “لوضع أسس مشروع فني في لبنان”، في رعاية السيدة زلفا شمعون، عقيلة رئيس الجمهورية، وهي صاحبة هذا المشروع. حضر هذه الاجتماعات، بحسب ما جاء في هذا الخبر، “فريق من أصحاب الاختصاص في شؤون السياحة والفنون والذوق الرفيع، وكان بين هؤلاء البروفسور فليحان مدير الكونسرفتوار الوطني، واقترح حضرته أن تكون المهرجانات من بابها إلى محرابها غربية، رقص غربي وغناء غربي وتمثيل غربي وهوا غربي. غير أن هناك من أصرّ على ادخال العنصر الوطني في المهرجانات، ولو من قبيل جبر الخاطر. ووافق البروفسور، من قبيل جبر الخاطر. وعهد إلى الفنان نجيب حنكش تطعيم مهرجانات بعلبك بمشهد لبناني يُمثّل عرسا قرويا، وسيتخلل العرس غناء لبناني، ورقص لبناني، ومشاهد لبنانية، والمعذرة من البروفسور المحترم”.

استقبلت الصحافة الحدث بحماسة بالغة، وكتبت مجلة “الإذاعة” في تلك المناسبة: “أهم ما يشغل لجنة مهرجانات بعلبك هو ابراز الليالي اللبنانية التي يتخللها الرقص الشعبي والتمثيليات التي تتّسم بالطابع اللبناني، وهذا لم يتيسّر لها هذا العام، فإنها ترجو أن توفق إلى إظهار هذه الليالي على روعتها وعظمتها في السنة القادمة. ونذكر ان وزارة المعارف اللبنانية دعت أستاذ الرقص في الاتحاد السوفياتي نيقولاي موسييف لتنظيم بعض الرقصات الشعبية، منها الدبكة ولعبة السيف والترس ورقصة السكين وغيرها، استعدادا لتلك الليلة اللبنانية التي تنوي لجنة المهرجانات احياءها عام 1957. وقال السيد موسييف قبل سفره ان لبنان غني بالرقصات التي توحيها المناظر الطبيعية الخلابة، فعلى المسؤولين تأليف فرق شعبية راقصة لتهذيب هذه الرقصات ووضع قواعد لها، وقال إنه تقديرا لما شاهده في لبنان من الذوق الفني، سيعمل على ادخال رقصة الدبكة والسيف والترس في برامجه الفنية في الاتحاد السوفياتي”.

في العام التالي، أسندت المهمة إلى الإذاعي المرموق صبري الشريف وليس إلى نجيب حنكش، وأُعلن عن حفلتين تحييهما فيروز مع كورس مؤلف من ثلاثين عضوا، وأربعين عازفاً في الأوركسترا، وسبعين راقصا وراقصة. هكذا جمعت أولى “الليالي اللبنانية” بين فيروز ونصري شمس الدين في برنامج فولكلوري محلي شارك في إعداده الأخوان رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا، أخرجه صبري الشريف بالتعاون مع نزار ميقاتي. وحضر الرقص بشكل أساسي في هذا البرنامج، وكان مروان ووديعة جرار بطليه. تهيَأت هذه المجموعة لتقديم برنامج جديد في العام التالي، غير ان الأحداث التي شهدها لبنان في ذلك الصيف غيّبت المهرجان. تجدّدت “الليالي اللبنانية” في صيف 1959، وضمّت هذه المرة وديع الصافي، وحقّقت نجاحا كبيرا، وتحوّلت سريعا إلى تقليد تخطّى بسرعة حدود مهرجانات بعلبك.

في 1960، أنشأ الأخوان رحباني مع صبري الشريف “الفرقة الشعبية”، وقدّما مع صباح ووديع الصافي في بعلبك أولى مسرحياتهما الغنائية الطويلة، “موسم العز”. في المقابل، أعلن سعيد فريحة ولادة “فرقة الأنوار” للرقص الشعبي، وكان أول عروضها “حكاية لبنان” التي كتب قصتها وأخرجها نزار ميقاتي. حملت موسيقى هذه “الحكاية” توقيع زكي ناصيف، وصمّم رقصاتها مروان ووديعة جرار، وألّف أغانيها يونس الابن واميل رفول وزكي ناصيف، وغنّى فيها وديع الصافي من ألحانه “لبنان يا قطعة سما” و"لوين يا مروان". في “موسم العز” كما في “حكاية لبنان”، حضر الرقص بشكل أساسي، وسيطر الطابع الفولكلوري الريفي على باقي عناصر العرض.

سارت لجنة بعلبك في هذا الخط والتزمته بثبات، وقدّمت مع الأخوين رحباني وفيروز والفرقة الشعبية “البعلبكية” في 1961، ثم “جسر القمر” في 1962. في العام التالي، عادت صباح إلى “الليالي اللبنانية” في مسرحية بعنوان “الشلال”، كتبت قصتها ألين لحود، وأعدّ حواراتها يونس الإبن، ووضع ألحانها وليد غلمية، وصمّم رقصاتها نهاد شهاب وسركيس باسكاليان تحت إشراف فرانز بانتولييه. خارج بعلبك، قدّم الأخوان رحباني مع فيروز في العام نفسه مسرحية “الليل والقنديل” على مسرح كازينو لبنان بعد عرضها في دمشق، وشكلت هذه المسرحية استمرارية لمسرحياتهما السابقة. وفي بدايات عهدها، قدّمت “مهرجانات الأرز” مسرحية منسية عنوانها “لبنان في المهجر”، غنّى فيها وديع الصافي من شعر مارون كرم “خضرا يا بلادي”، “يا أرز صامد بأعلى جبالنا”، و"يا بو المرجلة".

في 16 آب/أغسطس 1964، أدلت رئيسة لجنة الفولكلور المنبثقة من لجنة مهرجانات بعلبك السيدة سلوى السعيد بحديث إلى “الوكالة الوطنية للأبناء”، وقالت: “ان هدفنا الرئيسي هو أن نضفي على حفلاتنا الفولكلورية طابعا مستوحى من التقاليد والعادات القديمة التي اتّسمت بها قرى لبنان. ولذلك ترانا على اتصال دائم مع المؤرخين والمتاحف. وقد صرف فنيّونا أيام الآحاد في مختلف المناطق اللبنانية الريفية. وفي المدة الأخيرة قام السادة نهاد شهاب والبروفسور بانتوليه ونزار ميقاتي بجولة تناولت بشري واهدن وتربل في البقاع ومنطقة عكار القديمة المعروفة بطابعها الشعبي القديم. والجدير بالذكر ان البروفسور بانتوليه، وهو من الاختصاصيين في فن الرقص ويشغل منصب المدير العام لأوبرا الباليه في ميونيخ، قد سبق وساهم معنا في مهرجانات السنة الفائتة فجعل من الرقص فيها آية رائعة”. يلقي هذا الحديث الضوء على الدور الذي لعبته “لجنة مهرجانات بعلبك” في إرساء نمط فني محلي طغى خلال بضع سنوات على المساحة الغنائية اللبنانية. وشهدت الحياة الثقافية سجالا دار حول مكانة هذا النمط وأهميته، كما تشهد بذلك صحافة 1964.

في ذلك العام، قدّمت “فرقة الأنوار” في بعلبك “أرضنا إلى الأبد” مع صباح ووديع الصافي. وقدّم الأخوان رحباني في الأرز “بياع الخواتم” مع فيروز ونصري شمس الدين و"الفرقة الشعبية". في مقالة نُشرت صحيفة “النهار”، رأى شوقي ابي شقرا أن مسرحية الأخوين رحباني “ضربت حفلات الطرب والتطريب ضربة قاضية، وهي صنع الرغبة لدى جميع المتفهمين في لبنان، وصنع عواطف جائشة في الشباب اللبناني الحديث وليست صنع الرحبانيين فقط، والرحبانيان هما الوحيدان اللذان يرضيان فئة العارفين وفئة الشعب. و”بياع الخواتم" ناجح بأنه يعزز صلابة وقوفهما بجدية تجاه الفن الشعبي اللبناني، وخلقهما له أسسا إذا جُمعت يوما تكون انطلاقا لسواها، وهما يفعلان لهذا الفن طريقا أسلم من طريق سواهما، ففيها ذكاء وتتابع واستمرار، وكلّ عمل عندهما يكمل غيره".

وفي مقالة نُشرت في صحيفة “لسان الحال”، انتقد أدونيس بلطف “بياع الخواتم”، وقال: “من مظاهر السهولة عند الأخوين رحباني اكتفاؤهما، في أعمالهما المسرحية، برؤية خيط واحد من نسيج التجربة الشعبية الفنية المعقدة، هو خيط الحياة البهية الأنيقة في القرية، التي تتعثّر ببهاء وأناقة أيضاً، والتي تصل دائما، كما في قصص الأطفال، إلى نهاية سعيدة. إن للبحر، مثلاً، تقليداً حافلاً عظيماً في حياة اللبناني نلفت إليه نظر الأخوين رحباني. وفي هذا التقليد حكايات رائعة، مع أنها لا تنتهي نهاية سعيدة. ومن مظاهر السهولة في أعمالهما المسرحية، ويشاركهما في مسؤولية ذلك مخرجها، إقحام الدبكة فيها، وحيث لا يقتضي منطق المسرحية في بعض الأحيان. إن للدبكة شخصية خاصة، وجواً خاصاً، تتطلّب عملاً مسرحياً خاصاً، يُدرس على حدة، ويُنفّذ على حدة”.

وفي مقالة نُشرت في صحيفة “الجريدة”، اعتبر يوسف الخال ان الفولكلور اللبناني مع هذه المسرحية، “من غناء ورقص، كان في مستوى الأرز”، ثم أردف: “لكن لحد هون وبس”. وأضاف: “من اليوم ورايح، على الفولكلوريين اللبنانيين أن يبدأوا صفحة جديدة. أيستحق هذا كل هذا؟ الفولكلور اللبناني، إذا بقي هكذا فسينزل، ككل شيء يصعد إلى القمّة ويبقى كما هو فلا يتحوّل. وعلى الفولكلور أن يبقى فولكلورا بدون مهرجانات، وأن يبقى مستمرّا في الأعراس والأعياد وشتى المناسبات. وعلى الفولكلور اللبناني، كي لا يشيخ ويموت ببطء بل يحتفظ بمجد قمة رجولته فيبقى على الأثر الرائع الجميل الذي تركه بقلوبنا، أن يلزم حدوده التي ذكرناها، وهو في حدوده هذه يتجلّى، أي يتحوّل ويتغيّر ليصير على أساس موسيقانا الحديثة الخاصة بنا من كلاسيكية وراقصة”.

تواصل مسلسل المهرجانات في النصف الثاني من الستينات، وبات للمسرح الغنائي اللبناني ناموسه وشرائعه الخاصة التي لا تتغير. سنة 1965، قدّم الأخوان رحباني مع صباح “دواليب الهوا” في بعلبك، وتكرّرت في هذه المسرحية حكاية الصراع في الضيعة. دخل وديع الصافي في مغامرة الانتاج، وقدّم مع نجاح سلام “نهر الوفا” على مسرح أنشئ عند نهر الكلب حمل اسم “وادي فينيقيا”، وفشل فشلاً ذريعاً، وخسر منتجه من جراء هذا الفشل “ثروته البالغة نصف مليون ليرة” كما قيل، فجال في أوستراليا والمكسيك لتسديد الديون المترتبة عليه.

في العام 1966، عرض الأخوان رحباني في بعلبك “أيام فخر الدين”، وقدّما لوحة “بحرية” بديعة خرجا من خلالها من عالم “الضيعة” بشكل محدود، وكتبت “لسان الحال” على الصفحة الأولى: “نقل الرحبانيان البحر إلى بعلبك”. في العام التالي، تجلّى التحوّل الكبير في مسرحية “هالة والملك” على خشبة البيكاديلي في بيروت. تبعت هذه المسرحية أعمال غلب عليها الطابع المديني، وهي تباعاً “الشخص”، “يعيش يعيش” و"صح النوم". في المقابل، بقيت الضيعة حيّة في أعمال مسرحية غنائية لا تُعدّ ولا تحصى، تكرّرت فيها الحكاية نفسها بأسماء جديدة، على مثال القالب المعتمد في “الليالي اللبنانية” الأولى في بعلبك. في مطلع 1969، أعلن روميو لحود عن رحلة فنية يقوم بها مع فرقته في باريس وبروكسيل، وكتبت مجلة “الحسناء” يومذاك: “تبقى فساتين صباح، وهي أربعة، وقد صممتها لها السيدة منى صالحة خصيصا للظهور بها في جولتها الفولكلورية هذه. والطريف في الفساتين، انها تحمل أربعة أسماء، لكل واحد اسم. وهي على التوالي: عتابا، يا جبل ما يهزك ريح، موال، وليالي لبنان”.

يُقال عادة إن زياد رحباني سخر في مسرحية “شي فاشل” من العالم الذي صوّره والده عاصي وعمّه منصور، والصحيح أنه سخر من تقليد فني سار على نهجه الكثير من الفنانين في لبنان على مدى عقود من الزمن، وقد ظلّ هذا التقليد حياً في الذاكرة، بالرغم من التحولات الكبيرة التي عرفها هذا الوطن الصغير منذ منتصف السبعينات إلى اليوم. حاولت “لجنة مهرجانات بعلبك” أن تحيي هذا النمط حين استعادت المهرجانات نشاطها في العام 1998، وذلك بعد توقف دام أكثر من عشرين عاماً بسبب الحرب الأهلية في لبنان، لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، ولم تكرّر المحاولة. والأكيد أن “الليالي اللبنانية” باتت في زمننا من الماضي، وليس هناك من يحاول أن يرفع مشعلها من جديد.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)