عن فيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج المصري تامر السعيد

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
السبت 20-04-2017
الصفحة : ثقافة
محمد صبحي


حكاية وادي بردى


أجمل لحظات الفيلم هي تلك التي يسيطر فيها الصمت على الصورة من الفيلم


ينهض “آخر أيام المدينة” للمخرج المصري تامر السعيد حول شخصيته الرئيسية (خالد عبدالله)، وهو مخرج سينمائي قليل الكلام ومراقب حذر يحاول إنجاز فيلم عن القاهرة في أواخر 2009، في ذروة حركة الاحتجاجات الشعبية والفئوية التي مهّدت لإزاحة حسني مبارك بعدها بعامين. ثمة خط سردي آخر يدعم مسار استقصاء المدينة وهو بحث خالد عن شقة للانتقال للعيش فيها، وهناك عاملان آخران، بعيداً من التوتر السياسي، يضيفان ضغطاً على بطل الفيلم: مرض أمه التي ترقد في المستشفى، والرحيل المرتقب للمرأة التي يحبها إلى خارج مصر.

من بعيد، يجد الفيلم أصداء مشابهة في “ذكريات التخلف” للمخرج الكوبي توماس غوتيريز أليا، حيث يواجه بطل الفيلم نفي عائلته وزوجته إلى خارج كوبا، وسط فوضى تعمّ البلد بعد وصول فيديل كاسترو إلى السلطة بعامين، وأزمة خليج الخنازير في العام 1962. في الفيلم الكوبي، يُمزج الوثائقي بالروائي، ويقول أليا عن ذلك إن اللجوء إليه يسمح له بأخذ مسافة من الواقع والتفكير فيه بينما التوثيق يسمح بتتبع الأحداث لحظة وقوعها، وهذا ما يحدث تمامًا في الفيلم المصري. ولكن إذا كان ثقل الواقع في “ذكريات التخلف” يسحق البطل في النهاية، فإنه في “آخر أيام المدينة” يبدو أمراً غير منتهٍ، لذا يصبح استقصاء المدينة بحثاً لا يمكن أن تظهر له نهاية في الأفق. ذلك ليس فقط لأنه فيلم عن مصر في الفترة السابقة مباشرة لانتفاضة 25 يناير، ولكن أيضاً للظروف التاريخية التي تُنشئ “تحولاً ذاتياً” بداخل العمل الوثائقي.

حتى في بناء الشخصيات، يستخدم السعيد أسلوباً مشابهاً لغوتيريز أليا مثل تزامن الصوت والصورة، والذي من خلاله يحمل تقديم المواد المصوّرة وزناً أكبر مما هو ظاهر على الشاشة، معطوفاً على الضبابية التي تحكم الأجواء والمراوحة المستمرة بين ما هو كائن وما هو متذكَّر. المقابلة بين تلك القاهرة المأزومة أو قاهرة الربيع العربي، وتلك القاهرة المنقضية والمستجدية للعواطف، تذكّرنا بلمسات من مدن جعفر بناهي وكريستوف كيسلوفسكي وآخرين، وفي جانب متصل، تحاول الإضاءة والألوان والأصوات والنوستالجيا الممتدة على طول الشريط العبور إلى فهم التاريخ الشخصي والعام. ولكن إذا كان التخلّف في فيلم غوتيريز أليا هو عدم القدرة على ربط شيء ما بآخر، ففي الفيلم المصري، بذكرياته وأسئلته المتشعبة، تأخذ المقاربة مسارات لا يكفيها الفيلم بدقائقه الـ118.

مشاوير البحث المتكرر برفقة سمسار العقارات، والتي يقوم بها خالد، تصلح مجازاً لرحلة أخرى يقوم بها كمخرج يحاول البحث عن مدينته، فالقاهرة التي يريد تصويرها لا يستطيع النفاذ إليها وسط ركام الأجساد البشرية والاختناق المروري وأخبار الرئيس التي تعج بها الأجواء. الأمر ذاته يمكن الوقوف عليه من خلال أصدقاء خالد، وهم ثلاثة مخرجين من أبناء جيله، الأول عراقي (حيدر حلو) متمسك بالبقاء في بغداد حتى الموت، والثاني عراقي أيضاً (باسم حجّار) ولكنه اختار الرحيل عن بغداد للأبد والحصول على تأشيرة لجوء في ألمانيا، والثالث لبناني (باسم فيّاض) يعيش في بيروت ويعجز عن تصويرها، كلهم يحاولون إنجاز أفلام عن علاقتهم بالمدينة التي نشؤوا فيها، هي المدن التي تظهر وكأنها تنتظر حدثاً كبيراً لم يكن صنّاع العمل يدركون أنه سيقع فعلاً، إذ بدأت انتفاضات الربيع العربي بعد 6 أسابيع من انتهاء تصوير الفيلم.



ينهض “آخر أيام المدينة” للمخرج المصري تامر السعيد حول شخصيته الرئيسية (خالد عبدالله)، وهو مخرج سينمائي قليل الكلام ومراقب حذر يحاول إنجاز فيلم عن القاهرة في أواخر 2009، في ذروة حركة الاحتجاجات الشعبية والفئوية التي مهّدت لإزاحة حسني مبارك بعدها بعامين. ثمة خط سردي آخر يدعم مسار استقصاء المدينة وهو بحث خالد عن شقة للانتقال للعيش فيها، وهناك عاملان آخران، بعيداً من التوتر السياسي، يضيفان ضغطاً على بطل الفيلم: مرض أمه التي ترقد في المستشفى، والرحيل المرتقب للمرأة التي يحبها إلى خارج مصر.

من بعيد، يجد الفيلم أصداء مشابهة في “ذكريات التخلف” للمخرج الكوبي توماس غوتيريز أليا، حيث يواجه بطل الفيلم نفي عائلته وزوجته إلى خارج كوبا، وسط فوضى تعمّ البلد بعد وصول فيديل كاسترو إلى السلطة بعامين، وأزمة خليج الخنازير في العام 1962. في الفيلم الكوبي، يُمزج الوثائقي بالروائي، ويقول أليا عن ذلك إن اللجوء إليه يسمح له بأخذ مسافة من الواقع والتفكير فيه بينما التوثيق يسمح بتتبع الأحداث لحظة وقوعها، وهذا ما يحدث تمامًا في الفيلم المصري. ولكن إذا كان ثقل الواقع في “ذكريات التخلف” يسحق البطل في النهاية، فإنه في “آخر أيام المدينة” يبدو أمراً غير منتهٍ، لذا يصبح استقصاء المدينة بحثاً لا يمكن أن تظهر له نهاية في الأفق. ذلك ليس فقط لأنه فيلم عن مصر في الفترة السابقة مباشرة لانتفاضة 25 يناير، ولكن أيضاً للظروف التاريخية التي تُنشئ “تحولاً ذاتياً” بداخل العمل الوثائقي.

حتى في بناء الشخصيات، يستخدم السعيد أسلوباً مشابهاً لغوتيريز أليا مثل تزامن الصوت والصورة، والذي من خلاله يحمل تقديم المواد المصوّرة وزناً أكبر مما هو ظاهر على الشاشة، معطوفاً على الضبابية التي تحكم الأجواء والمراوحة المستمرة بين ما هو كائن وما هو متذكَّر. المقابلة بين تلك القاهرة المأزومة أو قاهرة الربيع العربي، وتلك القاهرة المنقضية والمستجدية للعواطف، تذكّرنا بلمسات من مدن جعفر بناهي وكريستوف كيسلوفسكي وآخرين، وفي جانب متصل، تحاول الإضاءة والألوان والأصوات والنوستالجيا الممتدة على طول الشريط العبور إلى فهم التاريخ الشخصي والعام. ولكن إذا كان التخلّف في فيلم غوتيريز أليا هو عدم القدرة على ربط شيء ما بآخر، ففي الفيلم المصري، بذكرياته وأسئلته المتشعبة، تأخذ المقاربة مسارات لا يكفيها الفيلم بدقائقه الـ118.

مشاوير البحث المتكرر برفقة سمسار العقارات، والتي يقوم بها خالد، تصلح مجازاً لرحلة أخرى يقوم بها كمخرج يحاول البحث عن مدينته، فالقاهرة التي يريد تصويرها لا يستطيع النفاذ إليها وسط ركام الأجساد البشرية والاختناق المروري وأخبار الرئيس التي تعج بها الأجواء. الأمر ذاته يمكن الوقوف عليه من خلال أصدقاء خالد، وهم ثلاثة مخرجين من أبناء جيله، الأول عراقي (حيدر حلو) متمسك بالبقاء في بغداد حتى الموت، والثاني عراقي أيضاً (باسم حجّار) ولكنه اختار الرحيل عن بغداد للأبد والحصول على تأشيرة لجوء في ألمانيا، والثالث لبناني (باسم فيّاض) يعيش في بيروت ويعجز عن تصويرها، كلهم يحاولون إنجاز أفلام عن علاقتهم بالمدينة التي نشؤوا فيها، هي المدن التي تظهر وكأنها تنتظر حدثاً كبيراً لم يكن صنّاع العمل يدركون أنه سيقع فعلاً، إذ بدأت انتفاضات الربيع العربي بعد 6 أسابيع من انتهاء تصوير الفيلم.

هنا، يحاول خالد الخوض في مغامرة أخرى لترميم ذاكرته واستعادة ماضي والده، الذي كان يعمل في برنامج “أبلة فضيلة” الشهير للأطفال. يذهب خالد إلى إستديو البرنامج بحثاً عن إجابات لأسئلة معلّقة توقظ فترات معتمة في تاريخ أسرته، عندما ترك والده العمل في البرنامج بعد حادثة مقتل ابنته إيمان والتي كانت من محبي البرنامج، لكن سعي خالد لا يأتيه باليقين المطلوب. مراوغة اليقين هو ما يقوم به الواقع مع أغلب شخصيات الفيلم، فخالد لا يستطيع إكمال فيلمه ويشعر دائماً أن هناك شيئاً لا يزال ناقصاً لا يعرف ما هو تحديداً، والأصدقاء المخرجين الثلاثة نراهم في جلسة على أحد مقاهي وسط القاهرة يورد كل منهم أسباب علاقته بمدينته ويردّ كل منهم على الآخر لمحاججته، وحبيبة خالد السابقة (ليلى سامي)لا تجد طريقة للتعبير عن حبها له في الشارع فتقرر ترك مصر، والمخرجة المسرحية حنان (حنان يوسف) التي هربت من الإسكندرية بعد زوال ذكرياتها هناك فجاءت إلى القاهرة، كل ذلك لا ينفصل عن السؤال الذي يشغل بال خالد عن كيفية التقاط الصمت وسط ضوضاء القاهرة، وهو السؤال الذي يطلب من مؤلف الموسيقى التصويرية لفيلمه أن يجعله عنواناً لمقطوعة موسيقية يستعين بها، وهي المقطوعة ذاتها التي سيسمعها المشاهدون مع نزول تترات “آخر أيام المدينة”.

في الحقيقة، أجمل لحظات الفيلم هي المشاهد التي يسيطر فيها الصمت على الصورة، فلا يجد الزحام ولا ضوضاء المدينة مكاناً لهما وتبدو الأشياء كما لو كانت في أماكنها، مثل تلك المشاهد التي يصوّرها حيدر في بغداد فتبدو مدينة وديعة هادئة بسماء صافية وقت الغروب، أو المشاهد العابرة من شباك شقة خالد حين تحلّق أسراب الحمام في دوائر فوق القاهرة بينما هو قابع وراء الشباك الذي يبدو كقضبان سجن، أو مشاهد تلك الوردة البيضاء التي تظهر أكثر من خمس مرات على طول الشريط في أزمنة وأماكن مختلفة، ربما لتذكّرنا بضرورة الانتباه لها دائماً وسط ما تمور به الأجواء من بشاعة وضيق.

“آخر أيام المدينة” وإن بدا مميزاً، لا تغيب عنه هنّات التجربة الأولى حيث يحاول أغلب المخرجين الحديث عن كل شيء في باكورتهم، والسعيد نفسه كان واعياً لذلك، لذا نرى في أحد المشاهد مونتير الفيلم الذي يصوّره خالد عن القاهرة (وهو نفسه الفيلم الذي نراه بشكل كبير) يخبره بلا جدوى كل هذه الشخصيات والمشاهد التي يصوّرها. هناك كمية هائلة من المواد في هذه الفسيفساء المعقدة حول المدينة، لكن ليس كل شيء يتطور بشكل جيد أو أساسي للقصة، وجمع هذه الوجوه المُعبِّرة في حركة المرور الصاخبة والخانقة، أو تلك التائهة في فوضى شوارع وسط القاهرة في لقطات مقرَّبة، وربطها بالتأثيرات الوافدة للثقافة الإسلامية المتشددة وسياسات هدم المباني القديمة ذات الطرز المعمارية العريقة واستبدالها بأبراج سكنية عملاقة أو مولات تجارية.. يفرض الانطباع بأن تامر السعيد يريد نقل تلك الحالة إلى المشاهدين، وكأنه يقول لهم أن التفكك الذي يبدو عليه الفيلم ليس سوى انعكاس لحالة عامة مسيطرة، وأن البلد فقَد بوصلته منذ زمن بعيد.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.



جريدة الحياة


الجمعة، ٣١ مارس/ آذار ٢٠١٧
جريدة الحياة
ابراهيم العريس


«آخر أيام المدينة» الأم والقاهرة وأشياء أخرى حبيبة... تختفي


انتظر المخرج المصري تامر السعيد ما يقرب من عشر سنوات قبل أن يتمكن أخيراً من أن ينجز فيلمه الروائي الطويل الأول «آخر أيام المدينة». والحقيقة أن هذا التفصيل لا يمكن اعتباره مسألة تُذكر في شكل عابر. وكذلك لا يبدو لنا منطقياً مع مثل هذا الفيلم أن نعتبر الأمر مجرد تأخّر تقني يمكن عزوه إلى الصعوبات المالية، الصعوبات التي تجابه في عالمنا العربي اليوم كل مشروع تُشتم منه رائحة جدية أو صدق فني. فالزمن زمن تلك الهزليات المتواترة على الشاشات الصغيرة والكبيرة، وزمن الكتابة والإبداع في انتظار نعيم الجوائز الضخمة و «أمراء» الشعر وما إلى ذلك.

طبعاً تامــــر السعيـــد وسينماه شيء آخر تماماً. وهي حقيقة ما كنا في حاجة إلى انتظار مشاهدة «آخر أيام المدينة» حتى نتذكرها. فالمبدع الذي أدهش قبل نحو عقد بفيلم لا يتجاوز طوله الدقــائق القليلة («يوم الاثنين») بفضل كمية المشاعر والصور التي حمّلها لفيلمه، وبسيطرته على موضوع يبدو شديد البساطة لكنه يضمر قدراً كبيراً من التعقيد. والمخرج الذي تمكن من أن يحول حلقة تلفزيونية عن سنوات الرصاص المغـــربية، كلف بتحقيقها لمصلحـــة برنــامج في إحدى المحطات، إلى عـــمــل بدا أقرب إلى أن يكـــون درساً في التضافر بين فنون الشاشتين. لم يكن يُتــوقّع منــه ما يقل عــن «آخر أيام المدينــة». ومــن هنا فاجأ هذا الفيـلم فقط أولئك الذين لم يكونوا يعـــرفون شيئاً عن المخرج وطموحاته، بما فــي ذلك محاولتـــه طويلاً نقل واحدة من روايات ربيع جابر إلى السينما.

فيلم من؟

في السطر الأول أعلاه أشرنا إلى روائيّ تامر السعيد الأول بأنه «فيلمه» متعمدين أن يكون الضمير المتصل واضحاً في إشارته إلى مخرج الفيلم الذي هو كاتبه أيضاً. ولئن كان في الإمكان استخدام هذا الضمير المتصل في الحديث عن كل فيلم وعن أي فيلم بالمعنى التقني للكلمة، مع تفهّم أن يعتبر كل من عمل في الفيلم أن هذا الأخير هو فيلمه هو أيضاً، فإن الحال هنا، مع «آخر أيام المدينة» يختلف كلياً لأننا هنا حقاً أمام فيلم يخصّ مؤلفه دون الناس جميعاً. وليس فقط بمعنى السيرة الذاتية السينمائية كما ظهرت لدى رهط من أبرز السينمائيين العرب، من يوسف شاهين إلى محمد ملص وفريد بوغدير وصولاً إلى يسري نصر الله ونوري بو زيد وغيرهم، بل بالمعنى الأكثر عمقاً الذي يصعب العثور عليه لدى السينمائيين العرب ونادراً لدى غير العرب.

ففي العادة حين يريد السينمائي أن يصوّر سيرته الذاتية على الشاشة، يلجأ إلى تاريخه، وعادة طبعاً في ارتباط هذا التاريخ بمدينة معينة: الإسكندرية كما لدى شاهين، أو دمشق لدى محمد ملص أو حتى اللاذقية لدى عبد اللطيف عبد الحميد وتونس لدى بوزيد ...الخ. بالتالي يصبح الفيلم عملاً عن «التاريخ» الشخصي للمبدع بمعنى كونه عملاً بَعْديّاً، يتاح لصاحبه أن يسترجع تاريخ هو يقيّمه ويصفّيه، أو يشاكس حتى على ذاته من خلاله. وبالتالي يكون الفيلم، حتى في حديثه عن الذات، نوعاً من الغوص في آخر، قد يكون المدينة. في «آخر أيام المدينة» ليس ثمة شيء من هذا، أو على الأقل لا يشكل هذا كلّ متن الفيلم. نحن هنا أمام ذات المخرج مطروحة أمامنا في لحظة الحاضر في اللحظة التي يسميها جيمس جويس «لحظة العمل قيد التحقّق»، من خلاله هو شخصياً - حتى ولو جاء بممثل (ممتاز على أية حال وكاد طوال الفيلم أن يقنعنا حقاً بأنه هو نفسه تامر السعيد حتى جسدياً) هو خالد عبدالله -، وأمام مدينته، القاهرة - ولكن طبعاً غير تلك التي نعرفها أو عرفناها دائماً، حتى وإن كان في إمكاننا أن نتعرف إلى الشاشة على القاهرة التي نعرفها تماماً في تفاصيل التفاصيل-، وطبعاً أمام أمه التي كمدينته تعيش آخر أيامها على سرير المستشفى، حيث أن ما نراه على الشاشة يكاد يكون هو نفسه ما يحدث في حاضر صاحب الفيلم، من انفصام غراميات إلى دمار المدينة إلى تصوير فيلم داخل الفيلم وصولاً طبعاً إلى موت الأم، حرفياً لا مجازياً، الذي يؤطر الفيلم كله من دون أن يعني أنه يهم أحداً غيره، لكنه بالنسبة إليه يعيده في لحظات استثنائية إلى ماضٍ اختفت منه حكاية الأخت الميتة والمسكوت عنها... لكن هذا كله لا يشكل هنا سوى الإطار الخارجي لعمل فاق في جوّانيّته أي عمل آخر في تاريخ السينما العربية على الأقل. أما «المعجزة» الصغيرة هنا، والتي أنقذت الفيلم من ثرثرة «تاريخ الذات» الاستبطانية التي تعتبر عادة فخّاً في السينما حين يُلجأ إليها، فمثلت في أن تامر السعيد صوّر لنا ما يسمى في عالم السينما «تخييل الذات»- تقريباً: حكي الذات في شكل روائي-، ليس من خلال فَرْد جوانية المخرج في حوارات أو تعليقات - باستثناء تلك التي أفقدت الفيلم إيقاعه للأسف واتّسمت بالإسهاب الممل والمجاني في مشاهد جلسات «البطل» مع رفاقه من عرب آخرين-، بل من خلال الصورة نفسها. وتحديداً من خلال الدلالات المباشرة التي توفرها في شكل خاص مشاهد عبور الشوارع حين يكون مخرجنا وحده يسير ويسير من دون أن يزعم أنه هنا ليتأمل ما يدور من حوله.

الصورة/ النافذة/ الذروة

هذا الفخ تفاداه تامر السعيد السينمائي بقوة، جاعلاً صورته متضافرة مع صورة المدينة «تقول» ما يجب أن يصل إلينا. وهي «حيلة» سينمائية أوصلها الفيلم إلى ذروتها في تلك اللقطة القوية- التي كان يجب، على أي حال أن تختم الفيلم- حين تنتهي الأم ليلاً على سرير الموت في المستشفى فيصور انعكاس صورتها في النافذة التي تطل أصلاً على صورة غسقية للمدينة التي سوف نفترض هنا نوعاً من الموت لها يتطابق زمنياً ونفسياً مع موت الأم. ولعل في إمكاننا هنا أن نتساءل عن معنى أعمق لمشهد لم نر في السينما العربية مشهداً أكثر منه احتراماً لرهبة الموت وجماله، بمعناه المزدوج: موت الأم وموت المدينة أو بالأحرى موت المدينة/ الأم: هل نحن أمام لحظة الانعتاق التي تمكن «البطل» من أن يصل إليها عبر هذه النهاية المزدوجة لأميّه: الأم الفعلية والأم المدينة؟ لو كنا أمام أدب ألبير كامو، في «الغريب» كان الردّ الإيجابي ممكناً هنا على هذا السؤال. ولذا سنكتفي بتعليق السؤال والانتقال إلى الجوانب الأقل ذاتية في الفيلم.

فإذا كان يبدو من كلامنا على «آخر أيام المدينـــة» حتى الآن أننا أمام عمل «شديـــد الخصوصية» ينحصر في علاقة البطـــل مع أمه ومع المدينة عشية موت الاثنتـــين، فما هذا إلا لأن ذلك البعد في الفيلم هو أساسه. هو المحور الذي تدور مـــن حوله «بقية المحاور» وهي متعددة: فالذريعة في الفيلم هي حكاية المخرج الذي يصوّر فيلماً لا يجد من السهولة إنجازه- هي بالطبع إحدى حكايات حيــاة تامـــر السعيــد نفسه- وقد يخيّل إليه وإلينا أن العقبة تكمن فـــي مشاكله مع حبيبته؛ وفي الأمر الذي يرغمــه على ترك شقته باحثاً عن غيرها- ما يضعــنا ويضعه أمام إشارات جيدة للقضية العمرانية في مصر وانطلاقاً منها في مواجهة ذلك الغوص في الطقوسية الدينية المهيمن على شوارع القاهرة وداخل بناياتها، وهو ما سوف يثور عليه -بالصورة دائماً- في لحظة رائعة من لحظات الفيلم-؛ وفي نقاشاته مع مثقفين عرب من أصدقائه، إنما دائماً مع تصوير ذاته في غربة، أو مسافة على الأقــل عـــن تلك النقاشات - لكن ذلك يتيـــح لــه المطابقة، ولو بشكل سطحي بيــن حــال القاهرة وحال بيروت وبغداد، وإلى حد ما حال «برلين العربية»، علماً بأن الفيلم لم يبد موفقاً في هذا الجانب، لا سيما أن القدرة على الإقناع بدت متفاوتة جداً بين ما تؤديه شخصية المخرج القاهري، وما يوصله إلينا من خلاله رفاقه، العراقيان واللبناني. يقيناً هنا أن العلاقات الهاتفية، من بعيد، بين هؤلاء الرفاق الأربعة بدت في الفيلم، أكثر قوة بكثير.

مهما يكن، لا بد من القول بصورة إجمالية إن كل القسم المتعلق في الفيلم بإيجاد المطابقات بين القاهرة ومدن عربية أخرى بدا محموداً من ناحية «النضالية البيئوية» التي تسم الفيلم بعض الشيء، لكنها من ناحية أخرى أفقدته، وإن في حدود بسيطة، «جويسيته» (نسبة إلى جيمس جويس في «يوليسيس») التي بدت ممتعة في بعض الأحيان. وفي هذا السياق، قد يكون من الملائم هنا أن نقول إن «آخر أيام المدينة» على رغم غناه السيمانتيكي وقدرته على الإحالة القوية إلى مرجعيات سينمائية (هي بعد كل شيء وليدة سينيفيليّة تامر السعيد التي نعرفها) لم يتمكن من التخلص من ذلك الداء السينمائي العربي الذي يجعل المبدع العربي عاجزاً عن أن يعرف وفي شكل دقيق ما الذي يجب عليه أن يبقيه أو يمحوه خلال التوليف، أو حتى، وهذا أخطر بالطبع، أين يتعين عليه أن يوقـــف فيلمـــه ويعتبر أن خطابه فيه قد اكتمل! - كما أشرنا أعلاه، بالنسبة إلينا انتهى الفيلم على البطل وهو في غرفة أمه الميتة يتأمل صورتها المعكوسة في زجاج النافذة والمدينة خلفها. ومع هذا يبقى لدينا الإحساس بأننا، ولمرة نادرة في السينما العربية، أمام فيلم جميل وقوي وربما فعال أيضاً. فيلم أراد أن يقول أشياء كثيرة، فقال حتى أكثر مما أراد أن يقول، لكنه، في طريقه قال الأساسي: قال إنه لا يزال في إمكان سينمائي عربي شاب ومستقل، أن يحمل مشروعاً سينمائياً طوال سنوات عدة ليحققه أخيراً، جاعلاً من سنوات الانتظار نفسها سنوات تعلّم وتطوير ليس فقط في اللغة السينمائية، التي لا بأس من القول إنها تدين هنا لما تعلمه تامر السعيد من أفضل الأعمال التلفزيونية التي حققها، ومن ضمنه براعة الاشتغال على اللقطات وبالكاميرا الخفية- لا سيما في مشاهد الشوارع القاهرية التي تطوّر هنا، في شكل رائع، ما كان يوسف شاهين قد أنجزه في فيلم «القاهرة منورة بأهلها» قبل سنوات عدة، إلى درجة قد يتكامل معها الفيلمان بحيث أنه إن كان فيلم شاهين التسجيلي البديع قد بدا يومه كنبوءة، فإن «آخر أيام المدينة» يبدو وكأنه تحقّق لتلك النبوءة. ولسنا ندري ما إذا كان ثمة في اللغة ما قد يبدو أكثر من هذا امتداحاً لفيلم تامر السعيد الذي نأمل ألا يحتاج مخرجه إلى الانتظار عشر سنوات أخرى قبل أن يقيّض له أن يحقق تاليه.
إبراهيم العريس

عن موقع جريدة الحياة


“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.



العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
نُشر في 04-03-2017، العدد : 10204، ص(16)
الصفحة : ثقافة
العرب - أمير العمري


’آخر أيام المدينة’ فيلم عن نهاية القاهرة كمدينة عظيمة


في قسم “المنتدى” بمهرجان برلين السينمائي الذي اختتم مؤخرا، عرض الفيلم المصري “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد، وهو أول أفلامه، وظل في مرحلة العمل لعدة سنوات إلى أن أتيحت له فرصة العرض العالمي الأول في أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم.

يمكن القول إن فيلم “آخر أيام المدينة” للمخرج المصري تامر السعيد، هو فيلم عن الغربة كما أنه عن الموت والتدهور والاحتضار، وكأننا نشهد نهاية حضارة كانت قائمة ذات يوم. إنه يجسد حالة التحلل والانهيار، ويلمس تلك الثورة الكامنة في الصدور التي كانت قد تراكمت في 2009 وقت تصوير الفيلم، ولكن الفيلم يبدو أيضا كما لو كان نبوءة بفشل الثورة، بالتراجع إلى ما هو أسوأ من الماضي الذي ثار عليه الثائرون.

إنه باختصار فيلم عن الإحباط على المستويين؛ العام والخاص، وعن سقوط مدينة في براثن الجهل والتخلف والشعوذة والإهمال والهدم.

الشخصية الرئيسية في الفيلم هي شخصية خالد (خالد عبدالله)، وهو مخرج سينمائي شاب (يعادل شخصية المخرج نفسه ويعبر عنه)، وهو شاب أقرب إلى التأمل والصمت إن لم يكن مصابا أيضا بنوع من الاكتئاب، والأسباب كثيرة بالطبع، كلها تنبع من مناخ الإحباط والتخبط والعجز الذي يشعر به الكثير من أبناء الطبقة الوسطى في مصر حاليا.

خالد يصوّر ويخرج فيلما تسجيليا عن أشياء تبدو وكأنها لا ترتبط ببعضها البعض، شأن فيلم تامر السعيد نفسه، الذي يبدو أيضا كما لو كان يعاني من مشاكل في السرد والبناء، لكن هذا البناء الذي يبدو ظاهريا مفككا وعشوائيا، مقصود تماما، لكي يصبح انعكاسا لحالة المدينة نفسها التي تُعتبر البطل الأول في الفيلم، القاهرة التي تعاني من الزحام والفوضى المرعبة والتدهور وسيادة مظاهر ناشئة حديثا فرضت نفسها وأصبحت طاغية على البشر، مما أدّى إلى تراجعها عن الحداثة والازدهار السابق.

المربع السحري

لا يكاد الفيلم يغادر منطقة وسط القاهرة، تلك المنطقة التي أطلق عليها الكاتب الأميركي ماكس روزنبك “المربع السحري”، وهو الذي عاش فيها طوال عمره وكتب عنها كتابه البديع “القاهرة المنتصرة” راصدا فيه تاريخها، تألقها وتطورها، ثم نموها الوحشي، ثم تدهورها، غير أن مستوى التدهور الذي يرصده تامر السعيد في فيلمه يتجاوز كثيرا ما رصده روزنبك في كتابه الذي صدر قبل أكثر من ستة عشر عاما.

إننا في زمن الهدم والانهيار والتسلط والقهر والقبح وتراجع القيمة، وهذه الحالة المركبة هي التي يعبر عنها الفيلم، لكنه لا يلجأ إلى المباشرة، ولا إلى الدراما التقليدية في رسم شخصياته وأحداثه إذا جاز القول بأن هناك أحداثا، بل يكتفي بالرصد والمراقبة والتوثيق، مع قدر من الارتجال في الأداء أمام الكاميرا لإضفاء الواقعية من خلال الأسلوب شبه التسجيلي/ شبه الروائي، حيث يحاول أن يصنع من بعض النثرات المتفرقة، والشخصيات الحزينة التي يحبسها دائما في لقطات “الكلوز آب”، طريقا لرحلة تبدو وكأنها رحلة إلى نهاية العالم، فالقاهرة هنا هي عالم بأسره، بأبطاله وصعاليكه ومشرديه ومثقفيه، بل وحتى بتظاهراتهم الغاضبة.

لا يستطيع خالد أن يكمل فيلمه، ولا يشعر بالرضا عما أنجزه، فدائما هناك شيء ناقص مازال يبحث عنه. وهو في حياته اليومية مشغول بالبحث عن مسكن آخر ينتقل إليه بعد أن منحه صاحب المسكن الذي يقيم فيه مهلة قصيرة للمغادرة، وهو يقضي يوميا وقتا طويلا مع سمسار في البحث عن شقة مناسبة، لكنه لا يعثر عليها أبدا، ولا يعرف ماذا سيحدث له؟ ويصل بالتالي إلى الإحساس باليأس، لكنه مع ذلك يصرّ على الاستمرار في التصوير، وكأنه يخشى أن تفوته لقطة من لقطات مشهد السقوط العظيم.

ترقد أم خالد في المستشفى مريضة مشرفة على الموت، وتشعر حبيبته ليلى بالاختناق في المدينة، تريد أن تهرب إلى الخارج لتتخلص من ذلك الشعور الدائم بعدم التحقق والعجز عن ممارسة الحب، أما حنان التي تدير ورشة للتمثيل فإنها تهرب إلى “نوستالجيا” الحنين، إلى الإسكندرية التي عرفتها في طفولتها والتي ربما لم يعد لها وجود الآن أيضا.

وتنتشر على المستوى العام مظاهر اللوثة الدينية، التي ضربت قطاعات كبيرة من الطبقات الشعبية والمتوسطة، وصبغت وجه الثقافة العامة السائدة التي يمكن أن تلمحها في لافتة، أو عبر أصوات عالية مزعجة تصدر من المساجد، أو تجمعات همجية لأناس يرتدون أزياء تنتمي إلى العصور الوسطى الغابرة، لقد تغيرت ملامح القاهرة التي عُرفت في الماضي القريب، كمدينة كوسموبوليتية عصرية، فأصبحت اليوم أقرب إلى ما أطلق عليه عبدالرحمن المنيف “مدن الملح”.

يرصد الفيلم كل مظاهر التدهور بنظرة حزينة، ولكنه في الوقت نفسه، يرصد بدايات حركة الوعي التي تمثلت في مظاهرات حركة كفاية التي عبرت بقوة عن رفض ممارسات نظام الرئيس مبارك، ويعيد تامر السعيد تجسيد المواجهات مع رجال الشرطة التي تستخدم كل وسائلها لقمع تلك المظاهرات، كما يصوّر حالة الاضطراب العام، وموجات الهدم؛ هدم المنازل القديمة التاريخية الذي نراه في مشهد وحشي، وعمال الهدم يضربون بمعاولهم فيسقطون الجدران والشرفات والأسقف أمام الكاميرا في لقطة طويلة ثابتة.

إنهم يغتالون التاريخ نفسه في ضراوة وعنف، وتنتهي اللقطة والأتربة تغطي الشاشة وتكاد تخترق عيوننا.

في مناقشة تجمع خالد بثلاثة من المثقفين الشباب العرب؛ منهم اثنان من العراق، هما حيدر حلو الذي يقيم في بغداد، وباسم حجار الذي ترك العراق ويقيم في برلين، والمصور السينمائي اللبناني باسم فياض، حيث يجسد تامر السعيد علاقة المثقف بمدينته، علاقة الحب التي تربطه بمدينته، بذكرياته الحميمية فيها، بعلاقاته التي لا يستطيع الانسلاخ عنها، وفي الوقت نفسه، الشعور بالإحباط مما حدث لها من تدهور.

الواضح أن الثلاثة كانوا مدعوين للمشاركة في ندوة ثقافية، وهم يتجادلون طويلا ويعقدون المقارنات بين المدن الثلاث، التي أصبحت مدنا ملعونة؛ المصور اللبناني مثلا يرى أن بيروت أصبحت تستعصي على التصوير، بينما يدافع حيدر حلو عن فكرة البقاء في بغداد رغم كل ما حدث لها فهي بالنسبة له كالقدر، أو كالأم التي يمكنه أن يلعنها أحيانا، لكنه لا يستغني أبدا عنها، أما باسم حجار فيصف شعوره بالغربة عن برلين حقا، ولكنها أيضا تمنحه الأمان.

يعيب مشهد حوار المثقفين رغم أهميته، الإسهاب والإطالة، خاصة وأن خالد لا يبدو متفاعلا مع الآخرين كما ينبغي، فهو دائما ساهم ومكتئب، غير متداخل، يراقب ويسجل ويصوّر وينقب، ويبدو كأنه يصوّر مشهدا من فيلمه أبطاله هم أصدقاؤه الثلاثة.

المدينة العربية

ينتقل تامر السعيد في مشاهد قصيرة إلى كل من بغداد وبيروت، يأسى لحال المدن العربية وما وصلت إليه من تدهور، وعلى شريط الصوت خلال تحرك خالد في سيارة التاكسي بصعوبة بالغة في شوارع وسط القاهرة، لا يكف المذياع عن بث الأخبار التي تتصدرها بالطبع أخبار الرئيس مبارك واستقبالاته واحتفالاته وما يقوم به ابنه جمال في مجال كرة القدم، والكثير من الأنباء حول النزاع الذي انفجر بين مصر والجزائر بسبب مباراة في كرة القدم عام 2009، كما تتوالى أنباء الانفجارات في بغداد وبيروت، وعندما يحاول خالد في مشهد تال الاتصال بحيدر في بغداد لا يتلقى ردا فيزداد شعوره بالقلق.

يستخدم تامر السعيد الكاميرا المتحركة الحرة التي تستطيع الانتقال في الأماكن المزدحمة والشوارع المليئة بالبشر، والتسلل بين الحوانيت والسيارات المتراصة التي تتحرك بصعوبة بالغة في شوارع وسط القاهرة، والكاميرا المحمولة المهتزة تحقق طابع الواقعية التسجيلية، وتعكس الواقع المهتز المهترئ الموشك على الانهيار، والمخرج يركز الكاميرا طويلا على الوجوه في لقطات قريبة، معظمها يظهر أجزاء من الوجوه، من زوايا سفلية، مما يؤدي إلى كسر التكوين التقليدي للقطات، وخلق جماليات خاصة للصورة ترتبط بحالة غياب اليقين التي يصورها في فيلمه.

إننا نشعر خلال مشاهدة الفيلم بأن القاهرة لم تعد تتحرك، بل أصبحت في انتظار وقوع انفجار كبير يطيح بذلك الركام الهائل من التدهور، ويزرع برعما لحياة أخرى جديدة، وربما نشعر أيضا أنها أصبحت بسبب الإهمال والشيخوخة والعجز والتدهور، تسير إلى مصيرها، ومن هنا يأتي اسم الفيلم “آخر أيام المدينة”.

خالد ليس مثل المدينة التي يصورها فهو لا يستسلم، بل يصرّ على المضي قدما في التصوير رغم غياب خطة واضحة لديه بخصوص ما يريده بالضبط من فيلمه، إنه يشتغل ويبدو كأنه يريد تسجيل تلك اللحظات الفارقة في تاريخ المدينة التي دمرها الأغبياء، قبل أن تشهد سقوطها النهائي.

وفي لحظة ما يقول له المونتير الذي يعمل معه إنه لم يعد يفهم العلاقة بين كل هذه الشخصيات والمشاهد التي يصورها، لكن هذه الحالة من العجز والتشتت وعدم الاكتمال وغياب الرؤية، هي تحديدا الحالة التي يريد تامر السعيد أن ينقلها إلينا في فيلمه. لا شك أنه نجح وأبدع.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣١٦٥ الاثنين ١ أيار ٢٠١٧
جريدة الأخبار
ادب وفنون


«آخر أيام المدينة»: جوهرة السينما المصريّة الجديدة

JPEG - 13.3 كيلوبايت
خالد عبد الله في مشهد من الشريط

لعلّ «آخر أيّام المدينة» (2016 ـــ 118 د.) لتامر السعيد (1972) أكثر فيلم مصريّ يحقّق حضوراً خارج بلده، ويُمنَع داخله! التشظّي الذاتي والجمعي، وعشوائية العمران والنفوس، يشكلان جزءاً أساساً من بطانة المدينة. وفي واقع الاضمحلال، وتغوّل التخلّف والتطرّف والجهل والقمع والاستبداد، ما طبيعة مشاعرنا تجاهها؟ البطل خالد يتوسّل الأجوبة كشاهد على العصر.

علي وجيه

حسناً، ثمّة قراءتان لـ «آخر أيّام المدينة» (2016 ـــ 118 د.) للمصري تامر السعيد (1972). أولى نقدية اعتيادية، بتحليل مشاهد وشخوص ومعلومات وأرقام. ثانية تتجاوزها إلى ما بعد ذلك. تنبش نحو الأعمق، والمغاير، والمتفرّد، كالشريط نفسه. ذلك أنّ الفيلم يفرض روحه ومتنه على الوعي والمدارك.

يتغلغل في النخاع الشوكي ونقيّ العظام. يأخذ متلقّيه في رحلة فيّاضة بالشجن والحنين والارتعاش والشحن العاطفي والثوري. شريط حميمي، مخاتل، بالغ الحساسية، مجبول بالحب والصداقة وعنهما، معجون بالحزن المرافق لرصد الانهيارات المريعة والتآكل الجمعي، مواكب لتحوّل مصيري في سايكولوجيا شعب ومسار بلد.

منذ انطلاقه من قسم «المنتدى» في البرليناله 2016، لفت «آخر أيّام المدينة» الأنظار. سيطر على الألباب والقلوب. انتزع جائزة «كاليغاري»، لتكرّ سبحة التجوال (أكثر من 70 مهرجاناً دولياً) والجوائز والتنويهات (الجائزة الكبرى، وجائزة لجنة تحكيم الشباب من «مهرجان نانت للقارات الثلاث» 2016، الجائزة الكبرى من «مهرجان نيوهورايزن السينمائي الدولي» 2016 في بولندا، أفضل مخرج في «مهرجان بوينس آيرس السينمائي الدولي» 2016، أفضل فيلم في «مهرجان سان فرانسيسكو للفيلم العربي» 2016...). هكذا، أصبح أكثر فيلم مصريّ يحقّق حضوراً خارج بلده، ويُمنَع داخله، مع تراجع المهرجانات المحليّة عن برمجته.

للوهلة الأولى، يبدو شريطاً مفكّكاً، يلهث خلف نفسه. سرد حائر، مثقل بالتفرّعات (سيناريو تامر السعيد ورشا سلطي). لدينا المخرج الشاب «خالد» (خالد عبد الله) المنهك بتيمة البحث: عن فيلمه، عن شقّة جديدة، عن عبق مدينة يشهد انهيارها قبل «ثورة يناير»، عن حبيبة (ليلى سامي) تنشد الكينونة والحريّة الفرديّة والحب المعافى من آلاف القيود، عن نوستالجيا مخرجة مسرحيّة هاربة من الإسكندريّة (حنان يوسف)، عن راحة أمّ (زينب مصطفى) تحتضر في «مشفى السلام»، عن حقيقة عواصم (القاهرة وبيروت وبغداد) تتشارك الحال والمصير، رغم اختلاف النكهة واللبوس. ولكن، من قال إنّ درب الأسئلة الكبيرة مفروش بالورود والسرد التقليدي؟ قراءة «الآن» و«هنا» تفرض بنيةً من هذا النّوع، تحاول الإحاطة بكلّ شيء. هذا مأخذ في العادة، إلا أنّه ميزة هنا. نعم، بات التشظّي الذاتي والجمعي، وعشوائية العمران والنفوس، جزءاً أساساً من بطانة المدينة. كيف نروي الحقيقة عنها؟ في واقع الاضمحلال، وتغوّل التخلّف والتطرّف والجهل والقمع والاستبداد، ما طبيعة مشاعرنا تجاهها؟ خالد يتوسّل الأجوبة «وسط البلد»، كشاهد على العصر. يستمع إلى نقاشات أصدقائه المطوّلة حول عواصمهم.

«باسم» (باسم فيّاض) من بيروت، و«حسن» (حيدر الحلو) من بغداد، وطارق (باسم حجر) من بغداد ويعيش في برلين، كلّهم يتفقون على تزويده بفيديوهات من مدنهم، لإكمال فيلم عصيّ على ذلك. هو أنا أخرى alter ego لتامر ذاته. لا يمكن تحديد أين يبدأ أحدهما، ومتى ينتهي الآخر. تتداعى القاهرة أمام عينيه. تشيخ بفعل العسف والإهمال، لا القدم والتاريخ. الراديو يبثّ أخباراً عن إنجازات مبارك، مقابل تهتّك فظيع على كلّ المستويات. مظاهرات «كفاية» أحد مؤشّرات الانفجار القادم. حتمية الثورة آتية من احتقان النفوس، ونفاد الصبر. فرادة «آخر أيّام المدينة» في قبضه على هذه اللحظة النادرة، بأكثر حالاتها صدقاً وعفويةً، متجاوراً النبوءة المعروفة في «هي فوضى..؟» (2007) ليوسف شاهين وخالد يوسف، وتحسّر «زكي الدسوقي» (عادل إمام) على ماضٍ أنيق في «عمارة يعقوبيان» (2006) لمروان حامد. في الوقت نفسه، لم يقرن نفسه بغليان ميدان التحرير وما بعده، كما في عناوين لإبراهيم البطوط وأحمد عبد الله ويسري نصر الله وجيهان نجيم... مفضّلاً الغوص في السوسيولوجي المصري، وبوصلة القاع. لذا، يبقى صالحاً لأيّ زمن «استقرار» ظاهري بين الثورات والاحتجاجات الشعبيّة. يظلّ طازجاً، قابلاً للاستعادة في أيّ وقت. هكذا، يمكن فهم بعض أسباب التعنّت الرقابي المستمر.

بالعودة إلى خالد، يبدو السينمائي/ المثقف العربيّ صامتاً، عاجزاً عن فعل أو تغيير شيء، بل إنّه لا يبدي ميلاً لذلك، راضخاً لشيطان المراقبة والتوثيق. هل تكتفي العدسة بالتسجيل أم أنّ على صاحبها التدخّل/ الفعل لدى ضرب متظاهر أو تعنيف زوجة أمام عينيه؟ غير أنّه «يقاوم» بالإصرار على إنجاز الفيلم التائه. «يناضل» بحفظ ما تبقّى من مدينته الأثيرة، فيما العالم يتسرّب من بين يديه. «يكافح» بالصمود في وجه الفقد والقسوة، متشبّثاً بما تبقّى من حنان. ألسنا كلّنا نحبّ ونمقت مدننا في آن؟ ملهمة، خاطفة، دقيقة، حرجة كبهلوان يسير على حبل رفيع، تلك الأسلوبيّة التي يقترحها تامر السعيد في باكورته. يتداخل الروائي والتسجيلي حتى امّحاء الفاصل بينهما. حتى هو بات غير قادر على تمييز الحقيقة عن الخيال، والتلقائي المتفاعل مع المحيط عن المحضّر مسبقاً. هذه أعلى درجات التخييل والتشخيص في السينما. بلوغ العصب مرهق إلى أقصى حد. الابتكار شاق آكل للروح. صفاء يتطلّب دأباً نادراً في الصناعة. لفهم مزيج فريد كهذا، لا بدّ من العودة إلى تاريخ تامر السعيد ذاته. درس الصحافة في جامعة القاهرة، والإخراج السينمائي في المعهد العالي للسينما. تخرّج عام 1998 مع مرتبة الشرف، مشبعاً بحصيلة أكاديميّة، تجمع بين البحث والروي والتوثيق. عمل كمخرج مساعد مع أسماء مثل سمير سيف في «معالي الوزير» (2002)، وإبراهيم البطوط في «إيثاكي» (2005). تلوّن بين إخراج الإعلانات والتدريس. جرّب حقل الإنتاج في عدد من الشركات. بين عامي ١٩٩٤ - ٢٠٠٤، كتب وأنتج وأخرج عناوين قصيرة ووثائقية، منها «يوم الاثنين» (٢٠٠٤، 8 د. - جائزة لجنة التحكيم الخاصة من «مهرجان الساقية للأفلام القصيرة» في القاهرة 2005، أفضل روائي قصير في «المهرجان القومي للسينما المصرية» 2005، الصقر الفضي (مناصفةً) من «مهرجان روتردام للفيلم العربي» 2005...) عن تجدّد الشغف في علاقة فاترة بين زوجين (حنان يوسف وبطرس غالي)، و«غير خدوني» (٢٠٠٤، 53 د. - أفضل تسجيلي طويل، وجائزة «صلاح التهامي» من لجنة تحكيم الأفلام التسجيلية العربية المنبثقة عن اتحاد السينمائيين التسجيليين في مصر، في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيليّة والقصيرة 2005) عن الاعتقال السياسي في المغرب خلال السبعينيات. هو امتداد للجيل الأوّل من «السينما المصريّة الجديدة - المستقلّة» شغلاً ومعايشةً. شارك في كتابة «عين شمس» (٢٠٠٨) مع إبراهيم البطوط، ورواه بصوته. ظهر في «هليوبوليس» (2009) لأحمد عبد الله. في عام 2007، أسّس «زيرو برودكشن» للأفلام المستقلة. أطلق مع آخرين «سيماتك – مركز الفيلم البديل» في القاهرة. بعد عام، باشر التحضير لباكورته تحت اسم «فيلم طويل عن الحزن». استمرّ التصوير بين عامي 2009 – 2010، ليصبح «آخر أيّام المدينة» على اعتبار أنّه عنوان أكثر راحةً للمشاهد، كما أنّ فيه شيئاً من فصل الشتاء. بدأ التوليف عام 2012 (محمد عبد الجواد، فارتان أفاكيان، باربارا بوسيه)، إذ لم يكن الابتعاد عن الحدث، والتسمّر خلف طاولة المونتاج وارداً عام الثورة. بعد 25 نسخة تقريباً، أوّلها بطول 5 ساعات و40 دقيقة، توصّل السعيد وفريقه إلى الصيغة النهائية.

في التقنيّ، لا بدّ من الإشادة بتكامل الفريق. سينماتوغرافيا باسم فيّاض ذات اللون الأصفر، ما يحيل على الغروب والأفول حيناً، والاختناق حيناً آخر. حركة الكاميرا داخل جغرافيا، تعدّ كنز صور وكوادر. الاقتراب من الوجوه، بما يحقق زخماً شاعريّاً رفيعاً. التقاط الصوت وسط ضجيج القاهرة (صوت فكتور بريص، مكساج ميكائيل بار). الاستماع إلى الصمت ضمن صخبها (موسيقى اميلي لوغراند، فكتور مويس). الحصيلة فيلم من عيار الجواهر النفيسة والأحجار الكريمة. تاج السينما المصريّة الجديدة، وتكليل لبعض إنجازاتها، مثل «الخروج للنهار» (2012) لهالة لطفي، و«باب الوداع» (2014) لكريم حنفي، و«أخضر يابس» (2016) لمحمد حمّاد. مفصل شديد الأهميّة في نقلها إلى سماوات أعلى من الجمال والصفاء.

عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية

المقال بالـ Pdf في جريدة الأخبار


مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)