قراءات

عمان في الرواية العربية في الأردن، شفيق طه النوباني (الأردن)، دراسة Amman à travers le roman arabe en Jordanie

, بقلم محمد بكري


جريدة القدس العربي


10-03-2013
جريدة القدس العربي
د. إبراهيم خليل، ناقد وأكاديمي من الأردن


قبل مائة عام من صدور هذا الكتاب ظهرت الرواية العربية الأولى وهي رواية زينب لمحمد حسين هيكل1914. ومع أن هذه الرواية تحيط بريادتها علامات استفهام كبيرة، إلا أنها تمثل إذا نظرنا لفن الرواية من حيث البناء والأسلوب والتعامل مع الواقع- نموذجا يشجع على التسامح إزاء الروايات الأخرى التي تدعي الريادة. ولكنّ النقد الأدبي ظل على تردده في ما يختص بمسألة الاعتراف بالرواية، والتسليم بحقها في أن تحتل مقعدها المناسب في نادي الفنون إلى جانب فنون أخرى أكثر احترامًا، وتوقيرًا، كالشعر، والنثر، والرسائل الإخوانية، والديوانية، والسيرة، وفنون قوليّة أخرى.

وكان ينبغي لنا أن ننتظر أكثر من نصف قرن ريثما تعد أول أطروحة دكتوراه حول الرواية العربية في مصر من سنة 1871- 1937. وها نحن أولاء نرى في أيامنا هذه- وقد أضْحت الأطاريح التي تكتب عن الرواية، والروائيين، في هذا القطر أو ذاك، أكثر من أن تعد، أو تحصى. فما الذي يعنيه هذا إن لم يعن أن الرواية التي تردد نقاد النصف الأول من القرن الماضي في الاعتراف بها أضحت لاعبًا رئيسيًا في (مباريات) الأدب، والفنّ. وهذا الكتاب الذي نحن بصدده ’ عمان في الرواية العربية في الأردن ’(2013) خطوة أخرى جديدة تضاف لما تراكم من رسائل، وأطاريح، ومن كتبٍ ومُصنّفات، تتخذ من الخطاب الروائي فضاءً مفتوحًا بحدوده القصوى ليصول فيه قلم الناقد، ويجول.

ومثل هذا العنوان لا جَرَم أنه في حاجة لبعض التحديد من حيث الزمَن، فالمكان واضح، وحدوده بيّنة لا لبْس فيها، ولا غموض، لكن الزمن، وأعني الزمن الذي اجتازته الرواية موضع الدراسة، يفتقر لهذا التحديدِ، ولذاك الوضوح. فهل يتناول الباحث الرواية في المطلق، أم يلتزم بمرحلة معينة من تاريخ هذه الرواية، أم يلتزم باختيار روايات لكتاب متخيَّرين؟ هذا شيء لا يتضح لا في العنْوان، ولا في التقديم الذي اقتصر على إشارة خجولة لاختيار 14 رواية يتجلى فيها حضور عمان مثلما يتجلى فيها التنوع، وذلك اعتراضٌ قد يوصف بالاعتراض الشكلي من بعض الوجوه، بَيْد أنهُ يقود إلى تساؤل، هو: لمَ لا يتناول الباحث د. شفيق طه النوباني في كتابه هذا روايات محمد سعيد الجنيدي، أو عيسى الناعوري ( جراح جديدة) أو رواية فؤاد القسوس (العودة من الشمال) أو رواية (الساحات) لسالم النحاس؟ أو رواية شارع الجاردنز لأفْنان القاسم؟ ولمَ لمْ يتناول رواية ’ رغبات ذلك الخريف ’ لليلى الأطرش؟ ورواية ’ حيث لا تسقط الأمطار ’ لأمْجد ناصر؟ تجنب مثل هذه الأسئلة يكمنُ في التحديد الزمني الذي تخلى عنه المؤلف، فبعض هذه الروايات صدر في زمن مبَكّر، وهو ما لم يلتفت إليه الباحث، وبعضها صدر مؤخرا في العام 2010 ولعل الباحث كان قد شرع في إنجاز الكتاب عند صدور تلك الرواية. فالإفلاتُ من هذا الإشكال، وتجنب هاتيكَ التساؤلات، يتطلب إضافة عبارة من 1988 2008 على اساس أن أقدم رواية تناولها هي مخفات الزوابع الأخيرة 1988 وأحدث رواية تناولها كانت رواية أرض اليمبوس 2008.

والكتاب- فيما أعلم - رسالة كتبت لنيل درجة علمية في الآداب، وهي الدكتوراه، ثم طبعت الرسالة ونشرت في كتاب، وكنا نتمنى لو أن المؤلف الكريم الدكتور شفيق أعاد النظر في الكتاب قبل نشره ، فبعض الروايات التي تناولها كثيرٌ عليها أن تدرج في فنّ الرواية. وقد صرح المؤلف نفسه بذلك في أثناء الحديث عنها لكنه اضطر لتناولها بحكم أن الرسائل توجب على الباحث ألا تفوته صغيرة ولا كبيرة من بيانات الموضوع، ولكنه عندما ينشر البحث في كتاب يتمتع مؤلفه بالحرية الكاملة، ويستطيع أن يحذف ما يشاء، ويحتفظ بما يشاء. على أن هذه الملاحظ الشكلية لن تشغل القارئ الذي تتاح له فرصة الاستمتاع بقراءة فصول الكتاب عن رؤية الأثر الإيجابي الجليّ لتتبع المؤلف اليقظ للروايات، وتحليلاته السديدة، والنافذة، ورؤاه الثاقبة للأدب، وهي رؤىً تنمّ على تجارب سابقة، وخبرة في القراءة، والتحليل، والنقد.

صرفَ المؤلف أكثر جهده في تتبع الروايات التي اتخذت من عمان جزءًا من استراتيجية السارد، فطغى المشهد المكاني(العمَّاني) في تلك الروايات على غيْره. ومن ذلك على سبيل المثال- رواية خريس ’ دفاتر الطوفان ’ورواية غرايبة ’ الشهبندر ’ ورواية نصرالله ’ حارس المدينة الضائعة ’ ورواية زياد قاسم ’ أبناء القلعة ’ وغيرها من رواياتٍ يجدُها القارئ وقد وُضعتْ تحت المجهر.

وهذا القسم من الفصل الأول الذي يمتد نحو 160 صفحة من الكتاب، الواقع في 260 صفحة، يجد القارئ فيه قراءات متوالية لنصوص سردية تلفت النظر لتحوُّلات المكان، وتطور المدينة التي كانت في دفاتر الطوفان، والشهبندر، أشبه بقرية كبيرة تحولت كثيرا، ونمت نموا أكبر، لتصبح مدينة ذات تاريخ في أبناء القلعة، وحياة سياسيّة في الذاكرة المستباحة، وهما روايتان تسلطان الضوء على الغليان السياسي الذي شهدته عمان في مراحل لا تخلو من اضطرابات، وحروبٍ، ونكسات وانكسارات حادة.

ويتضح هذا في قراءة د. شفيق التي تسبر أغوار الذاكرة المستباحة، فعلى الرغم من أنها رواية يتوجَّه فيها الكاتب توجُّهًا مقصودا للحديث عن عمان ليقدم لنا رؤيته الخاصة لها، إلا أنه تحدث في الواقع عن السياسة، والتحولات الاجتماعية فيها، ساعيًا بطريقة فنية رمزية لتصوير شيخوخة الحركة الحزبية في الأردن. وما يراه المؤلف في ’ الذاكرة المستباحة ’ للرزاز يجده في حارس المدينة الضائعة لإبراهيم نصرالله.، متجاوزًا الشبه بين حبكة هذه الرواية ومسرحية ناطورة المفاتيح. فالمدينة بشقيها: المُهمَّش التعس، والثري المرفّه، تفرُشُ ظلالها على الحكاية، لكن فحوى هذه الحكاية لا يتخطى التهكُّمَ الساخر على واقع أشد غرابة من العَجائب.

ولا يجد الناقد بُدّا من تصنيف الروايات إلى صنْفين، صنفٍ يتوجه بسرْده، أو بمحكيه السردي، لعمّانَ مجسدًا رؤيته الخاصة لها إنسانا وحجرًا وشجرًا. وآخر يتوجه للإنسان، وهو في توجُّهه هذا لا يفتأ يتخذ منها مكونا سرديًا يجلو صورة هذا الإنسان. من ذلك على سبيل المثال رواية ’ سلطانة ’. فنحن نعتقد جازمين، ونشاطر المؤلف رأيه، في أن غالبًا لم يكن يعتزم أن يصور الحياة في عمان مثلما أراد هاشم غريبة أن يفعل في روياته ’ الشهبندر ’، وعلاقته بسليم الدقر، وابنته سلمى، ولا مثلما أرادت خريس في ’ دفاتر الطوفان ’ من خلال الحديث عن مقهى حمدان، وعن السجائر، والحلقوم، والسكر، وغيره.. وإنما كانت غاية هلسا الأولى تنصب على تصوير شخصية جريس وما كان يعانية من مُكوّن أوديبي، وسلطانة، وأمها سلمى، ثم أميرة، وعلى الهامش ظهرت العلاقات المتشابكة التي أتاحت لمكون سردي آخر أن يلقي بظلاله على الحوادث، وهو الأحزاب، والحياة السياسية. ولا نبالغ إذا قلنا إننا لا نرى في الروايات التي تناولها د. شفيق، ناقدا، محللا، رواية واحدة تضارع رواية ’ سلطانة ’ لا من حيث رؤيتها للمكان، ولا من حيث الفن الروائي الذي لا لهْوَجَة فيه، ولا تشتُّتَ، ولا تفَكُّك، ولا اصطناع، سواء في اللغة، أو في التشخيص، أو حتى في إشاراته لفضاءِ النص.

فالوحيد من بين الروائيين الذين شُغل بهم د. شفيق في هذا الكتاب الذي يعي الرواية، وكتابة الرواية، بصورة صحيحة، هو غالب. فرواية جمعة القفاري، التي عرض لها المؤلف، لا تخلو من ثغراتٍ فنية تجعل السرد فيها هشّا، على الرغم من أن الكاتب مؤنس الرزاز يقدم لنا فيها نموذجا إشكاليًا، غير أن هذا النموذج الإشكالي يفتقر طوال الرواية للمجتمع الليبرالي الذي نبّه عليه لوسيان غولدمان، ومن قبله جورج لوكاش. وتنبه الناقد د. شفيق من هذه الزاوية لروايات أخرى لم تكنْ عمان موضوعُا مباشرًا فيها، ولا حتى غير مباشر. وإنما هي فضاءٌ لا بُد منه لِوَسْم الأحداث التي تقوم عليها الحبكة بالطابع الواقعي، الذي ينسجم مع قواعد الاحتمال والضرورة. فلو أنَّ وقائع رواية ’ الحياة على ذمة الموت ’ لجمال ناجي اختيرت لها مدينة أخرى إربد، أو السلط، أو الكرك، أو المفرق، مثلا.. فلن يتغير فيها إلا أسماء الشوارع والأحياء وربما أسماء بعض الشركات. وذلك خلافا لما يجده القارئ في رواية ناجي ’ عندما تشيخ الذئاب ’ فأنماط الشخوص تمثل أنماطًا من الأمكنة تتصارع ويتصارع عليها الأشخاص، فهم يختلفون باختلاف الجوفة عن اللويبدة وجبل عمان والرابية عن عبدون. فهذا نظير ذلك، وهذا نقيض هذا. فالشخصياتُ تمثل لدى المؤلف الناقد نماذج إيديولوجية: طايل السلفي المتدين، والجنزير مدعي التدين، وجبران اليساري المستوزر، وعزمي الوجية المستعد لارتكاب الموبقات، وسندس إلخ.. كذلك الأماكن تنْعكِسُ فيها هذه الأنماط ، وتختلف فيها حتى الألسن.

ولا نعتزم تتبع فصول هذا الكتاب فصلا تلو الآخر، فجلها يستحق التتبع، ولكننا سنقف عند الفصل الموسوم بعنوان ’ عمان والبناء الروائي ’ فالباحث ينطلق في هذا الفصل من تصنيف مماثل لما سبق، فالروايات نوعان: أولهما يتخذ المكان مقصدًا ، والثاني مكونًا من مكونات السرد الروائي. وإذا سَمَح لنا المؤلف بقليل من الاختلاف معه فسنجرؤ ونقول في غير قليل من التحفظ: إنه لا يعقل أنْ يَكْتب كاتب (حقيقي) رواية وفي مقاصده أن ( يبئر) المكان(المدينة) فيجعل منه غرضه الرئيس في النص، وإذا وُجد مثل هذا الكاتب فما علينا إلا أن نضمّخ بالعِطْر رأسَه، ونبعث به إلى مكان آخر قائلين له اذهب، وتدرب على كتابة الرواية، ثم عُدْ إليْنا، واكتب رواية مثلما يكتبُها الناس. صحيح أنّ المكان شرط من شروط الرواية إذ هو يساعدنا - نحن القراء - على تخيّل الحوادث، والدخول في اللعبة الذهنية التي أرادها لنا الكاتب، ولكن هذا ينبغي أن يكون ناتجا ونابعًا من صميم الحوادث، ومن داخل الحكاية، ومن نسيج الحُبْكة، لا أنْ يكون مفروضًا على ذلك كله بصورة قسْريّة، وهذا ما وقعت فيه ليلى الأطرش في روايتها ’ رغبات ذلك الخريف ’ التي شذت فيها عن رواياتها الأخرى، وعن بقية أعمالها الجيِّدَة، كونها قدمت الأمكنة على الشخوص، وعلى الحوادث، وعلى الحبْكة، وعلى عناصر الرواية الأخرى، وأقحمت الأماكن في الرواية حيث لا يتطلب الأمرُ ذلك. ولهذا من واجب النقد، والناقد ذي البصر النافذ، الثاقب في الأدب، أنْ يُصرّحَ، بلا مواربة ، بالأخطاء التي يقع فيها الكتاب، وألا يتردِّد، أو يتحفظ ، إزاء ذلك، وإلا فلنعْلنْ وفاة النقد، ولنترحّم على روحهِ الطاهرة.
ولا ريْبَ في أنَّ القارئ سيَحْسُدُ المؤلف على صبره، وجلده، الذي يتجلى في أثناء الحديث على بنية رواية ’ مخلفات الزوابع الأخيرة ’ فقد تقصى الإشارات التي وَرَدتْ في الرواية بما لها من دلالات على انتقال المدينة، التي لم يذكر الكاتب اسْمها، من طوْر لآخر، فتعمْلقتْ فيه، وامتدت، وارتفعت أثمان العقارات فيها والأراضي، وتشاجرت العائلاتُ، والعشائر، ووقعت كوارث سببها الطمع في الأرقام الفلكية التي أصبح يحلم بها مالكو تلك الأراضي، أو منِ استملكوها بوضع اليد. ولا مندوحة لنا عن الاعتراف بأن صبْرَ الباحث د. شفيق أمَدّهُ بقدرة لا تضاهى في تتبع التقنيات السردية التي خفَّفتْ من حدة الأثر السلبي للطابع الكلاسيكي في رواية أبناء القلعة، ونقرأ بشوق ما جاء به من (تشفير) رمزي لرواية ’ الذاكرة المستباحة ’ وما كشفت عنه دراسته عن توظيف التراث في ’ حارس المدينة الضائعة ’. ولم يفته أن يشير للأثر السلبي الذي تركه نمط السيرة على رواية فركوح ’ أرض اليمبوس ’.

صفوةُ القول، وزبدة الحديث، أنَّ هذا الكتابَ، لو أضيف لعنوانه ما يوحي بتحديده، زمنيًا، أسوة بتحديده في المكان، وأضيف إليه بعض الروايات التي لم تدرس، مثل: رواية ’ شارع الجاردنز ’، و ’رغبات ذلك الخريف ’، وأسقطت منهُ روايات لم يَجدْ المؤلف نفسه فيها ما يستحقّ البحث، كرواية ’ شارع الثلاثين ’، ورواية ’ موزاييك ’ لكانَ منْ أفضل ما ألفَ، وَنُشرَ، في هذا الموضوع، لذا أجدُني مُقصِّرًا جدًا، بل مُغاليًا في التقصير إنْ لمْ أهنئ شفيقًا بكتابهِ الجيّدِ هذا.

صدر الكتاب عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمان، بدعم من وزارة الثقافة، ط1، 2013

عن موقع جريدة القدس العربي

- المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)