صورة المرأة في السينما العربية

, بقلم محمد بكري


 سينما المخرجات في المغرب


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
محمد اشويكة - ناقد مغربي


سينما المخرجات بالمغرب تظل حاملة لخصائص ترتبط عضويا وبنيويا بمخرجاتها، وهذا ما يجعلها تدخل في سياق “سينما المؤلف” نظرا للانزياحات الفنية والجمالية.

اقترانا بتحول الرؤية للمرأة وفقا لنضالات الحركات الفكرية والحقوقية التي نشرت فكر التحرر والمساواة، استطاعت المرأة منذ السبعينات في أوروبا (فرنسا مثلا) أن تلج عالم الفن السابع كمخرجة (Réalisatrice)؛ إذ ما فتئت أعمالها، منذ ذلك الزمن، تحظى بالمتابعة من طرف المهنيين والصحافيين والنقاد والباحثين والجمهور.

فقد أخرجت أفلاما سينمائية وتلفزيونية درامية ووثائقية.. بلغ البعض منها أوج الإبداع والتتويج في كبريات المحافل السينمائية العالمية، إلا أن الأمر لا يصل إلى حدود المساواة الفعلية، فعدد المخرجات في أوروبا وآسيا وهوليوود وبوليوود وكندا لم يصل بعد إلى مطامح مهنيات هذا القطاع الحيوي لأسباب متعددة تتعلق بميزان قوى الإنتاج السينمائي ورهاناته في كل دولة؛ إلا أن الأمر في بعض المجتمعات العربية والعالمثالثية يقمع المرأة إلى حدود منعها من الظهور عارية الوجه لالتقاط صورة تذكارية في مكان عمومي!

لم تخلف المرأة المغربية موعد الالتحاق بركب النساء المبدعات في مجال الإخراج السينمائي؛ بل تجاوزت كل الإكراهات التي لا تتشابه طبعا مع مثيلاتها الغربيات. فكانت فريدة بورقية أول مخرجة وفريدة بليزيد أول منتجة.

ومع تطور حركة السينما بالمغرب أصبحنا نراها تلج مجالات الكتابة السيناريستية والمونتاج والصوت والتصوير.

كيف ولجت عالم الإخراج؟ ما هي مرجعياتها؟ هل استطاعت بالفعل أن تنحت لنفسها مسارا متميزا عن “سينما الرجال؟” هل هناك لمسة فنية تخص أفلامها؟ ما هي تيماتها الأثيرة؟ هل نستطيع الحديث عن “فيلم نسائي” مغربي بجرعات ومواصفات خاصة؟ هل تسربت إلى أفلامهن بعض الخطابات “النسوانية” أم أن الأمر يدخل في إطار سوسيوثقافي عام؟ ما مدى اختلاف ملامح أفلام سينما المخرجات عن أفلام المخرجين؟

بالرغم من المشاكل التي قد يحدثها تصنيف أفلام المخرجات المغربيات، إبستيمولوجيا، تحت يافطة مصطلحات من قبيل “سينما المرأة” و”السينما النسائية”.

إلا أن اللجوء إلى توظيف مصطلح “سينما المخرجات” كمفهوم إجرائي قد يمكننا من الابتعاد عن السقوط في مطبات الحمولات القدحية والأيديولوجية لمثل هذه التصنيفات باعتبارها مقولات ذات خلفيات بيولوجية سيما وأن الإبداع لا يحدده الجنس (ذكر أو أنثى)، مع الإقرار بصعوبة أن أفلام المخرجات لا تكاد تخلو من نضال تجاه قضاياهن، ومن روح نسائية متأثرة بما يقع في محيطهن القريب والبعيد (الغرب مثلا)، وخصوصا لدى المغتربات منهن أو اللاتي درسن هناك، وقد يظهر ذلك أثناء تناولهن لبعض القضايا المتعلقة بالمرأة مع اختلاف ذلك من تجربة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر.

تحكم أفلام المخرجات نظرة خاصة تجعل الكاميرا تحت إدارة وتوجيه مخرجة، وذلك من خلال التسربات والرواسب العاطفية والتربوية أثناء تناول المواضيع: مثلا، تتناول فريدة بورقية قضية الطفولة بإحساس خاص يظهر من خلال إدارتها للأطفال بشكل يختلف عن أفلام أخرى.

كما أن فريدة بليزيد تقدم بعض قضايا المرأة المغربية في فيلميها “باب السْمَا مفتوح” و”كيد النْسَا” بطريقة فنية مختلفة.. أما زكية الطاهري فترى علاقة الرجل بالمرأة من زاوية خاصة في فيلمها “Number one“.

فالمتلقي اليقظ يحس بمرور بعض الأفكار المميزة لأسلوب تفكير كل مخرجة عبر الشخصيات والوظائف ومن خلال الإنارة واللباس والديكور.. وهي أفكار قد تنبع في بعض الأحيان من صميم “مجتمع النساء”، تتحكم فيها رؤية متأثرة بالتحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب أو التي يعرفها مغاربة المهجر.

تتميز كل مخرجة سينمائية مغربية بأسلوبها وبطريقتها الخاصة في توظيف اللغة السينمائية وبفرادة عوالمها رغم قلة فيلموغرافيا المخرجات المغربيات مقارنة مع الرجال؛ إلا أنهن استطعن مراكمة تجارب مهمة انفتحت على أساليب وتيارات وأنواع فيلمية متعددة، مع الإشارة إلى طغيان الدراما الاجتماعية على جل أفلامهن، وهي سمة تميز السينما المغربية كلها.

تظل سينما المخرجات بالمغرب حاملة لخصائص ترتبط ارتباطا عضويا وبنيويا بمخرجاتها، وهذا ما يجعلها تدخل في سياق “سينما المؤلف” نظرا للانزياحات الفنية والجمالية المَيَّالَة إلى تغليب الرؤية الذاتية التي تبدو جلية في منجز كل واحدة.

إن هذا التعدد الفني واختلاف المدارس والخلفيات التي يمتحن منها، هو ما يجعل سينما المخرجات في المغرب لا تندمج في إطار تيار أو مدرسة أو اتجاه يميزهن عن سواهن من المخرجين بل لم تستطع إحداهن اختراق الساحة المغربية إلى ما عداها خاصة على المستوى العربي، كما فعلت ذلك إيناس الدغيدي المصرية أو مفيدة التلاتلي التونسية أو يامينة بشير الشويخ الجزائرية.

ومن الممكن القول إن أهم سمات هذا التنوع ديناميكيته من حيث استثمار المواضيع وطريقة تناولها، حدة خطاباتها وعمقها، اختلاف زوايا الرؤى وتباين المواقف والخطابات.

فكل مخرجة تقترح رؤيتها الإخراجية المتفردة.. إنهن يسهمن في إغناء السينما في المغرب بشكل يجعلها متجددة ومنفلتة من التكرار الموضوعاتي والتشابه الفني مع العلم أن العديد منهن لم يتجاوز بعد حاجز الفيلم الروائي الطويل الأول مع قلة منهن ننتظر أولى أفلامهن الطويلة.

لا تخرج اهتمامات المخرجات المغربيات عن مثيلاتهن في العالم، فهن يتناولن، بطريقة واعية أو لاواعية، الواقع الاجتماعي وقضايا العائلة والإشكالات الجنسانية، وهي تيمات ترتبط ارتباطا شديدا بعوالم المرأة في أعمق امتداداتها دون إغفال خصوصية الموقف من العادات وأدوار المرأة في المجتمع وعواطفها وغرائزها.. فقد يطرح كل فيلم توقعه مخرجة مغربية إشكالات مختلفة على الناقد والباحث تتعلق بتمثل المرأة لذاتها ولواقعها، وما يقترب ببعض الخصائص الجوهرية المُشَكِّلَة لهويتها.

صنعت أفلام المخرجات المغربيات، المقيمات منهن بالمغرب والمغتربات، الحَدَث في العديد من الملتقيات الوطنية والدولية سواء من حيث الإعجاب بأفلامهن أم بتلقي النقد غير المهادن لهن، فقد تناولت بعض الأفلام قضايا حساسة في الوجدان المغربي كمنحها فرصة الظهور لبعض الفئات النسائية المسكوت عن مشاكلهن (فيلم “العيون الجافة” لنرجس النجار)، والتزامها بقضايا الدفاع عن المرأة المغربية (فيلم “كيد النْسَا” لفريدة بليزيد)، وإثارتها لمشاكل ذات خصوصية نادرة كإرغام بعض المهاجرين لأبنائهم على العودة إلى البلد الأصل والمكوث به نهائيا رغم ازديادهم بالخارج (فيلم “فرنسية” لسعاد البوحاطي).

حاولت أفلام المخرجات بالمغرب أن تلامس، بطريقة ضمنية أو ظاهرة، صورة المرأة عن ذاتها وعن جسدها وتمثلها لقضايا الجنس بنوع من التحرر (فيلم “ماروك” لليلى المراكشي) أو المحافظة (فيلم “الراگد” لياسمين قصاري). أظهرت بعض الأفلام أيضا جوانب من همومها وانشغالاتها العاطفية والأسرية وما يتعلق بذلك من علاقات ترصد نظام الصِّلاَت الاجتماعية والعادات (فيلم “في بيت أبي” لفاطمة جبلي الوزاني)، وارتباطات الرجل بالمرأة (فيلم “طريق لَعْيَالاَتْ” لرحمة بورقية)، وإخفاقاتها ونكساتها (فيلم “انهض يا مغرب” لنرجس النجار)، ومشاكل التثاقف (فيلم “خوانيطا بنت طنجة” لفريدة بليزيد)، وغير ذلك من المواضيع.

سلطت المخرجات المغربيات الضوء على قضايا مهمة تدخل في نطاق الطابو غير ما مرة، كما اهتمت سينماهن بتساؤلات تقع في عمق الراهن المغربي، وقد واجهنها بكل جرأة: فأن تعري الرجل كليا في فيلم، رغم النقاش الذي يمكن أن يدور حول إلزامية ذلك، ليس بالأمر الهين في مجتمع تصدمه صورته الحقيقية حين يراها دون مساحيق على الشاشة، وهذا ما قامت به بجرأة صاخبة كل من نرجس النجار وليلى المراكشي.

يتضح من خلال جرد تاريخي لفيلموغرافيا المخرجات المغربيات أن الفيلم الروائي القصير قد شكل طفرة مهمة في الآونة الأخيرة ضمن منجزهن العام بالرغم من اختلاط الحوامل والدعامات (Les supports)، وفي ما يلي بعض البيانات عن متنهن الفيلمي:
الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة:

وصل عدد الأفلام المنجزة منذ فيلم “الجمرة” (1982) للمخرجة فريدة بورقية، وصولا لفيلم “دون جنسية” (1918) للمخرجة نرجس النجار حوالي ثلاثين فيلما، منها أربعة أفلام وثائقية وآخر يمزج بين الوثائقي والدرامي (Doc fiction).
الأفلام الروائية والوثائقية القصيرة:

أصدر المركز السينمائي المغربي كتابين حول الفيلموغرافيا المغربية: الأول بالعربية تحت عنوان “الفيلم المغربي القصير”، والثاني بالفرنسية بعنوان “خمسون سنة من الأفلام المغربية القصيرة (1947-1997)، وقد شملا بين تضاعيفهما مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية القصيرة التي أنجزتها مخرجات مغربيات انطلاقا من فيلم “الطريقة العلمية” (1983) للمخرجة الرائدة إيزة جينيني إلا أن المعطيات قد تجاوزته اليوم بكثير، إذ تجاوز عدد الأفلام الثمانين تقريبا، كان آخرها أربعة أعمال روائية عرضها المهرجان الوطني للفيلم في دورة السنة الفارطة، وهي “لا” للمخرجة دمنة بونعيلات، و”محمد، الاسم الشخصي” لمليكة الزايري، و”خلف الجدار” لكريمة زبير، و”أمل” لعايدة السنة.

بعد هذا الجرد الذي يبين حجم الطفرة الكمية التي عرفتها سينما المخرجات بالمغرب والتي اعتمدنا في تصنيفها على ما شدناه من أفلام وما أدرجته مهرجانات مشهود لها بالمصداقية ضمن مسابقاتها أو في إطار عروض خاصة (بانوراما)، يصعب بالفعل الاعتماد في التصنيف على الأفلام من مقاس 35 ملم، كما يصعب أيضا التحقق من ذلك في ظل العروض الرقمية التي تقوم بها العديد من الملتقيات والمهرجانات بالمغرب وخارجه.. وبالتالي فما ألمحنا إليه سابقا كان بمثابة الوثائق الملموسة التي يمكن اللجوء إليها في إطار المسارات التي قد يقود إليها البحث في مثل هذا الباب.

إذا ما استندنا إلى فيلموغرافيا المخرجات المغربيات، في عمومها، نلاحظ أن الكثير منهن لم يتجاوز بعد حاجز الفيلم الطويل رغم بدايتهن المبكرة في مجال الإخراج كمريم بكير، وأخريات ولجن عالم الإخراج من باب المحافظة على مهنتهن كمنتجات في مجال التلفزيون (فاطمة الزهراء بنعدي) ومنهن من يفصل فارق زمني شاسع بين فيلمهن الأول والثاني: أنجزت رحمة بورقية فيلمها الروائي الطويل الأول سنة 1982 في حين أنجزت الثاني سنة 2007 وذلك لانشغالها بمجال الإخراج التلفزيوني كأولوية مهنية. ومنهن من لم تستطع تجاوز عتبة الفيلم الوحيد (فاطمة جبلي الوزاني) وهي سمة غالبة على جلهن. ويتميز بعضهن بالجمع- أسوة بزملائهن الرجال- بين أكثر من مهنة سينمائية كالكتابة السيناريستية والإنتاج والإخراج (فريدة بليزيد).

ولجت المخرجة السينمائية المغربية بوابة الفن السابع عبر روافد وأسلاك تكوين مختلفة، فالجيل الأول منهن جاء من باب الدراسة الأكاديمية؛ إذ حصلت فريدة بورقية على دبلوم الفن الدرامي وماجستير في الفن (تخصص الإخراج) من موسكو إبان الاتحاد السوفييتي، ونالت فريدة بليزيد دبلومها في الإخراج من معهد ESEC بفرنسا، وتابعت إيزة جنيني دراستها للغات الشرقية بجامعة السربون الفرنسية.

يممت المخرجة والموزعة إيمان المصباحي – من الجيل الثاني- وجهها صوب مصر لتعود بشهادة الميتريز في السينما من المعهد العالي للسينما بالقاهرة، وأحرزت فاطمة جبلي وزاني دبلومها في الإخراج وكتابة السيناريو من أكاديمية الفيلم والتلفزيون بهولندا، ونالت ياسمين قصاري دبلومها في الإخراج من معهد “ENSAS” ببروكسيل (بلجيكا).

تابعت بعض المخرجات من الجيل الجديد دراستهن بعدة مدارس سينمائية خاصة بالمغرب كأسماء المدير وفاتن جنان محمدي اللتين درستا بمدرسة “ISCA” بالرباط، فيما جاءت ليلى التريكي وبشرى إيجورك من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي “ISADAC” بالرباط حيث حصلت الأولى على دبلوم في السينوغرافيا، واستفادت الثانية من تكوين بالجامعة الصيفية بمدرسة الـ”FEMIS” الفرنسية، ومن تكوين أشرف عليه مارتن سكورسيزي وعباس كيروستامي خلال إحدى دورات مهرجان مراكش الدولي.

يلاحظ على مستوى التكوين أن جل المخرجات السينمائيات المغربيات قد ولجن المهنة من باب التكوين الأكاديمي مع استثناءات قليلة- بخلاف المخرجين الرجال- إذ جئن إلى السينما من باب التكوين الأكاديمي على مستوى التعليم العالي المتخصص في غالبيته. وبعضهن ولجن الإخراج من ضفاف قريبة كالمسرح، فأكملن دراسة السينما أكاديميا كي يعضدن مسارهن المهني كمخرجات (ليلى التريكي وبشرى إيجورك) ومنهن من ولجن المهنة من باب التمثيل (زكية الطاهري وسناء عكرود) ومنهن من ساقتهن الخبرات والتداريب المهنية (رشيدة السعدي) أو الجوائز (سناء ورياشي) إلى مجال الإخراج، وهن قليلات.

نسجل من خلال ما سبق بعض الملاحظات؛ أهمها:

- يظهر أن أساليب المخرجات المغربيات في الإخراج تختلف من واحدة إلى أخرى كما أن توجهاتهن وزوايا رؤاهن لبعض القضايا تتمايز بين المقيمات منهن في المغرب أو المغتربات، وبين المُكَوَّنَات بالخارج والأخريات اللائي تلقين تكوينا بالمغرب، كما تتباين طريقة مقارباتهن إذا قارنا بين جيل الرائدات منهن والمتأخرات: لا يمكن مثلا أن نقارن أفلام فريدة بورقية وفريدة بليزيد بأفلام نرجس النجار وليلى المراكشي، ولا سيما حين تناولهن لبعض القضايا الخاصة بالمرأة، فقد يظهر البون شاسعا عندما نقارن أفلام الثمانينات بأفلام التسعينات وما تلاها.

- قليلات هن المخرجات (فاطمة جبلي وزاني، ليلى كيلاني…) اللواتي اخترن الفيلم الوثائقي كأسلوب تعبيري، وهذا يمكن إرجاعه إلى جاذبية الفيلم الروائي الطويل ودواليب تمويله المنتشرة والمدعمة، وكذا سبل انتشاره.

- ساهمت عوامل سوسيوثقافية متعددة في عدم امتهان المرأة المغربية للمهن السينمائية بسبب التَّمَثُّل القدحي لها، وعدم انفتاح التعليم المغربي عليها، وصعوبة احترافها، وهكذا يمكن اعتبار المخرجة فريدة بورقية رائدة من حيث تَحَدِّيهَا ودراستها بروسيا في زمن كان الذاهب إلى تلك البلدان مراقبا.

- اختلاف المرتكزات الفنية والحمولات الأيديولوجية والرمزية لدى المخرجات المغربيات، وهذه مسألة لا تتعلق بالتكوين بالخارج أو الاغتراب: نلاحظ مثلا أن أفلام كل من فاطمة جبلي وزاني وياسمين قصاري وزكية الطاهري توظف جسد المرأة بأسلوب يكاد يكون شبيها بفريدة بورقية وفريدة بليزيد.

- تأثر كل مخرجة بنوع التربية الأسرية والمدرسية وانكبابها على قضايا ثقافية تقترب من أسلوب تفكيرها في أسئلة المرأة داخل المجتمع المغربي.
ينشر الملف بالاتفاق مع “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 مسارات وتحولات.. صورة المرأة في السينما المصرية


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
رزان إبراهيم - ناقدة من الأردن


كثيرا ما تحضر المرأة في إطار نماذج أنثوية متكررة لا على صعيد الشكل الخارجي، وإنما نرقبها وقد ظلت غارقة في عوالم ضيقة تطرحها امرأة متمسكة بقيم المجتمع الأبوي.

في كتابه “النظرية الثقافية والثقافة الشعبية” يشرح الباحث الإنكليزي جون ستوري كيفية إخضاع الجماهير وتطويعها لقبول تصورات موجهة تقف وراءها مؤسسات لها اشتراطاتها في الاحتفاء بمنتج ثقافي خلافا لآخر تعمل على تنحيته جانبا، ليغدو الترويج أو النشر أو العرض مؤطرا بمقاصد جهة بعينها، فهناك من دون أدنى شك صناعة ثقافية ممنهجة قد تتفوق في آثارها على فعل الجيوش والأسلحة، من شأنها السماح بإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية، وكذلك السياسية. ولعل حديثنا عن الثقافة الجماهيرية وعلاقتها بالسلطة له ما يبرره في سياق الحديث عن السينما العربية، وأخص بالذكر هنا السينما المصرية، التي لا يجوز بحال من الأحوال تجاوز سطوة كبيرة مارستها، وكانت لها آثارها الجلية في تشكيل الأبعاد الفكرية والنفسية والوجدانية والمزاجية والدينية والقيمية والسياسية لدى قطاع كبير من الأفراد على امتداد أقطار العالم العربي.

كانت المرأة، وعلى مدار سنوات موضوعا أساسيا في الفن والأدب، بل إن السينما ومنذ النشأة، اعتمدت المرأة لتكون العنصر الأهم الذي لازم كافة الحكايا السينمائية، وكانت دون أدنى شك الطرف الأبرز أيضا في منعطفات الحبكة ومجريات الحدث السينمائي، بما يجعلنا قادرين على الحديث كما سيأتي في سطور قادمة عن صور بعينها اعتمدها الكتّاب والمخرجون، ظهرت معها المرأة أداة للتعبير عن العديد من الأمور والقضايا التي شغلت الرأي العام في فترات زمنية مختلفة. يبقى السؤال الأبرز في هذا المقال متمحورا حول القضية التالية: هل اقتربت صورة المرأة من الواقع أم أن أغلب الأفلام السينمائية وقعت في التنميط كما هو الحال في الرواية العربية التي تناولت صورة المرأة؟

يبدو لافتا للمراقب أن الأفلام المصرية الروائية الطويلة منذ نشأتها عام 1927 اعتمدت الفنون الاستعراضية وعلاقة الحب بين المرأة الأرستقراطية والرجل النبيل والفقير، والتي غالبا ما تنتهي بسعادة المظلوم الضعيف وقهر الظالم الأقوى. وهو الطرح الذي طالما رافقته أنماط من الشخصيات السطحية غير المركبة، والمفتقرة إلى حسّ الحياة بكل ما فيها من تفاصيل، فالشرير مغرق في شرّه، والطيّب مغرق في طيبته، وكذلك المرأة التي اختزلت على شكل ملاك حتى وإن ارتادت الحانات، ولبست ثياب الرقص، أو على شكل شيطان رجيم حتى وإن ارتدت ثياب العفة والشرف. لذلك كثرت تلك الأفلام التي تحكي عن علاقة الرجل بالمرأة دون الالتفات إلى سياقاتها المحلية الواقعية بكل ما يعتريها من أبعاد سياسية واجتماعية غاية في الأهمية، وهو ما يحضر في إطار رقابة ابتدأت منذ أيام الملك فاروق الذي يذكر عنه محمود علي في كتابه “مئة عام من الرقابة على السينما المصرية” أنه قام بمنع فيلم “لاشين” عام 1938، وأنه لم يفرج عنه إلا بعد إحداث تغييرات جذرية وافقت عليها العائلة المالكة.

في حديثنا عن المرأة في الصناعة السينمائية، لا يمكن بحال من الأحوال التغاضي عن صورة المرأة المبهرة المجسدة لصورة الأنثى في أجمل حالاتها، وإذ يحتفي المشاهد الرجل بهذه الصورة فلأنها تنبع عن رغبة فحولية لخلق المتعة البصرية المتحققة من خلال الجنس المؤنث. أما المرأة وإذ تحتفي بهذه الصورة، فلأنها قد تدخلها في حالة تقمص وجداني تحتلها وهي تتابع مرارا وتكرارا، بما يدفعها إلى تقليد صورة مرسومة رسمة ثقافية يتم ترسيخها بقصدية مدروسة، إلى درجة السعي أحيانا باتجاه تعديل إطلالتها وفقا لنموذج ممثلة أو فنانة مشهورة كما يذكر خبراء التجميل. جدير بالذكر هنا أن الممثلة السينمائية نفسها وبهذه الصيغة المطروحة تكون قصيرة العمر فنيا، وأنقل عن الغذامي قوله “فإذا ما بلغت الممثلة سنا معينة اختفت من السوق بسبب عدم تأهلها لنقل الصورة البهية المطلوبة إعلاميا ويجري استبعادها بسبب انتهاء صلاحيتها التسويقية”. بما يعيدنا إلى نقطة البداية حيث الهدف الإمتاعي التسويقي الانتهازي، وعليه فما أسرع أن تغيب النجمات بعد أن يأفل بريقهن، لتكون المرأة آنئذ مجرد أداة تمثيل ظرفية يجري الاستغناء عنها بعد نفاد الصلاحية. علما أن الانكشاف المفضوح المتكرر لجسد المرأة لم يكن إلا واحدا من عوامل متعددة أفقدت المرأة مكاسب لها على صعيد التحرر الفكري ونمو الذات.

كثيرا ما تحضر المرأة في إطار نماذج أنثوية متكررة لا على صعيد الشكل الخارجي وحسب كما أسلفنا، وإنما نرقبها وقد ظلت غارقة في عوالم ضيقة تطرحها امرأة متمسكة بقيم المجتمع الأبوي، متمثلة لميراثه، رغم معاناتها الشديدة منه. وكان عليها التعامل مع زوج كالقدر، تؤمن به سيدا مطاعا لا سبيل إلى رده، أو حتى معارضة إرادته. ومطلوب منها الانسياق وراء كل ما يبدر عنه من رغبات أو نزوات، متناسية رغباتها الخاصة. في الأربعينات والخمسينات وحتى الستينات من القرن العشرين أي السنوات التي علت فيها الأصوات التي تطالب بحقوق المرأة، برزت موجة من الأفلام كان كل همها تجسيد ما يدلل على أن المرأة التي تعمل على تحقيق ذاتها، وتجرؤ على تنفيذ قراراتها بالرجوع إلى رغباتها الخاصة، فإنها من دون أدنى شك ستكون سببا في تدمير بيتها وأسرتها، ولن يكون من حقها أن تنعم بالحب ورغد العيش إثر قرار اتخذته بالعيش إنسانا كاملا.

وما أشدّ سوء عاقبة المرأة التي ترتاد دائرة العمل لتصبح في مركز يؤهلها لاتخاذ القرار كما على سبيل المثال في فيلم شادية وصلاح ذوالفقار “مراتي مدير عام” (1966)، فنجاح المرأة في عملها يهدد هيبة الرجل وسلطته الذكورية التي يمارسها على زوجته. عموما اعتمدت هذه الأفلام أسلوبا شيّقا لا يخلو من استغلال شنيع لفكرة أن الأنوثة والنجاح في الحيز العام لا يجتمعان، وأن الواحدة بالضرورة لا تقوم إلا على حساب التضحية بالأخرى. لقد كانت هذه الأفلام في الحقيقة نوعا من المقاومة الخفية والتي كثيرا ما كانت تأخذ شكلا رومانسيا وجذابا، لكننا في الحقيقة نستطع وضعها في خانة مناهضة للفكر النسوي الذي تبنته وجاهدت من أجله حركات ومؤسسات ونساء حقوق المرأة. هذا لا يمنع ظهور فيلم من مثل “الأستاذة فاطمة” (1952)، الذي قامت ببطولته فاتن حمامة، يتناول ولأول مرة فكرة عمل المرأة وأهمية المساواة بين الرجل والمرأة، ولكنه يدخل في إطار أعمال قليلة تمكنت من كسر النمط السينمائي القائم على نماذج المرأة المستلبة الضعيفة.

وعليه يبقى الأساس في صورة المرأة هو العمل على إظهارها منشغلة بهموم سطحية صغيرة، بعيدا عن كل ما هو سياسي أو وطني خارج حدود الأسرة. بل راقبناها تمارس ظلما اجتماعيا كان قد سلط عليها من قبل، لتعيد إنتاجه على امرأة أخرى بروح سلطوية متجبرة. وهي حالات تقف وراءها مؤسسة ذكورية ترفض إظهار المرأة أنموذجا بشريا ديناميكيا مستجيبا للمؤثرات من حوله. علما أن منظمات المجتمع المدني كثيرا ما تطالعنا بتحذيرات متعددة حول الصورة النمطية للمرأة التي تقدمها السينما العربية، بما تحمله من ترويج لامرأة تفتقر إلى بعض من إنسانيتها، ولا كفاءة لها سوى أنوثة توظّفها لأغراض غير نزيهة. وما أكثر ما شهدنا هذا عبر أنموذج السكرتيرة، أو حتى الممرضة، بما تكرسانه من نماذج تستعدي فيها المرأة نظيرتها المرأة؛ فكم من نماذج ظهرت فيها المرأة كائنا دونيا لا مناص من استعباده! وكم من نساء ظهرن وقد تلبسهن الجهل والثرثرة! وكم من أخريات اختزلت صورتهن في النميمة والأحقاد، وارتبط كلامهن بالتفاهة وقلة العقل! وكم من مرة يتم الانتقاص من امرأة حرمت من رجل يشكمها! وفقا للتعبير الشائع. وكم من المرات رأينا نساء لا همّ لهن سوى المال، وكن مجردات من كل قيمة، بل إن بعض الأعمال السينمائية التي أطلت علينا بمظهر عصري، كانت أبعد ما يكون عن روح المعاصرة.

جدير بالذكر وتوافقا مع النظام الأبوي السائد، فإننا على مدار سنوات طويلة رأينا المرأة تعكس تقسيما كانت نوال السعداوي قد أشارت إليه وهي تنقل صورة المرأة في روايات نجيب محفوظ التي تحوّل عدد كبير منها إلى أفلام سينمائية، ومنها ثلاثيته (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية)، حيث المرأة القديسة الطاهرة “أمينة” تقابلها العاهرة “هنية أم ياسين” و”عائشة” الجميلة الخجولة وتقابلها “خديجة” الوقحة الدميمة، بما يصحّ توصيفه بأنه يدخل في إطار ما بات معروفا من حرص شائع على تقديم مشاكل المرأة بعين الرجل، فأطلت علينا المرأة الضعيفة التي تعيش تحت ظل الرجل، أو تلك التي لا همّ لها سوى السهر على راحته وإرضاء غروره، ومعها برزت صورة الأم الحنون والأخت والزوجة المطيعة والمغرمة المخلصة.

هناك أيضا صورة المرأة النقيض المتمردة المتحررة التي تتحدّى المجتمع وتعاني من ظلم التقاليد وتسلط الأب والأخ، علما أن هذه الصورة أخذت تختفي هذه الأيام بفعل تطورات نوعية شهدتها المرأة، ليبقى من حقنا السؤال عن غياب صورة المرأة المناضلة إلا في القليل القليل، كما في الفيلم المصري التاريخي “جميلة بوحيرد” (1958)، الذي قامت الممثلة ماجدة بدور البطولة فيه، والذي يحكي قصة جميلة بوحيرد ويعرض في الوقت نفسه نضال الشعب الجزائري ضدّ المحتل الفرنسي. والحال أن الاهتمام السينمائي ظل منصبا حول النماذج النمطية المتكررة، ليحضر السؤال مشروعا وملحا حول نماذج مسكوت عنها في السينما المصرية، كما أنموذج المرأة المثقفة أو المناضلة، كذلك لا تغيب عنا ملاحظة ظاهرة إصرار القائمين على صناعة الأفلام العربية على تقديم المرأة في فترات الشباب وإهمالها في مراحل عمرية متأخرة.

في كل الأحوال، لم تحضر المرأة بقضاياها وأطروحاتها المتعددة لتكون جزءا من مشاريع تنموية تساهم في رفع سوية المجتمع المصري، أو حتى تساهم في تفكيك منظومة ثقافية لم تر في تحرير المرأة وإنجازها مشروعها النهضوي سوى تهديد للسلطة الأبوية، بكل ما تحمله من إصرار على تجميد الأوضاع الاجتماعية والحفاظ على الممارسات التقليدية التي تعزز تهميش المرأة، لذلك يصحّ القول إن المرأة ظهرت واجهة يتمّ استغلالها لتكون أداة خادمة موجهة لغايات ومصالح سلطوية.

وعلى الأخص السلطة الحاكمة، وعليه فإن الأفلام المصرية إن اعترضت على نظام أو سلطة، فالأغلب أن يكون هذا الاعتراض موجها لنظام حاكم سابق، أما النظام القائم فلا يجوز الاقتراب منه. لذلك فإننا بالكاد نجد فيلما واحدا قبل منتصف القرن العشرين، يتناول النظام الملكي في عهد فاروق بالنقد، وإن كنا نجد العديد من الأفلام التي تدين عصر الملكية في مصر بعد ثورة يوليو 1952. فلا غرابة إذ يسمح بعرض فيلم مثل “زوجة رجل مهم” (1988)، لأنه يوجه النقد اللاذع لنظام سابق، وعليه جاءت الزوجة لتكون في صورتها رمزا مجسدا لشعب تستغله الثورة، حيث أضحت كما يبرزها الفيلم بؤرة من بؤر الفساد، مما يكرس فكرة فشل رموز الثورة في تحقيق النصر، ويعزز فكرة إرهاب الدولة. حتى أولئك الذين كانت لهم أسماؤهم البارزة في الإخراج السينمائي، من مثل صلاح أبوسيف أو توفيق صالح، فإنهم تماشيا مع ما أسلفنا تبنوا أعمالا مغرقة في رمزيتها، متقصدين فيها نزع الصفة المكانية والزمانية للعمل.

جدير بالذكر أن السينما المصرية بعد ثورة يوليو 1952، وتماشيا مع الشعارات التي أطلقت للقضاء على النظام الملكي، وكذلك تلك المنادية سابقا بالتخلص من الاستعمار البريطاني، تجدها قد عمدت إلى إظهار المرأة رمزا للوطن، بما ينسجم واستخدام السينما ليجعل منها بوابة لتمرير الفكر القومي، فظهرت العائلة رمزا لأطياف الشعب، بينما كرست الأم رمزا للوطن، وجعلت من الأب رمزا للثورة، مع تأكيد روح التعاضد في تناغم رومانسي مقصود يلبي توجهات النظام الحاكم. نذكر من هذه الأفلام “أنا حرة” تمثيل شكري سرحان ولبنى عبدالعزيز (1959)، عن رواية إحسان عبدالقدوس التي تمجد الثورة، وتطرح قضية تحرر المرأة التي تصلها في النهاية إلى المعنى الأكبر للحرية في الوطن. علما أن جل هذه الأفلام كان مستوحى من روايات لكتّاب معروفين من مثل نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس. نذكر في هذا المضمار فيلم “ميرامار” المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، والذي قامت بالدور الرئيسي فيه شادية، وكانت ترمز لمصر الثورة.

يحسب لهذا الفيلم أنه على الرغم من إبرازه العنصر الترميزي الذي حمّله للبطلة، إلا أن هذه الرمزية لم تلغ أو تسمح بإلغاء كينونة المرأة، وهو ما يأتي هنا متصالحا مع العديد من التيارات النسوية التي ارتأت أن هذا التشْيِيء وإن كان يسعف في تمثيل الوطن، إلا أنه يعجز عن تقديم أيّ خدمات فعلية للمرأة. لذلك نجد جورج طرابيشي في كتابه “رمزية المرأة في الرواية العربية” يشرح ما يمكن أن يتركه ترميز المرأة من إحساس بأن المرموز إليه قد تعرض إلى عملية اختزال مجحفة، بينما يحتكر صانع الرمز كل الذاتية لحسابه، والمرأة -وفقا للكتاب- حتى عندما يرمز بها إلى الوطن، تخسر استقلالها وسؤددها الذاتي، وتصير أشبه بمادة صلصالية يصنعها الآخرون ولا تصنع نفسها، تملك اللدائنية ولا تملك طاقة الحرية. في هذا السياق وفي الفترة الناصرية أيضا يطالعنا فيلم “الباب المفتوح” (1963)، الذي قامت بدور البطولة فيه فاتن حمامة، والفيلم كما هو معروف مقتبس عن رواية للأديبة المصرية المعروفة لطيفة الزيات، يتمحور موضوعه حول كينونة الشخصية الرئيسية (ليلى) ابنة الطبقة الوسطى التي تتمرّد على قيود البيت الأبوي، ويرصد علاقتها بالحدث التاريخي، لتكون ليلى هي صانعة الحكاية وخالقة النهاية السعيدة، التي يتبيّن لنا معها أن الفيلم يمثل ركيزة في علاقة المرأة بالوطن، ومكان المرأة داخل هذا الخيال الجمعي القومي.

إن تأمّل صورة المرأة في السينما المصرية في فترة ما بعد هزيمة عام 1967، يبرز اتجاها جديدا يعبر عن معاناة المرأة، وهو الاتجاه الذي يحضر في إطار ظهور تيارات جديدة في السينما المصرية سعت إلى محاكاة التيار التجريبي الذي نشأ في الغرب في عصر الحداثة، نذكر على سبيل المثال فيلم “النظارة السوداء” (1963)، وغيره من أفلام خرجت عمّا ألفناه من ثيمات عملت جاهدة على اختزال المرأة في الوجود الأنثوي الذي سبق وأن تحدثنا عنه، وكذلك وجدناها تنأى عن مرحلة تالية ارتأت ترميز المرأة متفادية بذلك تعاملا فعليا مباشرا مع قضاياها الخاصة.

في فترة حكم الرئيس السادات، وضمن ظروف فتحت فيها الأبواب للكتّاب والمخرجين لانتقاد الفترة الناصرية تمهيدا لأجواء من الحرية المزيفة، يظهر فيلم “الكرنك” (1975)، الذي يصف إحباطات الجيل الجديد الجامعي، بما يتيح للنظام نفسه فرصة الظهور بمظهر الطرف المغاير للاستبداد قبيل توقيعه اتفاقية السلام، وفي هذا الفيلم يبرز الكرنك رمزا إلى الإطار الحضاري المصري، الذي ينتهك في مشهد اغتصاب زينب التي تقوم بدورها سعاد حسني، لتكون زينب رمزا لشباب مصر الذي ينتهك مرات. كذلك يلقي فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس″ (1979)، الضوء على العنف والتعذيب الذي تمارسه أجهزة المخابرات المصرية في ظل الحكم البوليسي ودولة أجهزة الأمن. وهو الأمر ذاته الذي يمارسه نظام مبارك في بداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث يعرض فيلم “الغول” الذي يقوم ببطولته عادل إمام. في فترة السادات أيضا وتحديدا عام 1975، تطالعنا الشاشة المصرية بفيلم “أريد حلا” بطولة النجمة فاتن حمامة، والذي قيل عنه إنه ساهم في إنقاذ العديد من المصريات من المآسي التي كن يلاقينها في المحاكم وهن يجرين معاملات الطلاق، فبسبب هذا الفيلم تمّت إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية، ومنحت المرأة حقها في خلع زوجها، إن هي تخلت عن مستحقاتها المادية، بما يمكن احتسابه منجزا فنيا رائدا في مجال حقوق المرأة.

يبقى ومن خلال ما تقدم من عروض موجزة أن تعاطي السينما العربية مع قضية المرأة، لم يكن لينفصل عن الموضوع السياسي. أما في وقتنا الحالي، في فترة ما بعد ثورات الربيع العربي، فإن الصورة لم تتبلور بعد، وإن كنا نذكر فيلم “بنتين من مصر” (2010)، بطولة زينة وصبا مبارك، الذي يتناول مشكلة العنوسة جنبا إلى جنب مع سلسلة من الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بهذه المشكلة، والتي تحضر لتكشف مدى القهر السياسي قبيل ثورة 25 يناير. كذلك نذكر في هذا السياق فيلم “فتاة المصنع″ (2013)، الذي ينقل صورة نماذج شائعة من الذئاب البشرية المتكررة في الشارع المصري، نراها تتحضّر لافتراس شابة تعمل على إعالة أسرتها، لأعود وأؤكد أن الصورة لم تنضج على نحو كاف بعد.

عموما، إن كنا قد لاحظنا في صورة المرأة توزعا في الاتجاهات، ما بين تقليدي محافظ سلب المرأة حقوقها، وآخر مضادّ انزاح كثيرا عن المنطق السوي، فإننا لا نملك سوى التأكيد على أن طبيعة قضية المرأة هي سياسية في الدرجة الأولى، وأحيل إلى ما كانت سوسن ناجي قدمته في كتاب لها حول “المرأة المصرية وثورة يوليو” عندما أكدت منذ البداية، أن كل ما يرتبط بذات المرأة من أمور شخصية مرتبط في الوقت ذاته بالنظام، وبالسلطة، والحروب والنكبات، ولا سبيل إلى فصل القضايا السياسية عن قضية المرأة الاجتماعية أو النفسية أو الجسدية، لكن أيّ أحد من متابعي الشاشة المصرية لا يملك إلا أن يعبّر عن ضرورة إيجاد صيغة إصلاحية وسطية مفقودة معنية بصورة حيوية مختلفة عن المرأة، من شأنها الارتقاء بحالها والخروج بها عن الصور النمطية المتكررة التي تبعث السأم في نفس المشاهد.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 نظرة ذكورية أم سينما نسوية.. السينما التونسية وقضايا المرأة


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
محرز القروي - ناقد سينمائي تونسي


تونس راكمت تجارب مختلفة ومهمّة في مجال الإخراج السينمائي للمرأة لكن أفلام المخرجات لم تخلق سينما نسوية بل تجارب سينمائية لنساء.

من بين كل سينمات البلدان العربية، تكاد تكون السينما التونسية هي الأكثر احتفاءً بقضايا المرأة ووضعها ومعاناتها داخل مجتمع عربي إسلامي منغلق تحكمه أعراف ونواميس بالية توارثها جيل بعد جيل حتى باتت تقريبا لدى الكثيرين جزءا من مقوّمات الهوية الثقافية والحضارية لأي مجتمع عربي.

وهذه فكرة شائعة سادت طوال سنين لدى قسم واسع من النقاد والمتابعين للشأن السينمائي العربي سواء أكانوا عربا أم غربيين. حتى أن البعض صار لا يخفي استغرابه بل وفي بعض الأحيان امتعاضه كلما شاهد فيلما تونسيا يحاول أن ينأى بنفسه – ولو قليلا- بعيدا عن هاته الصورة النمطية شيئا ما للسينما التونسية.

وربما زاد في ترسيخ هذه النظرة ما عُرفت به تونس زمن الرئيس بورقيبة من انحياز لقضايا المرأة وحقوقها عبر إجراءات وإصلاحات رائدة -والحق يقال- في مجال قوانين الأسرة والأحوال الشخصية.

وهو موقف سياسي شكل -ولا يزال- في نظر الكثيرين “ثورة” حقيقية على الموروث الديني والاجتماعي قادها باندفاع كبير الزعيم بورقيبة تحت شعار “تحرير المرأة” كجزء من محاولته “لتحديث” المجتمع التونسي.

ولكن يجوز لنا اليوم أن نتساءل عن مدى وجاهة هذا “التصنيف” الفني والتوصيف الفكري وعن مدى تطابقه من وجهة نظر سينمائية مع محتوى الأعمال السينمائية التونسية وتوجّهات مخرجيها وخياراتهم الجمالية.

فإلى أي حد يمكن اعتبار السينما التونسية سينما منحازة لقضايا المرأة؟ وهل عكست صورة المرأة في الأفلام التونسية نظرة إيجابية ومُنصفة لمن نعتهم الخطاب الديني “بالقوارير”؟ وهل كانت المخرجات التونسيات أكثر قربا لعالم المرأة من نظرائهم المخرجين الرجال؟ ثم إلى أي مدى يصح اليوم الحديث عن سينما نسائية -حتى لا نقول نسوية- في تونس؟

وفضلا عن كل ذلك هل كانت المقاربة السينمائية لمشاكل المرأة وأوضاعها المعقدة نابعة من خيار فني وفكري أصيل أم كانت مجرّد استجابة وتناغم مع خطاب سياسي وأيديولوجي مهيمن صادر عن السلطة السياسية العليا في البلاد؟

عرفت الساحة السينمائية في تونس بروز تجارب فنية متنوعة ومتعدّدة غير أنها في نهاية المطاف وفي ما عدى بعض الاستثناءات القليلة، تكاد تنضوي في مجملها تحت ما عُرف في فرنسا “بسينما المؤلف”.

وهو توجه لا ينكره المخرجون في تونس بل ويعدّه البعض مصدرا للفخر والاعتزاز، بل وحتى للتمايز مع مجمل السينما المصرية التي وصفت بالميلودرامية وبالتجارية ثم بسينما المقاولات. ولعل من أبرز المخرجين وأشهرهم في هذه “المدرسة” – إن صح الحديث عن مدرسة – السينمائي النوري بوزيد.

فبوزيد يمكن اعتباره من المخرجين الذين اختاروا دوما التصادم مع الذهنية البالية للمجتمع التونسي. وأفلامه تحاول في الغالب طرق أبواب مُوصدة يتحصّن خلفها العرف والتقاليد والمسكوت عنه وكل ما يمكن تصنيفه في خانة “التابو”.

فكان فيلمه الأول سنة 1986 “ريح السد” عن البيدوفيلي أي التحرّش أو اغتصاب الأطفال، حيث يجد الشاب الهاشمي نفسه، بمناسبة التحضير لحفل زواجه، وجها لوجه مع ذكريات مريرة من طفولته البائسة التي وضعته في طريق “الأسطى عامر” النجار المهووس الجنسي بالأطفال فيقوم بالاعتداء عليه وعلى زميله الطفل “فرفط”.

لا يكتفي المخرج بعرض هذه القصة/ المأساة بل يتجاوزها ليرسم لنا لوحة فنية تعكس الحالة العامة لمجتمع مليء بالعقد والمركّبات النفسية. ويفرد للمرأة في هذه اللوحة مكانة رئيسية.

فالمجتمع النسائي حاضر بقوة في جميع مفاصل القصة. في فناء الدار من حيث ينطلق الفيلم مصوّرا لنا الاستعدادات لإقامة العرس المرتقب للهاشمي. وهي تحضيرات تتم في عالم نسوي مغلق ينتفي فيه أي دور للرجل ولكن ليس جرّاء هيمنة أنثوية ما وإنما بسبب تقسيم للمهام والوظائف فرضته العادات والتقاليد.

فصل أصيل متأصّل بين عالم الذكور وعالم الإناث. هنّ في البيت خلف الجدران وهم في ضوء الشمس الساطع يملؤون الفضاء العام. هكذا يستدرجنا النوري بوزيد من فيلم يدور حول قضايا الذكورة والفحولة في مجتمع يعتبر الطفل المغتصب مشروعا لإنسان مثليّ الميولات إلى أغوار عالم الإناث وأسراره.

لنجد البطل وسط بيت يعجّ بالنساء يحدثنه بلا حرج عن زواجه المرتقب ولا يخجلن من التلميح إلى ليلة الدخلة وما تفرضه لدى الرجل من تصميم وعزم. وتبرز من بينهن شخصيتان محوريتان في حياة الهاشمي هما والدته وأخته.

حدب وحنان يتناقضان مع طبيعة وسلوك الأب الذي يخصّه بمعاملة فظّة وغليظة لا تراعي خصوصية سنّه وقد صار كهلا يوشك على الزواج وتكوين أسرة خاصة به كعلامة على بلوغه مرحلة النضج.

ثم نجد النساء وعالمهنّ ثانية من خلال بيت العجوز “شجرة” حيث يذهب الهاشمي وأصحابه لتوديع أيام العزوبية بين أحضان الغانيات. “شجرة” هي أيضا وجه من وجوه الحضور النسائي المرغوب والممنوع في آن واحد. الكل في المدينة يعرفها والجميع تقريبا قد زارها يوما ما.

ولكن التقاليد والأعراف تقتضي أن ينكر الجميع وجود هذه المرأة وأمثالها. فكيف لمجتمع يدّعي النقاوة والصفاء أن يقرّ بنفاقه الاجتماعي ويعترف بازدواجية قيمه وانفصام شخصيته.

غير أن كل ذلك لم يمنع أن تكون زيارة منزل “شجرة” سببا في استعادة الهاشمي لثقته بنفسه. ثقة فقدها منذ أن امتدت إليه يدي عامر صاحب ورشة النجارة ليدنّس براءة طفولته الغضّة. ويكاد الهاشمي أن يقع في حب فتاة الليل أمينة لولا أن العجوز “شجرة” نبّهته إلى واجب احترام المنظومة الاجتماعية التي لا تسمح لابن العائلة أن يحبّ بائعة الهوى.

هكذا بدا لنا “ريح السد” فيلما يدور في فلك النساء يسلّط الضوء على وجودهن الصامت في عالم تطغى عليه سطوة الذكر وهيمنة العقلية الذكورية الشرقية. فهل استطاع بوزيد مع ذلك أن يقدّم لنا المرأة من زاوية نظر مختلفة عن النظرة الذكورية؟

صحيح أنّ الفيلم يقدّم نماذج نسائية مسحوقة تبدو كضحايا تَسَيُّدِ الرجل لمناحي الحياة سواء على الصعيد الأسري الضيق أو على الصعيد العام لحياة المجتمع. غير أنّ هذه النماذج النسائية ظلت أسيرة وجهة نظر ذكورية لم يسعفها تعاطفها الصادق مع القضايا النسوية لكي تتخلّص من الموروث العربي الإسلامي المنغلق.

فالأمّ امرأة بسيطة تؤمن بالشعوذة والسحر وتلجأ إليهما علّها تجد دواء لولدها الهاشمي وتصرّفاته “الغريبة” وينتهي بها الأمر إلى حالة من الانهيار تشارف فيها على الجنون وربما الانتحار.

أما الأخت فهي فتاة حالمة ورومانسية تعجز هي الأخرى عن سبر أغوار شخصية شقيقها ولا تملك القدرة للدفاع عنه في مواجهة عنف السلطة الأبوية. بقيت “شجرة” المومس العجوز التي تعيش على أطلال شباب ولّى وذوي وتحاول برغم كل شيء المحافظة على المظاهر. كذلك الأمر بخصوص المومسات اللاتي جلبتهن للاحتفاء بالهاشمي وأصحابه. فهن يظهرن كمتنفس للذة الذكر ومحفّز يساعده على اختبار فحولته قبل أن يمر بامتحان الزواج.

ما من شك في أن المخرج يحمل نظرة متعاطفة ومنحازة لكل هذه النماذج النسائية ولكنها تبقى نظرة واقعة تحت أسر قراءة ذكورية فشلت في أن تستبطن طريقة تفكير الأنثى وموقفها الحقيقي إزاء وضعها ووضع الشخصيات المحيطة بها.

وقد أعاد النوري بوزيد الكرّة في جلّ أفلامه تقريبا وخصوصا في فيلم “بنت فاميليا” (1997) الذي قدّم فيه نماذج نسائية مختلفة تتمحور حول شخصية “أمينة” الزوجة الأرستقراطية الجميلة التي يعاشرها زوجها غصبا في فراش الزوجية وسط محيط اجتماعي يمنعها حتى من أن تسمّي ذلك “اغتصابا”.

ورغم جرأة الموضوع وقوته فقد بقيت المقاربة تعاني من نفس الإشكالات. حيث تتحدّد كل شخصية أنثوية في الفيلم بطبيعة العلاقة التي تربطها بالرجل وكأنه في نهاية المطاف المقياس والعامل المحدّد والوحيد لفهم سيكولوجية المرأة.

وليس بوزيد وحده من قدّم صورة المرأة التونسية بهذا الشكل. فقد رأيناها قبله في أفلام عبداللطيف بن عمار: “رسائل من سجنان” (1974) الذي يروي صفحة من صفحات المقاومة الوطنية للاستعمار و”عزيزة” (1980) الذي يقدّم قصة فتاة تونسية بسيطة تصارع من أجل العيش بكرامة وسط مجتمع تهزّه التحوّلات الاقتصادية المتسارعة.

وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب بين المخرجين فإننا نلمس عند بن عمار نفس النزعة التي رأيناها في أفلام النوري بوزيد والتي تصوّر المرأة ككائن مثالي خال من النقائص تكون في غالب الأحيان ضحية لشخصيات رجالية تكاد لا تملك جانبا إيجابيا واحدا. وتقول المخرجة التونسية ناجية بن مبروك عن ذلك “لقد كانت دوما نظرة ذكورية تدّعي بأنها تكشف عالمنا الأنثوي الداخلي”.

في المقابل كانت هناك تجارب لمخرجات تونسيات قدّمن أيضا في أفلامهن موضوع المرأة. ولعل من أبرزهن المخرجة مفيدة التلاتلي من خلال فيلمها الروائي الأول “صمت القصور” (1994) الذي يعرض لقصة علياء فتاة نشأت في قصور البايات (ملوك تونس قبل إعلان الجمهورية) أمها من خدم القصر في حين أن والدها هو الأمير علي.

ولكنها تكبر دون نسب لاستحالة نسبتها إلى والدها الحقيقي. في هذا الفيلم نجحت مفيدة التلاتلي بكثير من الرقة والحس الفني المرهف في أن تنقلنا إلى العالم الحميمي للمجتمع النسائي.

فصمت القصور ليس فقط قصة الطفلة المرفوضة علياء (الممثلة هند صبري) وإنما مجموعة من النماذج النسائية التي يجمعها مطبخ القصر وظروف العيش الشديدة. كلّ تحمل بصمت همومها كأنثى وتعاني تهميشا مضاعفا: الأول متأت من الفقر والثاني بسبب جنسها.

تتجنّب التلاتلي هنا الكليشيهات المعتادة. فمأساة علياء تتجلّى من خلال النظرات التي تتبادلها أمها الخادمة “خديجة” مع الخادمات الأخريات في قبو القصر أو مع علياء نفسها حين تلحّ عليها بالسؤال: “شكونو بابا؟” (من هو أبي؟) ولكن أيضا حين تلتقي عيناها خلسة بعيني سيدي علي (الأمير) الذي يبدو هو أيضا تحت وطأة النواميس الاجتماعية والأسرية التي تفرض عليه الامتناع عن ملاطفة ابنته لأنه أنجبها من خادمة.

هي مأساة مركّبة ناجمة عن تعقيدات المنظومة الاجتماعية وقوانينها الصارمة وليست المرأة فيها هي الضحية الوحيدة. تدرك البنت المراهقة أنها ليست يتيمة وأن والدها هو هذا الرجل الذي ترتعد له فرائص والدتها كلما ظهر في أرجاء المطبخ.

ثمة حبّ ما جمع بين والديها فهي لم تأت كثمرة لعملية اغتصاب أو استغلال السيد لخادمته. غير أن هذا الحبّ يبقى حبّا محرّما وارتباطا ممنوعا ترفضه القواعد والتقاليد والأعراف.

وعلى خطى مفيدة التلاتلي حاولت المخرجة رجاء عماري أيضا أن تغوص في أعماق سيكولوجيا المرأة. فقدّمت في فيلمها “الستار الأحمر” قصة مماثلة لفتاة شابة فقدت والدها وتعيش بمفردها مع والدتها. غير أنّ الصراع هنا مختلف.

فالأم “ليليا” تحاول حماية ابنتها “سلمى” صونا لشرف العائلة ومستقبل البنت. فنقودها الأقدار إلى كاباريه حيث تقرّر أن تصبح راقصة. انقلاب مفاجئ وجذري في شخصية ليليا.

غير أنه ليس سوى ردة فعل طبيعية من أرملة شابة كبلها المجتمع بقيود متنوعة: الدين والتقاليد والشرف وغيرها من القيود. إنه شدة الكبت الذي يولّد الانفجار. والانفجار وقع عندما اصطدمت ليليا بواقع الكاباريه وعالمه الليلي الماجن. سحرها هذا العالم وجعلها تُعيد اكتشاف ذاتها من جديد.

ولكن ولُوجها عالم الراقصات لم يجعلها تتخلّص من رواسب تربيتها المحافظة فواصلت التعامل مع ابنتها وفق القيم والقواعد ذاتها. تناقض حادّ في الشخصية يعكس انفصام المجتمع نفسه. وهذا ما جعل ليليا تعيش حياتها في الخفاء والخديعة للمجتمع ولكن لابنتها أيضا.

كوثر بن هنية هي أيضا إحدى المخرجات اللاتي توفّقن في إدراك هذا المستوى من المعالجة لقضية المرأة ووضعيتها داخل المجتمع. فيلمها “زينب تكره الثلج” (2015) رغم طابعه التسجيلي رصد بشكل متفرّد وجها من وجوه واقع المرأة التونسية من خلال قصة فتاة صغيرة (زينب) تفقد والدها في سن التاسعة وتقرّر والدتها الزواج من جديد مما سيُجبر الأمّ وابنتها على الانتقال للعيش في كندا.

تغييرات كثيرة تحدث للطفلة زينب: اختفاء والدها، تعويضه بزوج أمّ ثم تغيير حتى البلد الذي تعيش فيه. ولسنوات متتالية رصدت المخرجة أطوار الحياة الجديدة لزينب وأمها. حملتنا الكاميرا بسلاسة إلى قلب عالمهما الحميمي فتقاسمنا معهما أفراحهما وشكوكهما وأوهامهما وأحزانهما.

رأينا كيف عانت زينب من إرثها الثقافي الذي حملته معها إلى كندا. مقاربة دينية متشدّدة تستسهل تكفير الآخرين لمجرّد أنهم مختلفون. وآراء ومواقف لا مكان لها في بلد يقدّس الحريات الفردية.

غير أنّ بن هنية تراجعت عن الكثير من هاته القدرة العجيبة على التحكّم في أدواتها الفنية حين قامت بتقديم فيلمها الروائي الطويل “على كف عفريت” (2017).

فالفيلم استعاد كل المفردات الفنية للسينما التونسية المعروفة. وبالتحديد في ما يخص زاوية النظر إلى المرأة. إذ في هذا الفيلم المأخوذ عن قصة واقعية تعود شخصية المرأة لتصبح من جديد كائنا ثانويا يحوم حول شخصيات رجالية أكثر عمقا وصدقية.

ولكن هل نستطيع اليوم أن نتحدث عن سينما نسائية أو نسوية في تونس؟

ما من شك أن تونس راكمت تجارب مختلفة ومهمّة في مجال الإخراج السينمائي للمرأة. فمنذ فيلم “فاطمة 75″ لسلمى بكار توالت التجارب النسائية في السينما التونسية.

فظهرت ناجية بن مبروك صاحبة فيلم “سامة” (الأثر) في سنة 1984 ثم كلثوم برناز بفيلميها “كسوة، الخيط الضائع″ و”شطر محبة”، بالإضافة إلى مجموعة من الأصوات الجديدة سواء في الروائي او التسجيلي.

إلا أننا نعتقد أنه من المجازفة بمكان أن نعتبر أن أفلام المخرجات هي بالضرورة أفلام نسوية أو نسائية. كل هذه الأفلام لم تخلق سينما نسوية وإنما هناك تجارب سينمائية لنساء.

ينشر الملف بالاتفاق مع “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 سينما المرأة العربية: التاريخ، المصطلح، القضية


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
ياقوت الديب - باحث وناقد سينمائي من مصر


المتأمل في تاريخ السينما المصرية، يدرك دون مبالغة دور المرأة في صناعة هذه السينما، حيث قدمت المرأة إسهامات بارزة في هذا الشأن، منذ عشرينات القرن العشرين.

في عام 2010، نظمت “رئاسة منظمة المرأة العربية”، يوم 27 أكتوبر، على هامش الدورة الثالثة والعشرين لمهرجان قرطاج السينمائي، ندوة حول “المرأة والسينما العربية/ الصورة والأدوار”، بمشاركة عدد من السينمائيين العرب، علق المخرج التونسي فريد بوغدير بقوله “إن المرأة حاضرة في السينما التونسية والعربية، بجميع أنواع الصور، قوية وضعيفة وعاشقة ومنتقمة وطموحة… واختيار المرأة كموضوع في الأفلام، هو أداة لمعالجة قضايا المجتمع”.

وقالت المخرجة المصرية فيولا شفيق “إن الخطاب السينمائي في هذا المجال متأثر بمفهوم الحداثة، التي مثلت إطارا فكريا واسعا لطرح قضايا المرأة في الأفلام العربية”، أما المخرجة اللبنانية ديما الجندي، فهي تعتبر “أنه لا وجود لسينما المرأة، بل هناك سينما وفن وحرية للتعبير والتأليف، تشمل المرأة والرجل على حدّ السواء”، وعلقت المخرجة المغربية ياسمين قصارى بقولها “إن التفاعل بين الرجل والمرأة والمجتمع، إفراز للحياة الاجتماعية، لذلك فإن المهم في العمل السينمائي ليس الرجل أو المرأة، وإنما كيفية تصوير القضايا الاجتماعية وعرضها على الجمهور”.

بالطبع لم تنته مناقشة إشكالية، وجود ما يسمى بـ”سينما المرأة” من عدمه، إذ يظل هذا المصطلح ضحية بين مطرقة الرفض وسندان القبول، فهناك من يؤيّد المصطلح محاولا ترسيخه وفرضه على أرض الواقع، ومن يرى نسفه من الأساس على اعتبار السينما فنا -كسائر أنواع الفنون- تتجلى فيه حرية الإبداع للرجل أو للمرأة على حدّ سواء، بعيدا عن التقسيم النظري في المنتج الفيلمي، شكلا وموضوعا.

وقد يعود رأي معارضي مصطلح “سينما المرأة”، إلى الطبيعة التي صبغت صناعة الأفلام، التي احتكرها الرجل، وبنسبة كبيرة، مقارنة بدور المرأة في هذه الصناعة، على المستوى العالمي لا العربي فحسب، ففي جميع سينمات العالم، يفوز الرجل بالنصيب الأكبر في عملية صناعة الأفلام، الأمر الذي يبدو فيه الفن السينمائي “فنا ذكوريا”.

وبغض النظر عن رأي الفريقين (المؤيد والرافض)، ففي الحالتين هناك تماس قويّ بين كون المرأة محور الفيلم السينمائي، كموضوع وقضية، وبين كونها صانعة العمل ذاته كمخرجة، ولا أدلّ على ذلك من وجود بعض المهرجانات الخاصة بأفلام المرأة، والتي أصبحت حقيقة ماثلة للعين. فمن هذه المهرجانات، ما يقام على مفهوم سينما المرأة المخرجة، وأخرى تقوم على الأفلام المعنية بقضايا المرأة ومشاكلها؛ بغض النظر عن جنس صنّاعها.

وبناء على ما تقدم، يرى كاتب هذه الدراسة، ضرورة فك الاشتباك، بأن يقترح التعريف التالي “سينما المرأة، هي السينما التي تُعنى بقضايا المرأة ومشاكلها، من الناحية الموضوعية (قصة الفيلم)، أو تلك التي تصنعها امرأة (كمخرجة) من الناحيتين، الموضوعية والفنية”. وعلى هذا الأساس وجدت مهرجانات تضع “سينما المرأة” عنوانا لها، سواء تعني به “الأفلام التي تصنعها المرأة، المخرجة”، أو “الأفلام التي تتناول قضايا المرأة”.

دور المرأة في صناعة السينما

المتأمل في تاريخ السينما المصرية، يدرك دون مبالغة دور المرأة في صناعة هذه السينما، حيث قدمت المرأة إسهامات بارزة في هذا الشأن، منذ عشرينات القرن العشرين، ولا أدلّ على ذلك من رصد جهود الرائدات: عزيزة أمير، آسيا داغر، بهيجة حافظ، فاطمة رشدي، وماري كوينى في هذا المجال.

يذكر عبد المنعم سعد في كتابه “موجز تاريخ اليينما المصرية” أنه يمكن اعتبار عام 1927 هو التاريخ الفعلي لنشأة السينما المصرية، بالمعنى المتعارف عليه، ويؤكد دور المرأة في إنشاء شركات إنتاج سينمائية، حيث كانت في مقدمة هؤلاء عزيزة أمير التي أنشأت “ستوديو هليوبوليس” عام 1927، بداية من إنتاجها لفيلم “ليلي”، الذي يعدّ أول فيلم مصري روائي طويل. وبالإضافة إلى أفلام أخرى، جاءت بهيجة حافظ (ممثلة ومخرجة وكاتبة ومونتيرة ومؤلفة موسيقية)، لتشيّد شركة “فنار فيلم” وتنتج فيلم “زهرة السوق” (1947)، الذي كتبت قصته، ووضعت ألحان أغنياته والموسيقى التصويرية.

وقامت الشركة كذلك بإنتاج أفلام “ليلى بنت الصحراء”، “الضحايا”. أما في مجال الإخراج، فقدمت أفلام “ليلى البدوية”، “الضحايا”، و”ليلى بنت الصحراء” (عرض في مهرجان برلين وحقق جائزة ذهبية). وفي مجال التأليف والكتابة للسينما، قدمت بهيجة حافظ أفلام: “زهرة” (تأليف كامل )، “ليلى البدوية” (سيناريو وحوار)، وفيلم “ليلى بنت الصحراء” (سيناريو وحوار).

أما الفنانة فاطمة رشدي (سارة برنار الشرق)، فكانت بدايتها مع فيلم “الزواج” (إنتاجا وإخراجا)، وجاء فيلمها الثاني “بنت النيل” (بطولة وإنتاجا). ومن أبرز رائدات صناعة السينما في مصر، تأتي المنتجة والممثلة آسيا داغر، حيث كونت شركة “لوتس فيلم”، التي قدمت فيلم “غادة الصحراء”، وأتبعته بأفلام “وخز الضمير”، “عندما تحب المرأة”، “عيون ساحرة”، “شجرة الدر”، وغيرها من الأفلام. ولعل أبرز الأفلام التي قامت بإنتاجه آسيا داغر “ردّ قلبي”، “الناصر صلاح الدين”، “السمان والخريف”، “يوميات نائب في الأرياف”.

وظهرت ماري كويني، لتؤسس “ستوديو جلال”، مع زوجها المخرج أحمد جلال، وكان من أبرز الأفلام التي قامت بإنتاجها “أمير الأحلام”، “ظلموني الناس”، “ابن النيل”، “نساء بلا رجال”، “المليونير الفقير”. كما قامت بإنتاج مجموعة من الأفلام لابنها المخرج نادر جلال، ومنها “غدا يعود الحب”، أما آخر فيلم أنتجته كويني هو “أرزاق يا دنيا”.

وفي العقود الأخيرة، ظهر العديد من النساء، في مجال صناعة السينما، وجدير بالذكر أن نشير (في مجال الإنتاج) إلى ماجدة الصباحي التي قدمت عددا من الأفلام الروائية الطويلة، ومنها “أين عمري”، “جميلة”، “هجرة الرسول”، “زوجة لخمسة رجال”، “عظماء الإسلام”، “النداهة”، “العمر لحظة”، وفيلم “من أحب؟”، وهو الفيلم الوحيد الذي قامت بإخراجه الفنانة ماجدة.

الفنانة مديحة يسري، قدمت كمنتجة عددا من الأفلام (الاجتماعية والفكاهية والاستعراضية والغنائية) ومنها “إني راحلة”، “قلب يحترق”، “اعترافات زوج”، “صغيرة على الحب”، “السيرك”، “دلال المصرية” (مشرفة على الإنتاج) للمخرج حسن الإمام. الفنانة مريم فخرالدين، قدمت كمنتجة أفلام “شباب اليوم”، “أنا وقلبي”، “رحلة غرامية”، “رنة الخلخال”.

الفنانة إلهام شاهين، قدمت للسينما كمنتجة، فيلمين: “هز وسط البلد” و”يوم للستات”. الفنانة نجلاء فتحي، قامت بإنتاج فيلم واحد هو “سوبر ماركت”. الفنانة بوسي، شاركت زوجها الفنان الراحل نور الشريف، في تكوين شركة إنتاج سينمائي باسم N.B. Film، حيث قدمت “حبيبي دائما”، “ضربة شمس”، “قطة على نار”، “دائرة الانتقام”، “مدينة الصمت”، وفيلم “الخوف”. الفنانة إسعاد يونس، قامت بإنتاج العديد من الأفلام، منها “رسائل البحر”، “زهايمر”، “عصافير النيل”، “سهر الليالي”، “بنتين من مصر”.

وفي مجال التأليف، قامت إسعاد يونس بكتابة أفلام “ليلة القبض على بكيزة وزغلول”، “المجنونة”، وفيلم “تك تك بوم”. الفنانة ليلى علوي، قامت بإنتاج أحد أهم أفلام السينما المصرية في تسعينات القرن الماضي، فيلم “يا مهلبية يا”. الفنانة يسرا، لها تجربة إنتاجية واحدة، حيث أنتجت فيلم “ضحك ولعب وجد وحب”.

ومن الملاحظ أن الكثيرات من نجمات السينما المصرية، لم تخضن تجربة الإنتاج السينمائي، على الرغم من قدراتهن المادية ومكانتهن الفنية، ولعل أشهرهن: فاتن حمامة، سعاد حسني، نادية لطفي، هند رستم، صفية العمري، هدى سلطان، زبيدة ثروت، شمس البارودي، آثار الحكيم، مديحة كامل، سهير رمزي، غادة عبدالرازق، سمية الخشاب، وغيرهن.

وفي مجال الإخراج ظهرت العديد من المخرجات، في العصر الحديث، نذكر منهن: إنعام محمد علي (من أفلامها: الطريق إلى إيلات، حكايات الغريب، صائد الأحلام، يوميات امرأة عصرية، آسفة أرفض الطلاق)، نادية حمزة (من أفلامها: النساء، نساء خلف القضبان، حقد امرأة، امرأة للأسف، المرأة والقانون)،. ناديا سالم (قدمت فيلما روائيا طويلا واحدا كمخرجة ومؤلفة، وهو “صاحب الإدارة بواب العمارة”).

أما إيناس الدغيدي، فقدمت كمخرجة حوالي 17 فيلما روائيا طويلا، (من أبرزها: عفوا أيها القانون، زمن الممنوع، التحدي، قضية سميحة بدران، امرأة واحدة لا تكفي، امرأة آيلة للسقوط، لحم رخيص، مذكرات مراهقة، الباحثات عن الحرية). المخرجة أسماء البكري، قدمت للسينما المصرية ثلاثة أفلام روائية طويلة (تأليفا وإخراجا) هي: شحاذون ونبلاء، كونشرتو درب سعادة، وفيلم العنف والسخرية.

المخرجة كاملة أبوذكرى، قدمت أفلامها الروائية الطويلة: سنة أولى نصب، ملك وكتابة، عن العشق والهوى، واحد صفر، وفيلم يوم للستات. المخرجة ساندرا نشأت، من أفلامها الطويلة، نذكر: مبروك وبلبل، ليه خلتني أحبك، ملاكي إسكندرية، الرهينة، مسجون ترنزيت، رجل لكل النساء، المصلحة. المخرجة هالة خليل، قامت بتقديم أفلام: أحلى الأوقات (مؤلفة ومخرجة)، قص ولصق (مخرجة ومؤلفة)، الراهب، وفيلم نوارة (مخرجة ومؤلفة)، وبهذا تعتبر هالة خليل ضمن المخرجات اللاتي تنطبق على أفلامهن “سينما المؤلف”. المخرجة ماجي مرجان، قدمت فيلمها الروائي الطويل “عشم” (تأليفا وإخراجا). المخرجة نادين خان، قدمت حتى الآن فيلما روائيا طويلا واحدا، هو “هرج ومرج” (قصة وإخراجا).

وعن دور المرأة في مجال السينما التسجيلية والروائية القصيرة، هناك العديد من المخرجات المصريات، ممن ساهمن إلى حد كبير في إثراء هذه السينما، منذ ستينات القرن الماضي، نذكر منهن: سعدية غنيم، ماجدة زكي، فريدة عرمان، سميحة الغنيمي، فريال كامل، عطيات الأبنودي، نبيهة لطفي، منى مجاهد. ومن مخرجات الأجيال المتعاقبة بعد جيل الرائدات، نذكر: عزة الحسيني، نادية الأبحر، نيفين شلبي، روجينا بسالي، أسماء إبراهيم، دينا عبدالسلام، مشاعل يوسف، سالي أبوباشا، سارة نوفل، أمل رمسيس، ماريان رمسيس، عائدة الكاشف، جميلة السيد، ميسون المصري، وغيرهن.

ومن خلال تحليل إحصائي (للباحث)، حول مشاركة المرأة كمخرجة في السينما الروائية الطويلة، وجدنا أنه خلال الفترة منذ عام 1960 وحتى نهاية عام 1970، تم إنتاج حوالي 505 أفلام، قام مخرجون رجال بتحقيقها جميعا، أما نصيب المخرجات فكان صفرا. لكن كانت للمرأة في مجال الفيلم الوثائقي والروائي القصير، مشاركة معقولة إلى حد ما، منذ بدايات ستينات القرن الماضي.

في مجال التأليف، ظهرت العديد من الكاتبات (أديبات وسينمائيات)، نذكر منهن الكاتبات والأديبات: لطيفة الزيات (الباب المفتوح)، حُسن شاه (أريد حلا، امرأة مطلقة، الإرهاب، الغرقانة)، إقبال بركة (البنات والمجهول، بحر الأوهام)، سكينة فؤاد (ليلة القبض على فاطمة)، وغيرهن. ومن مؤلفات للسينما: هالة خليل (أحلى الأوقات، قص ولصق، الراهب، نوارة)، وسام سليمان (فتاة المصنع)، مريم ناعوم (واحد صفر)، أسماء البكري (شحاذون ونبلاء)، ناديا سالم (صاحب الإدارة بواب العمارة)، سعاد يونس (ليلة القبض على بكيزة وزغلول، المجنونة، تك تك بوم)، ماجي مرجان (عشم)، نادين خان (هرج ومرج)، وغيرهن.في مجال المونتاج، ظهرت المونتيرات: تماضر نجيب، رحمة منتصر، رشيدة عبدالسلام، سلوى بكير، عزة حليم، منى الصبان، وغيرهن.

وفيما يلي نستعرض -في عجالة- مشاركات المرأة في بعض البلاد العربية، ففي المغرب، نذكر مخرجات أفلام: “كيد النسا” إخراج فريدة بليزيد، “الدار البيضا يا الدار البيضا” لفريدة بليزيد أيضا، “جنة الفقراء” إخراج إيمان المصباحي، إلى جانب مخرجات أخريات، نذكر منهن: نهاد البوهاتي، ليلى مراكشي، نرجس النجار. في سوريا، كانت بداية مشاركة المرأة في مجال الإخراج للمخرجة أمل حنا في فيلم “المرأة”، ثم قدمت واحة الراهب فيلمها الطويل “رؤى حالمة” (تأليفا وإخراجا)، ثم قدمت فيلمها “هوى”.

ومن المخرجات السوريات أيضا نذكر: ديانا الجيرودي، هالة العبدالله يعقوب، وئام بدرخان، سولاف فواخرجي (رسائل الكرز). في العراق، مقارنة مع تجارب محدودة للغاية من قبل: أنجا الإرهايم (فيلمها القصير”العودة إلى بغداد”)، المخرجة ميسون الباجه جي، والمخرجة “أنيسة مهدي” (من أفلامها: داخل مكة المكرمة، المسلمين، المواجهة). وجاءت المخرجة خيرية المنصور للسينما العراقية، حيث ذاعت شهرتها منذ تحقيقها لفيلمها “ستة على ستة” (تأليفا وإخراجا). وأتبعته بفيلم “مئة على مئة”، إضافة إلى عدد كبير من الأفلام التسجيلية. في لبنان، حيث تحفل السينما اللبنانية بالعديد من مخرجات السينما، ولعل أبرزهن: نادين لبكي التي قدمت كمخرجة ومؤلفة أفلام: سكر بنات، هللا لوين؟، ريو أنا أحبك. جوسلين صعب التي أخرجت للسينما أفلاما منها: غزل البنات، حياة معلقة، وسيدة سايجون. والمخرجات رندة الشهال، ليلى كنعان، ميرنا خياط، وغيرهن.

تجارب عربية

* السعودية: جاءت التجربة الأبرز في هذا البلد، عندما قدمت المخرجة السعودية هيفاء المنصور فيلمها الروائي الطويل الأول “وجدة” عام 2012، والجدير بالذكر أن هيفاء المنصور هي كاتبة سيناريو الفيلم، إلى جانب إخراجها له.

* الإمارات: من المخرجات نذكر: نايلة الخاجة، ولعل أشهرهن المخرجة نجوم الغانم (من أفلامها الوثائقية الطويلة: المريد، أمل، حمامة، وفي مجال الفيلم الروائي القصير قدمت فيلمي: الحديقة، ومابين ضفتين.

* الأردن: من المخرجات الأردنيات نذكر ديما عمرو، التي قدمت الفيلم الروائي الطويل “7 ساعات فرق”.

وقد لوحظ في السنوات الأخيرة أن هناك اهتماما نسائيا بالأفلام التسجيلية بشكل خاص، مثل: الأردنية ميس دروزة (حبيبي بيستناني عند البحر)، والفلسطينية جنان كولتر (البحث عن ساريس)، واللبنانية ديالا قشمر (أرق)، واللبنانية سارة فرنسيس (زعران حي اللجا، وفيلم طيور)، واللبنانية زينة دكاش (يوميات شهرزاد). وهناك أفلام شهدت وقوف المرأة خلف الكاميرا ومنها: “صوت المدينة” لدليلة النادر (المغرب)، “لوبيا حمرا” لناريمان ماري بن عامر (الجزائر)، “الميدان” لجيهان نجيم (مصر)، “اللي يحب ربنا يرفع إيده لفوق” لسلمى الطرزي (مصر)، واليمنية سارة إسحاق (أب يمني وأم أسكتلاندية)، وفيلمها “بيت التوت”.

* تونس: شهد عقد 1976-1985، أول تجربة إنتاج لفيلمين روائيين من إنجاز مخرجتين، إلا أن السلطات أعاقت إصدار أفلام كل منهما: سلمى بكار (أول مخرجة سينمائية في تونس)، التي قدمت فيلمها التسجيلي الطويل “فاطمة 75″، ونجلا بن مبروك وفيلمها “The Trace”، ثم عادت سلمى بكار بعد 17 عاما بفيلم “رقصة النار”. وعقب ذلك ظهرت مفيدة التلاتلي بفيلم “صمت القصور”، ثم “موسم الرجال”، كذلك المخرجة كلثوم بورناز، وأفلامها القصيرة مثل “تونس بنظرة النورس″، نادية الفاني “مناصفة حبي”. وإلى جانب هؤلاء جاءت: ناديا فارس، رجاء عماري، سلوى بكار، فاتن حفناوي، شيراز البوزيدي، نادية الرايس، آمنة النجار، مريم ريفيل، نور عبيشو، وغيرهن.

* الجزائر: كان أول ظهور للمرأة في سينما الجزائر للمخرجة آسيا جبار وفيلمها الوثائقي الطويل (مخرجة وكاتبة) “نوبة نساء جبل شنوة” (1977)، ثم فيلمها “زردة.. أغاني النسيان”. وظهرت الكاتبة والروائية حفصة زين القوديل التي قدمت فيلم “المرأة الشيطان”، وقدمت المخرجة يمينة بن غيغي فيلمها “إنشالله الأحد”، على حين قدمت يمينة شويخ فيلمها “رشيدة” (كتبت له السيناريو)، ورشح لجائزة الأوسكار لعام 2002. عام 2011 قدمت فاطمة زموم فيلمها الروائي الطويل “قديش اتحبني”. وإلى جانب هؤلاء ظهرت في السينما الجزائرية العديد من الكاتبات، منهن: صفية قطو، أحلام مستاغنمي، فاطمة غالير، ومالكة المقدم. والمخرجات: جميلة الصحراوي، يمينة بن غيغي، رشيدة كريم، يمينة بشير الشويخ، نادية لعبيدي، ماليكه طنفيش، وفجرية دليبة، وأخريات.

* فلسطين: كانت البدايات الأولى للسينما الفلسطينية في عام 1968 حين كلفت سلافة سليم، بتشكيل قسم التصوير(الذي أصبح اسمه فيما بعد أفلام فلسطين)، ومن السينمائيات اللائي كان لهن دور بارز، في إقامة السينما الفلسطينية، نذكر: جنتن ألبينا، هند جوهرية، آسيا زنتون، جنين توفيق، خديجة أبوعلي، وغيرهن.

ومن أعمال المخرجات الفلسطينيات في البدايات نذكر أفلام: “الجذور لن تموت” للمخرجة لبيبة لطفي. ويبرز اسم هيام عباس، كواحدة من أشهر السينمائيات الفلسطينيات في العصر الحديث، فهي ممثلة وكاتبة ومخرجة ومصورة، قامت بإخراج الفيلم الروائي الطويل “ميراث” (Inheritance)، كما أنتجت فيلم “الخبز″. ويضاف إلى ما سبق ذكره من أسماء المخرجات: ليانا بدر “زيتونات”. نجوى النجار “جوهر السلوان”، وفيلم “ولد اسمه محمد”. سهى عراف “صباح الخير يا قدس″، و”فيلا توما”. ماري جاسر “كأننا عشرون مستحيلا”. بثينة كنعان “نساء في صراع″. ناهد عواد “5 دقائق عن بيتي”. ساهرة درباس “لم يكن في جعبتي حينها سوى 138 جنيها فلسطينيا”، إلى جانب العديد من المخرجات. وفي مجال الفيلم الروائي الطويل قدمت المخرجات: ماري جاسر فيلمها “ملح هذا البحر”، ساهرة درباس فيلمها “عروس القدس″. واللافت للنظر أن السينما الفلسطينية تعد من أغنى السينمات العربية في عدد المخرجات، سواء من قمن بإخراج الأفلام القصيرة أو الوثائقية الطويلة.
السينما وقضايا المرأة العربية

عندما تتناول السينما قضايا المرأة، فليس شرطا أن تكون من إخراج رجل أو امرأة، على الرغم من اعتبار المخرجات هن الأكثر إحساسا وشعورا وتعاطفا وحماسا لإخراج مثل هذه النوعية من الأفلام.

ولا شك أن مشاكل المرأة وقضاياها في مجتمعاتنا العربية، يمكن أن تواجهها المرأة والرجل على حدّ سواء. ونظرا إلى العلاقة الجدلية بينهما، ودراية كل منهما بالآخر، في داخله وسلوكياته، فمن هنا لا نستطيع التفرقة، بين كيفية تصدي المخرجات والمخرجين، لإنجاز عمل سينمائي ما (روائي طويل أو قصير أو تسجيلي)، أو طريقة السرد السينمائي لدى كل منهما.

هناك أفلام صنعتها مخرجات مثل: آسفة أرفض الطلاق (إنعام محمد علي)، يوم للستات (كاملة أبوذكري، نوارة (هالة خليل)، صمت القصور، موسم الرجال (مفيدة التلاتلي)، توبة نساء جبل شنوة (آسيا جبار)، قديش اتحبني (فاطمة زموم)، وجدة (هيفاء المنصور)، عروس القدس (ساهرة دربس)، كيد النسا (فريدة باليزيد)، رؤى حالمة (واحة الراهب)، وفيلم سكر بنات (نادين لبكي)، وغيرها من الأفلام.

وفي الجانب المقابل، هناك أفلام صنعها مخرجون (رجال) تتناول قضايا نسائية، مثل: أريد حلا (سعيد مرزوق)، الحرام (هنري بركات)، شباب امرأة (صلاح أبوسيف)، أحلام هند وكاميليا (محمد خان)، لا تسألني من أنا (أشرف فهمي)، الليلة الموعودة (يحيى العلمي)، 678 (محمد دياب)، ثوب الشمس (محمد سالمين المري)، النداهة (حسين كمال)، مأساة بنت شرقية (محمد شاهين)، عرس عراقي (محمد شكري جميل)، توت توت (عاطف سالم)، الطوق والأسورة (خيري بشارة)، أسماء (عمرو سلامة)، النخيل الجريح (عبد اللطيف بن عمار)، بيجاسوس (محمد مفتكر)، وغيرها.
مهرجانات سينما المرأة

* مهرجان القاهرة الدولي لأفلام المرأة: تقتصر الأفلام المشاركة فيه، على تلك التي تلعب فيها المرأة دور المخرجة، بغض النظر عن موضوع الفيلم، فلا يشترط أن يكون قاصرا على تناول قضايا المرأة تحديدا، ومن أمثلة الأفلام التي شاركت في دوراته: لي قبور في هذه الأرض إخراج رين متري (لبنان)، رحلة في الرحيل إخراج هند شوفاني (فلسطين)، سكون إخراج لواء بارجي (سوريا).

* مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة: لا يشترط أن تكون الأفلام المشاركة في فعالياته من صنع مخرجات، الشرط فيه أن يتناول الفيلم قضايا المرأة، بغض النظر عن جنس مخرجه؛ رجلا كان أو امرأة، ومن أفلامه نذكر: In Wonderland إخراج جيهان بحر (المغرب)، Crack إخراج معتز سلوم (لبنان)، Kingdom of Ants إخراج عدنان عتمان (العراق)، Wedding of Thorns إخراج ميرفت كمون (تونس).

* مهرجان بغداد السينمائي الدولي، المسابقة الرسمية للمخرجات العربيات: وتأتي ضمن فعالياته الرسمية، مسابقة أفلام المخرجات العربيات، ومن بين الأفلام المشاركة في هذه المسابقة: هذه ليلتي إخراج آلاء شاكر (الإمارات)، ذاكرة الضمير إخراج زينب محروس (العراق)، ألف رحمة ونور إخراج دينا عبدالسلام (مصر)، دبلة الخطوبة إخراج تغريد الفرة (فلسطين)، جمعة مباركة إخراج أسماء المدير (المغرب).

* مهرجان أفلام بعيون النساء: يعقد هذا المهرجان بمدينة غزة في فلسطين، وتقتصر الأفلام المشاركة فيه، على أفلام المخرجات الفلسطينيات، ومن بين أفلامه: لجوء آخر إخراج عبلة مبروك، سحجة وترويدة إخراج عايدة الرواغ، سياج إخراج اعتماد وشح، الفنجان إخراج نهيل السلطان، بقعة حمراء إخراج ريما أبوصحة.

* مهرجان سلا الدولي لسينما المرأة

* مهرجان سينما المرأة العربية (مالمو – السويد).

* مهرجان دورتموند كولونيا الدولي لسينما المرأة.

يبقى أن نشير إلى أن ما يعرف بـ”سينما المرأة” سيظل في طور الجدل والنقاش، بين المعنيين بشؤون السينما، ومنظريها، إلى أن يستقر المصطلح، كما هو الحال مع سائر المصطلحات، وقضاياها، وعلينا أن ننتظر، ما هو قادم من مناقشات وتحليلات ووجهات نظر، تأتي من هنا أو من هناك.
ينشر المقال بالاتفاق مع “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 "سينما المرأة" أم “السينما التي تصنعها المرأة”


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
القاهرة - أحمد رجب


مخرجات عربيات يعتبرن أن صورة المرأة القوية اختلفت في السينما وظهرت أفلام رديئة تسيء إليها وتنتقص من كيانها وأهميتها في الحياة.

تعدّدت أشكال وأنماط النساء المختلفة التي قدمتها السينما المصرية، والتي تغيّرت ملامحها وتبدّلت بمرور الوقت طبقا للقضايا المثارة في الفترة الزمنية.

لم نعد في الوقت الحالي نجد هذا النوع من الأفلام التي مازالت تدور في منزل “السيد عبدالجواد” في الأفلام المأخوذة من ثلاثية نجيب محفوظ، أو الأم الطيّبة والزوجة الخاضعة والحبيبة الخجولة، بل ظهر نوع آخر من نساء السينما المصرية أكثر إصرارا ونجاحا وفخرا بأنفسهن، خاصة عندما ازدهرت فترة مناقشة قضايا المرأة الاجتماعية والتي تصدّرت قائمتها الفنانة فاتن حمامة من خلال مناقشة قضايا عمل المرأة في فيلم “الأستاذة فاطمة”-1952 من إخراج فطين عبدالوهاب، ومناقشة قضايا الشرف في فيلم “دعاء الكروان”-1959 عن رواية طه حسين وإخراج هنري بركات.

حدثت أيضا تعديلات على بنود عتيقة وردت في قوانين الأحوال الشخصية في مصر بعد ظهور فيلم “أريد حلا”- 1975 للمخرج سعيد مرزوق وبطولة فاتن حمامة، الذي يتناول قضية بيت الطاعة والطلاق الذي يملك الزوج قراره فقط، وهو أحد تلك الأفلام التي ناقشت عدة قضايا كان من شأنها أن تصنع تغييرا حقيقيا في القوانين القضائية والأعراف الاجتماعية. وبمناسبة تلك الأفلام التي بسببها تغيّرت قوانين عاتية وظالمة لا بد أن نذكر فيلم “عفوا أيها القانون”- 1985 من إخراج إيناس الدغيدي الذي يثير قضية تتعلق بسماح القانون بعدم تدخل الزوجة في حال شاهدت زوجها متلبسا بخيانتها، ففي الفيلم تطلق نجلاء فتحي الرصاص على محمود عبدالعزيز فتقتله، بعد أن شاهدته في الفراش مع صديقتها، لتقضي 15 عاما في السجن، في حين يبيح القانون للزوج مقاضاة زوجته في حال ضبطها متلبّسة بخيانته لكي تسجن، إلا إذا صفح عن خيانتها وسمح لها بالاستمرار في الحياة بعد طلاقها منه دون المحاكمة.

أشرنا فقط إلى عدة أفلام بطلتها امرأة قوية تدافع عن حقها في المساواة، وامرأة أخرى مقهورة تحاول الانتقام لشرف شقيقتها، وفيلم عن الحقوق القانونية للمرأة، وهناك أيضا الكثير من الأفلام الهامة والمميّزة التي رفّعت من شأن المرأة والدفاع عن أحقيتها في العمل القيادي مثل فيلم “مراتي مدير عام”- 1966 بطولة شادية وإخراج فطين عبدالوهاب.

واختلفت صورة المرأة القوية في السينما وظهرت أفلام رديئة تسيء إليها وتنتقص من كيانها وأهميتها في الحياة، تلك التي اقتصرت على إبراز جسد المرأة المثير في أدوار الإغراء، خاصة خلال فترة أفلام المقاولات وهي كثيرة بالمقارنة مع أفلام جيدة تحافظ على الصورة الجيدة، لتعود الصورة السلبية السطحية في أفلام تناقش مثلا قضية التحرش الجنسي المستجدة على مجتمعنا من خلال فيلم “678”- 2010 إخراج محمد دياب.

ولا يمكن أن نتجاهل ما يعرف بـ”أفلام العشوائيات” بكل ما تحمله نساؤها ذوات النفوس المشوّهة جراء الفقر والاحتياج اللذين يدفعانهن للتنازلات مثل أفلام “حين ميسرة”- 2007 للمخرج خالد يوسف، الذي ناقش من خلاله موضوع أطفال الشوارع نتيجة الحمل سفاحا، والنساء اللائي قررن تقديم التنازلات لكسب جنيهات قليلة لا تستحق المعاناة.

ومنذ ما يقرب من عشر سنوات تم إطلاق تصنيف جديد على نوع من الأفلام السينمائية يعرف باسم “سينما المرأة”، وهو تعبير له تفسيرات متعددة يتفق معها صناع السينما خاصة من المخرجات وإن كن يختلفن في آرائهن التي تتعلق بهوّية سينما المرأة كما أوضحت المخرجة أمل رمسيس، مؤسسة ورئيسة مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة. فهي تقول إن سينما المرأة هي تلك السينما التي تصنع أفلامها المخرجات- النساء، لأن المخرج هو صاحب الرؤية الكاملة للفيلم في النهاية، وليست فقط الأفلام التي تطرح وتناقش قضايا المرأة في مختلف البلدان العربية والأوروبية.

وتدلل أمل على ما تقوله بأمثلة عديدة عن مهرجانات عالمية تقام في عدة دول تحمل الاسم والمبدأ نفسه أي المهرجانات التي تعرض (الأفلام التي تصنعها النساء) مثل مهرجانات المرأة في فرنسا وهي الأقدم بالفعل تليها مهرجانات ألمانية، وهكذا، فيقومون بوصف سينما المرأة بأنها الأفلام التي تصنع من قبل المرأة كفاعل وليست أفلام المخرجين الرجال عن المرأة باعتبارها مفعولا بها، لأن المخرجين الرجال يناقشون قضايا المرأة من وجهة نظرهم التي تختلف كلية عن وجهة نظر النساء.

وتضيف أمل رمسيس أن هناك مخرجين رجال صنعوا أفلاما تتناول هذه القضايا وغيرها أيضا، فلم تقتصر المخرجات على تقديم لون واحد من الأفلام التي تركّز على قضايا المرأة ومشكلاتها في حين أن المخرجين الرجال يستطيعون تقديم قضايا عدة مختلفة عن المرأة وغيرها، وعندما قررت أمل رمسيس تأسيس مهرجان لسينما للمرأة في عام 2008 كان المهرجان مخصصا لسينما المرأة العربية واللاتينية، ثم اتسعت الدائرة وأصبح المهرجان يتلقى أكثر من 50 فيلما من مختلف دول العالم من صنع مخرجات لا يخشين تعنّت أو اضطهاد مجتمعاتهن.

أما المخرجة الشابة روجينا بسالي التي تصنع أفلاما تسجيلية وقصيرة فترى أنه لا يوجد تعريف محدد لسينما المرأة ولكن هناك تصنيف للعمل الفني بأن يكون متكاملا أو غير متكامل، بغض النظر عن جنس صانعه حيث ترفض تماما فكرة التصنيف تلك باعتبارها فكرة عنصرية تعتمد على أن المخرجات بطلات قوميات من حقهن نيل شهادات التكريم لأنهن اخترن التحدي، ولذا يجب قبولهن في الوسط السينمائي بنوع من التقدير المبالغ فيه، في معظم الأحيان، باعتبارهن قد اخترن الخوض في العمل الأصعب. ولكن في حقيقة الأمر ترى روجينا أن هذه المعاملة مرفوضة لعدم تعرض أولئك النساء للتهديد أو الإرغام على العمل، بل إنهن يتمتعن بالقوة بما يكفي لاجتياز الصعوبات التي يتعرضن لها.

وأبدت المخرجة كاملة أبوذكري تأييدها لمسمى “سينما المرأة” باعتبار أن المرأة -كما تصفها- “أقلية مضطهدة” في جميع أنحاء العالم، ومن الطبيعي أن يكون هناك مصطلح مثل “سينما المرأة” تماما مثلما ظهر مسمىّ “السينما الأفريقية” أو “سينما المثليين” باعتبارهم من الأقليات المضطهدة أو المهمّشة يقابلون بنوع من الازدراء إن لم يكن الاضطهاد في بلادهم، فهؤلاء “سود البشرة” والآخرون “شواذ جنسيا”.

وترى كاملة أبوذكري أن إطلاق صفة “سينما المرأة” يعد إنصافا لها ولمشاكلها وقضاياها، ففي أنحاء العالم ينظرون إلى المرأة على أنها ذلك الكائن الضعيف المضطهد، المسلوب الإرادة، التي تضيع حقوقها وتخضع لقوانين المجتمع غير الإنسانية المفروضة عليها، في حين أنها يجب أن تعامل على قدم المساواة مع الرجل. وتضيف كاملة أبوذكري أنها تدعم أفلام المرأة وبالتالي “سينما المرأة” ولكنها لا تميل إلى ما يمكن تسميته بـ”سينما المرأة المتوحشة” أو المنتقمة والدموية، بل تفضل ذلك النوع من المخرجات اللائي يصنعن أفلاما تعكس طبيعتهن الرقيقة، ويفرضن مطالبهن وشخصياتهن من خلال التعامل مع هذه الطبيعة، بعيدا عن محاكاة شخصية الرجل العنيفة للحصول على حقوقهن.

وللمخرجة نادين صليب صانعة الفيلم التسجيلي الطويل “أم غايب” الحاصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان أبوظبي السينمائي، رأي آخر. فهي ترفض التصنيف الذي تصفه بـ”العنصري” وترى أنه يعكس نوعا من الشعور بالذنب الذي يتحكّم في تعامل الأغلبية مع الأقليات، على سبيل “تطييب الخواطر”، أي أن دعم سينما من صنع النساء يندرج تحت المسمّى العنصري أو الطائفي، كتهنئة المسلم للمسيحي في مصر، أو اعتراف الرجل الأبيض بأحقية المواطنة للرجل الأسود.

وترفض صليب ذلك التصنيف العنصري، وتفضل أن يتم تصنيف الأفلام طبقا لجودتها بغض النظر عن كون العمل السينمائي من صنع رجل أو امرأة، كما ترى أن معظم النساء اللائي يقبلن هذه التسمية يحملن رسائل معيّنة يردن توصيلها للعالم الخارجي، كصرخة استنجاد من الاضطهاد الذي يعانين العيش في ظله، فيستخدمن السينما كوسيط لنقل أحوالهن وقضاياهن للعالم.

وتعتقد نادين صليب- لهذا السبب- أنهن لا يصنعن أفلاما من أجل السينما وإثرائها، أو من منطلق عشق السينما والفن، والتعبير عن رؤية ونظرة فنية للعالم، بل يقتصر عملهن على استغلال صنع الأفلام لنقل رسائل من وجهة نظرهن. وتوضح أنه ربما تروق التسمية لنساء العرب على وجه الخصوص، لما تواجهه المرأة العربية من تحكّم وهيمنة من جانب سلطة الأب والزوج والمجتمع، مع سلب لحريتها وتعبيرها عن رأيها بموجب القانون والأعراف. وتفضل نادين صليب إطلاق تسمية مختلفة غير تسمية سينما المرأة لأن المرأة ليست هي فقط التي تطرح قضايا المرأة، بل إن المخرجين الرجال يفعلون ذلك أيضا، وهي تتفق مع المخرجة أمل رمسيس في أنه من الأفضل إطلاق تسمية “السينما التي تصنعها المرأة”.

لا شك أن عمل المرأة في السينما شيء غير مرحّب به من قبل الأسرة والمجتمع بشكل عام، حيث يجد التحاق المرأة بالعمل الفني صعوبة شديدة باعتباره عملا جريئا لا يتناسب مع العادات والتقاليد أو التعاليم الدينية والتيارات الفكرية المتشددة. ولكن الموهوبات والراغبات في إثراء الحراك الفني بإضافة موهبة جديدة يقمن بنوع من التحدي لإثبات ذواتهن في مجتمع رافض، وفي ظل نظرة ذكورية تحاول سلبهن هذا الحق.

عن هذا التحدي والنظرة الذكورية والصعوبات المهنية تقول المخرجة روجينا بسالي إنه لا يوجد حاليا من يهاجم عمل المرأة كمخرجة أو كممثلة أو أيا كان عملها في المجال الفني على الرغم من اعتراض الوالدين في البداية على عمل ابنتهما، ولكنها اكتشفت أثناء عرض فيلمها التسجيلي بعنوان “88” الذي يبرز قضية عمل المرأة في المجال الفني من خلال شهادات مجموعة من النساء الناجحات في مجالهن، بعد أن التقت مع طلبة من الذكور الذين يدرسون في كليات القمة، أن الفيلم قد حفزهم على أن إبداء ندمهم الشديد للانصياع وراء ضغط العائلة التي هدفها أن يتخرج أبناؤها مهندسين وأطباء وليس مخرجين وممثلين، وتتخذ من نفسها مثالا على ذلك، بالإضافة إلى عدة مخرجات متحققات لم يتعرضن للمنع، بل تم قبولهن ودعمهن من قبل نقاد ومخرجين كبار يؤمنون بإمكانيات المرأة في قدرتها على تحقيق أهدافها.

ونفت المخرجة أمل رمسيس فكرة أن المخرجات ينعمن بالراحة وسهولة تسيير أمورهن، بما تشتمل عليه هذه الأمور من مشكلات المرأة العاملة العادية من تنظيم وقتها وترتيب أولوياتها بين أسرتها وأبنائها وبين عملها، فما بالك بعمل قاس وشاق مثل أن تعمل المرأة مخرجة سينمائية، بالإضافة إلى صعوبة أخرى هامة تتمثل في معضلة الإنتاج، فالمنتجون يترددون كثيرا قبل اتخاذ قرار بإسناد العمل إلى مخرجة، لعدم ثقتهم في النساء بشكل عام من الناحية المالية حيث يؤمنون بأن المرأة مسرفة ويمكن أن تتسبب في تجاوز الميزانية، والمشكلة أن تميّز وجودة الأفلام التي أخرجتها مخرجات (نساء) تتخذ دليلا على الإسراف بينما يريد المنتج دائما الاقتصاد في الميزانية.

تشير أمل رمسيس إلى أن المخرجات العربيات والمصريات يواجهن صعوبات أكثر من نظرائهن في أوروبا وأميركا، ولكنها تؤكد على عدم تعرض المخرجات أو العاملات في المجال الفني والسينمائي، إلى أي نوع من الاضطهاد أو النظرة الذكورية المعتادة من رجال العالم العربي، ولا من جهة الجمهور الذي يشيد بجودة ومهنية أعمال سينما المرأة، ويعترفون بمهنيتها، بل ويتعاملون في قاعات العرض برقي شديد معها ومع أفلامها. وهم يحضرون العروض وما يليها من مناقشات حيث يظهرون احتراما استثنائيا لأعمال المرأة. وتطالب أمل رمسيس بعدم إلقاء اللوم على الجمهور وتحميله سبب فشل فيلم ما، لأن الفرق واضح بين الفيلم الجيد والفيلم الرديء، بغض النظر عما إذا كان المخرج رجلا أو امرأة.

ولا تعتقد رمسيس بأن هناك نظرة ذكورية إلى أفلام المخرجات النساء طالما يتجه الرجل من منزله إلى قاعة العرض ليشاهد أحد أعمال المخرجات. وترفض رمسيس إلقاء اللوم على الجمهور تحت شعار أن “الجمهور عايز كده”، فهي ترى أن “المنتج عايز كده” وليس الجمهور الواعي الذي يستطيع التمييز والتفرقة بين الأعمال السينمائية من حيث الجودة والرداءة.

وترى المخرجة كاملة أبوذكري أن سينما المرأة تخلو من الاضطهاد الذكوري، معللة ذلك بالقول إنه ليس شرطا أن من يصنع أفلاما في نطاق سينما المرأة أن تكون بالضرورة امرأة وتشيد كثيرا بأفلام المخرج الراحل محمد خان الذي تعتبره من أكثر المخرجين الذين تناولوا وعبّروا عن مشكلات المرأة وقضاياها في أفلامهم، كما تشير إلى أنه كان أيضا رجلا متحضرا جدا، يقدّر المرأة ويحترمها، وهو دليل على أنه كلما كان الإنسان متحضرا في نظرته وسلوكه ظهر ذلك في تعامله مع المرأة، وينطبق ذلك على كل دول العالم، فإن تحضّر الدولة يقاس بمدى احترام قوانينها للنساء.

على عكس آراء المخرجات اللواتي يؤكدن عدم مواجهة صعوبات، ترى المخرجة نادين صليب أن جميع العاملات في المجال الفني لم يتم استيعابهن وقبولهن إلا بعد مواجهة صعوبات قاسية تتمثل في النظرة الذكورية المتفشية في المجتمع، والتي تنعكس بقوة على طريقة التعامل مع المرأة العاملة في هذا المجال بالسلب. وتروي صليب معاناة شخصية كانت قد مرت بها من خلال عملها كمخرجة مساعدة في عدة أفلام سابقة، تمثلت في تعرضها للمضايقات والنظرات الذكورية، كما تعتقد نادين بأن سلوك هذا النوع من الرجال في المجتمع والمجال الفني يرجع إلى عقلية رجعية تنظر للمرأة نظرة دونية، وإلى أن الكثير من الرجال ينظرون إلى عمل المرأة في مجال الإخراج السينمائي بنوع من الشفقة والرثاء وعدم الثقة في إمكانياتها الفنية، لذلك تعتبر نادين صليب أن العاملات في الساحة الفنية بطلات قويات لكونهن مستمرات في عملهن بل وناجحات رغم كل المصاعب.

وتضيف أن من مظاهر المضايقات التي تتعرض لها المرأة في مجال السينما، الادعاء، أي ادعاء الرجال بإيمانهم بالحرية والتحضر وهم على العكس من ذلك تماما، إنما يستخدمون تلك الادعاءات ليتعرّفوا على نوعية المرأة وهل هي موهوبة بالفعل أم أنها على استعداد للتنازل الأخلاقي من أجل الوصول إلى الشهرة، “فنحن نعيش في مجتمع مزدوج يقول ما لا يفعل ولكن بالنسبة للجمهور فهو مختلف إلى حد ما. فقد فوجئت المخرجة باهتمام الجمهور من الرجال بفيلمها الأخير “أم غايب” الذي قامت ببطولته امرأة ويدور حول مشكلة نسائية تتمثل في تأخير حمل هذه المرأة والأثر النفسي السيء الذي يتركه اللقب الكريه الذي يطلقه المجتمع على النساء اللائي لم ينجبن، وهو لقب “أم غايب”.

وهكذا تعددت الرؤى واختلفت الآراء حول مفهوم “سينما المرأة”، وهل هي تلك الأفلام التي تتناول مشكلات المرأة والقضايا الاجتماعية التي تؤرق حياتها، أم هي تلك السينما التي تصنعها النساء لتقديم وجهات نظرهن في قضايا العالم ومشكلات المرأة المتعددة والمتنوعة طبقا للمنطقة الجغرافية التي يعشن فيها. هذان التعريفان يثيران تساؤلا جديدا: فإذا كان هناك ما يسمى بـ”سينما المرأة” فلماذا لا تكون هناك “سينما الرجل”، ولو حدث ذلك – افتراضا- فسوف يصبح محظورا على المخرج الرجل مناقشة مشكلات المرأة، أو أن ينسب إليها أدوارا شيطانية مسيئة!

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 مظلومة ولكن متمردة.. المرأة والسينما في العالم العربي من وجهة نظر غربية


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
ندى الأزهري - كاتبة صحافية من سوريا


سينما قضايا المرأة وكيفية مجابهة النساء للعادات والتقاليد العربية والمسلمة شكلت المحور الرئيس والوحيد لأكثر من الثلث الأفلام المعروضة على الشاشات الفرنسية.

حين عرض فيلم “الزين اللي فيك” للمخرج المغربي الفرنسي نبيل عيوش في فرنسا عام 2016، لقي الترحيب والاستحسان خلافا لما حصل في بلده الذي منع عرضه. إذ أن هذا الفيلم الذي يحمل “هجوما لاذعا على المجتمع المغربي”، كما يمكن تلخيص آراء النقد الفرنسي، أثار موجات سخط عنيفة في المغرب حيث صُوّر.

تناقض بين وجهتي نظر نقع عليه غالبا في أفلام عربية من هذا النوع، بمعنى أفلام تنتقد مجتمعاتها وتسلّط ضوءا “مبهرا” على أحوالها. اختلافٌ في التلقي يتخذ أبعادا أشد عمقا حين تتعلق هذه الأحوال بالمرأة العربية والمسلمة.

لا يمكن للمتابع إلا أن يلحظ اهتماما خاصا في الغرب، والقصد هنا فرنسا تحديدا، بأوضاع المرأة في العالمين العربي والإسلامي. تأتي السينما لتؤكد هذا الاهتمام عبر نوعية بعض الأفلام العربية التي تعرض في فرنسا من جهة ومن جهة أخرى عبر التلقي الذي يصاحب العروض على الصعيد الصحافي أو الجماهيري، إذ يعتبر البعض أن الفن السابع في منطقة “حيث للمرأة مكان ودور مهمل”، وسيلة للتعبير وأداة للتطور والتحرر من التقاليد، كما يمكننا القراءة في مقالة بحثية عنوانها “سينما وقضايا المرأة في الشرق الأوسط” في موقع “مفاتيح الشرق الأوسط” (Les clés du Moyen Orient).

وبالتالي تجد الأفلام العربية التي تتعلق بأحوال المرأة وقضاياها إقبالا وقبولا في فرنسا، كما أنها توزّع جيدا وتميل إليها شاشات العرض التجارية الكبرى، إضافة إلى صالات فن وتجريب (المدعومة من المركز الوطني للسينما) المنتشرة بكثرة في باريس وأيضا في بقية المدن الفرنسية.

يضاف إلى كل هذا، العروض الخاصة والمهرجانات والعديد من التظاهرات الثقافية… يتمثل هذا “الميل” في مدى انتشار هذه النوعية مقارنة بغيرها. على سبيل المثال، من أصل الأفلام العربية التي عرضت على الشاشات الفرنسية العام الفائت، شكّلت سينما قضايا المرأة وكيفية مجابهة النساء للعادات والتقاليد العربية والمسلمة المحور الرئيس والوحيد لأكثر من الثلث.

وإن أضفنا إلى القائمة أفلاما من جنسيات أخرى تُكّرس للمرأة وأوضاعها في بلدان مسلمة (إيران، تركيا…) أو لجاليات مسلمة في الغرب (باكستان مثلا وغيرها)، لارتفعت هذه النسبة بالتأكيد. لا نذكر هنا الأفلام التي تتخذ من وضع النساء وسيلة للإضاءة على ظواهر أكثر عمومية في المجتمع لأن تلك تنتهي بأن تغطي على قضية المرأة وتجعلها عنصرا من عناصر الفيلم وليس محوره الرئيس.

ثمة آراء نمطية عامة حول صورة المرأة العربية والمسلمة تنتشر في الغرب، آراء نمطية جاهزة (كليشيه) تنعكس في الأحاديث العامة وفيما يكتب ونجدها أحيانا لدى الجمهور والنقاد في المقالات النقدية التي ترافق عروض الأفلام العربية أو المشرقية التي تثير قضايا المرأة.

يمكن تجميع تلك في محورين. الأول يركز على أن المرأة تعاني الظلم والقهر والقمع في المجتمعات العربية المسلمة، وأن تلك المعاناة تتجسد خاصة في الزواج بالإكراه وفي وضع القيود أمام تحررها اجتماعيا وقانونيا وفي تعرضها لجرائم الشرف… يرافق هذا نظرة غربية أخرى للمرأة الشرقية تفرض نفسها بقوة وأتت من حكايا ألف ليلة وليلة، ومن لوحات الفنانين المستشرقين والأدباء الرحالة.

طبقا لهذه النظرة تبدو المرأة كغرض جنسي وغاوية، هدفها الوحيد في الحياة إغواء الرجل وإرضاء نزوات ورغبات غير مشروعة للرجال الشرقيين، لكن تلك الصورة تنزاح تدريجيا لتغلب اليوم النظرة الأولى المستمدة من الحياة المعاصرة والتي تجعل من وضع المرأة العربية في المجمل أكثر بؤسا من المرأة الغربية، ما يدفعها إلى التمرّد وعدم الاستسلام.

يقودنا هذا للمحور الثاني للنظرة الغربية الذي يتمثل بسعي المرأة العربية والمسلمة للمقاومة والتحرر عبر خلع القيود وإثبات الوجود، وبالتالي يجب دعمها في محاولاتها والوقوف إلى جانبها لتصل إلى ما وصلت إليه المرأة الغربية “القدوة” من منجزات.

يمكننا كذلك إضافة بعض الملاحظات المتعلقة بصورة الرجل العربي من خلال وضع النساء في المجتمع.

ففيما تبدو صورة المرأة العربية سينمائيّا أيضا على أنها لبنة المجتمع والحامية للأسرة فإن الرجل خلافا لها يبدو مزعزعا وعنيفا وخاضعا لأمه ولإغراء النساء وفي معظم الأحوال غير مخلص لزوجته وباحث عن زواج جديد.

يمكن العثور على هذه المحاور أي هذه النظرة الغربية للمرأة عبر النقد والتعليقات التي ترافق عروض الأفلام العربية في فرنسا في عيّنات نقدية لأفلام عربية عرضت العام الماضي في فرنسا.

فيلم المخرج المغربي نبيل عيوش الذي اعتبرته مجلة “نونوفيل أوبس” (سابقا نوفيل أوبسرفاتور) “دفاعا عن النساء ومعبّرا عنهن وعن كرامتهن”، يثير قضية الدعارة التي هي “إحدى المحرمات في العالم العربي” كما كتبت مجلة “إل” الفرنسية النسائية، لكنها مع هذا “تسمح بعيش قلة من المجتمع فيما تفضّل الأغلبية غضّ البصر عنها والصراخ لإدانة ما تعتبره إهانة وطنية” تتابع المجلة في نقدها لقيم المجتمع المغربي.

في المغرب اعتبر الفيلم “انتهاكا لكرامة المرأة المغربية” لأنه يبدي تفاصيل عمل الغانيات المغربيات ويمثّل بالتالي “احتقارا كبيرا للقيم الأخلاقية للمرأة المغربية”.

هكذا، أثار “الزين اللي فيك” أو “Much Loved” منذ عرضه في مهرجان كان 2016 جدلا واسعا في بلده وفي العالم العربي، فمُنع من العرض في المغرب، وتعرّضت بطلته الأولى لبنى ابيضار، كما ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، للاعتداء ما اضطرها للجوء لفرنسا التي رشحتها لجائزة السيزار الفرنسية كأفضل ممثلة.

تفضل بعض الأفلام العربية أحيانا وضعا معينا ومحددا للمرأة، الطلاق مثلا، لتناقشه من خلال قصة تبيّن مدى الظلم الذي يوقعه على المرأة قرار كهذا يكون في معظم الأحيان فرديا اتخذه الرجل لوحده.

فيما ثمة أفلام أخرى تحشر كل ما يمكن أن تعانيه المرأة في مختلف المجتمعات العربية من قهر وقمع في فيلم واحد. هكذا تجمّعت مشاكل النساء، وأيضا مكائدهن وبحثهن عن الإغواء في فيلم من إنتاج جزائري فرنسي يوناني.

لم تنس مخرجته إيراد كل ما من شأنه تسليط الضوء على معاناة النساء وكذلك كيدهن العظيم كوسيلة للانتقام من الظلم، وهو ما يثير فضول وإقبال المشاهد الغربي. تجري أحداث “بعمري ومازالني تتخبا باش تتكيف” 2017 (في عمري ومازلت أختبئ لأدخن) للجزائرية ريحانا، في فترة منتصف التسعينات من القرن الماضي السوداء بعد وصول الإسلاميين للحكم في الجزائر.

الحمام هو موقع الحدث، حيث تجتمع نساء آتين للاستحمام وللتنفيس عن مشاعرهن بعيدا عن أعين الرجال و”نظراتهم المتّهِمة”، ثمة أمهات وبنات، عاشقات عذارى ومطلقات، خائنات ومخلصات، متشددات دينيا ومنطلقات متحررات، تتجاور أجسادهن العارية وتتقاطع ضحكاتهن مع بكائهن وصرخاتهن وهن يروين معاناتهن مع الرجل والمجتمع ولكن أيضا تحايلهن على الاثنين. تلجأ إحداهن لصاحبة الحمام لحمايتها من القتل على يد أخيها بعد حملها غير الشرعي، تتضامن معها النساء ويحاولن الوقوف جبهة واحدة ضد التطرف والتعصب والجريمة التي ستقع تحت مسمى الشرف.

الفيلم لاقى إعجاب الجمهور الفرنسي حين عرض السنة الماضية، كذلك استقبلته بعض الصحف في باريس ومدن فرنسية أخرى بترحاب تراوح بين الجيد والمتوسط. رأت مثلا إحدى صحف الأطراف أن الفيلم “يحكي بقوة وحرارة ‘النسوية’ حاملة راية الحرية في مجتمع يقيدها ويعنفها”، فيما عثرت فيه مجلة “لونوفيل أوبس″ على “عطر حرية نساء بلا حجاب، بلا نقاب ولا رجال ولا قيود… يدخّنّ سجائرهن… هؤلاء النسوة اللواتي يعشن تحت حكم مثير للاشمئزاز، هن كائنات من الدرجة الثانية”، وتساءل المقال عن إمكانية تواجد مثل أولئك النسوة “المعنفات المضروبات من أزواجهن”؟ وجاء تعبير “أجساد الحرية تعرّي الضمائر” في جريدة “لومانتيه” وأن جسد المرأة هو دائما الهدف الأول للظلاميين. وقد أثنت مجلة “تيلي راما” على الفيلم لأنه يبدي شجاعة المرأة الجزائرية وصلابتها.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 صورة المرأة في السينما العربية


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
الأحد 2018/03/11 - السنة 40 العدد 10925
الصفحة : ثقافة
أمير العمري - كاتب وناقد سينمائي مصري


بما أن السينما ليست سوى انعكاس للحياة الاجتماعية، فقد كان من الطبيعي أن تطالب السينمائيات النساء بنوع من المساواة في الحصول على فرص لصنع أفلام تعبّر عنهن.

كانت المرأة دائما حاضرة بقوة في السينما العربية، سواء كشخصية رئيسية في الأفلام كما تجسّدها الممثلة، أو وراء الكاميرا كسينمائية: مخرجة، مصورة، مونتيرة، مهندسة ديكور.. إلخ.

وعادة ما يشار إلى دور المرأة في السينما العربية على وجه الخصوص، بنوع من المبالغة، ومع إضفاء قدر من التقدير المصطنع والإشادة المفتعلة التي تصدر عادة عن “ذكور السينما” بما يوحي بنوع من الوصاية التي ربما لا تكون مقصودة لكنها تبرز في ثنايا الحديث الذي لا تكف وسائل الإعلام عن ترديده حول “دور المرأة في السينما” أو “المرأة هي الرائدة في صناعة السينما”.

وعلى النقيض من هذه الهالة المصنعة التي يقصد بها التغطية على ما هو قائم بالفعل من مشاكل تتعرض لها المرأة، سواء في السينما أو في المجتمع عموما، يميل البعض أيضا إلى التقليل من حضور المرأة، والانتقاص من محاولاتها بناء صورة مستقلة لها من خلال الأفلام التي تصنعها أو تشارك في صنعها.

ولكن هل أصبحت المرأة تمتلك أصلا “وسائل الإنتاج” السينمائي لكي يمكن الحديث عن “سينما المرأة”؟ وما معنى هذا المصطلح، وهل هو مصطلح علمي أو يرقى إلى مستوى مصطلحات أخرى أصبحت مستقرة في الدراسات السينمائية الأكاديمية مثل “سينما المؤلف” و”الفيلم نوار” و”السينما الثالثة”.. وغير ذلك؟ أم أنها صرخة تتردد منذ سنوات طويلة دون أي صدى حقيقي لها، أي دون أن يكون لها مردود عملي وتأثير مباشر على الصناعة نفسها إن وجدت بالطبع؟

قبل أكثر من ربع قرن أجريت حوارا مطولا مع المخرجة اللبنانية-المصرية الراحلة نبيهة لطفي التي كانت قد أسست لتوها ما أطلقت عليه “جمعية سينما المرأة” في مصر، وكنا نحضر في ذلك الوقت مؤتمرا لمناقشة “سينما المرأة” أقيم على هامش مهرجان قرطاج السينمائي في تونس. وقد سألتها حينئذ عن تصوّرها لمفهوم “سينما المرأة”. خاصة أن الكثيرين يعتقدون أن السينما هي سينما فقط ، سواء أكانت من صنع الرجل أم المرأة، فما معنى التفرقة بين السينما التي يصنعها الرجل وتلك التي تصنعها المرأة؟

كان رأي نبيهة لطفي الشخصي، وهو رأي طرحته في الندوة الموسعة التي ضمّت عددا كبيرا من السينمائيين والنقاد، أن مجرد طرح هذه التفرقة للمناقشة، معناه أن هناك احتياجا ما، أو أن هناك شيئا ما يوجد في الحياة الثقافية أو حتى الاجتماعية، يفرض هذه التفرقة أو هذا الفرز. وأضافت أنه لا شك في وجود دور للمرأة تاريخيا، بحكم أنها لم تكن تعامل على نفس القدم من المساواة مع الرجل.
وبما أن السينما ليست سوى انعكاس للحياة الاجتماعية، فقد كان من الطبيعي أن تطالب السينمائيات النساء بنوع من المساواة في الحصول على فرص لصنع أفلام تعبّر عنهن. هناك مشاكل كثيرة مطروحة في مجتمعاتنا تتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة، فإذا استطاعت المرأة أن تسمع صوتها في هذه المشاكل، فهي تساهم بالتالي في رفع عبء كبير عن كاهل المجتمع. وسينما المرأة إذن، هي سينما مطلوب أن تثبت من خلالها المرأة وجودها كمبدعة وفنانة، وأن تحصل على حقها في الحديث عن مشاكلها الخاصة.

خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة ظهرت جمعيات كثيرة في مصر والعالم العربي والعالم الخارجي باسم “جمعيات سينما المرأة”، كما أقيمت مهرجانات كثيرة هنا وهناك، باسم سينما المرأة، وبرزت على الساحة ناقدات بل ونقاد يروّجون لسينما المرأة، وأفلام ترفع شعار الانتماء لسينما المرأة.. فما هي سينما المرأة؟ وهل أصبح المصطلح اليوم أكثر واقعية بحكم تحقق الكثير من الشعارات وتحولها إلى واقع فعلي؟ أم أننا مازلنا أبعد ما نكون عن الوصول إلى صيغة محددة لهذا المصطلح النقدي الذي أصبح أيضا تعبيرا يتردد بقوة في الإعلام؟

لكي نبحث في العلاقة بين السينما العربية والسينما، وبين صناعة الفيلم وقضايا المرأة، وننظر فيما إذا كانت المخرجات النساء قد نجحن في التعبير بشكل مختلف عن السينمائيين الرجال، عن قضايا المرأة في أفلامهن، ولكي نرصد سلبيات وإيجابيات النظرة “الخاصة” إلى المرأة التي من الممكن أن نحصرها في “غيتو” ثقافي منعزل، رأينا أن من المناسب، ونحن في شهر المرأة، أن نفتح هذا الملف الذي حرصنا على أن ندعو إلى المشاركة للكتابة فيه، عددا من الكاتبات والناقدات يفوق كثيرا عدد المشاركين من النقاد والباحثين الرجال.

لدينا في هذا الملف مساهمات لكاتبات وكتاب من اليمن ومصر والكويت والمغرب وتونس وسوريا وفلسطين. وقد حرصنا على تنويع المواد لكي تشمل الدراسات التي تبحث في المنتج السينمائي نفسه، إلى جانب المقالات والدراسات الأخرى التي تبحث في الظاهرة بأبعادها المختلفة من وجهات نظر متعددة.

ليس من الممكن اعتبار هذا الملف خاتمة البحث في الطريق موضوع سينما المرأة، بل نعد بنشر ما لم نتمكن من نشره في هذا العدد لأسباب تتعلق بضيق الوقت المتاح، في أعداد أخرى قادمة، لكننا نأمل بالدرجة الأساسية، في أن نتلقى ردود الفعل والتعليقات والكتابات المضادة، ممن يمكنهن ويمكنهم، المساهمة في إثراء النقاش حول هذا الموضوع الهام وبالأخص، على ما طرح من أفكار في المقالات التي يتضمنها هذا الملف، والاشتباك النقدي معها بحيث نثري العملية النقدية، وربما نساهم أيضا في التوصل إلى أساس علمي ننطلق منه في دراساتنا المستقبلية وتعاملنا النقدي مع “سينما المرأة”.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

عن جريدة العرب اللندنية

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 ملف سينما المرأة العربية


ملف سينما المرأة العربية في مجلة الجديد الأدبية الشهرية - العدد 38 - مارس/اذار 2018


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)