سنة الراديو، رينيه الحايك (لبنان)، رواية دار التنوير، بيروت 2016

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
السبت 02-03-2017
الصفحة : ثقافة
هيثم حسين


"سنة الراديو" لرينيه الحايك.. حفريات في المجتمع البيروتي


JPEG - 44.8 كيلوبايت
خصّصت الروائية عملها لعوالم المرأة الداخلية

تحفر اللبنانية رينيه الحايك في روايتها “سنة الراديو”(*) في بنى العلاقات الأسريّة والاجتماعية في المجتمع البيروتيّ، تظهر هشاشة التواصل بين شرائح من الناس هناك، تلتقط بعض أنواع الرياء الاجتماعيّ السائدة، بالإضافة إلى ما يتعرّض له المرء من ضغوطات نفسية في ظلّ واقع القهر والعذاب والروتين اليوميّ المنهك.

لا تنسج الحايك حكاية بطوليّة، ولا حبكة متصاعدة، بل تبقي بطلتها الساردة “يارا غزال”، دائرة في فلك أفكارها وأحلامها وكوابيسها وتوتّراتها التي لا تهدأ، تنتقل من مأساة شخصيّة لأخرى، تنقل معها هزائمها الصغيرة في العمل والحبّ والصداقة والبنوّة والأخوّة، تلك الهزائم التي تكون مجتمعة كبيرة وقاهرة ومدمّرة لها، تمنعها من متابعة حياتها بالصورة المثلى التي تتخيّلها، وتبقيها بمعزل عن الاندماج في محيطها الأسريّ والاجتماعيّ.

تتناول الروائيّة مواضيع تبدو مسيطرة على حياة الناس من دون أيّ اعتراف من قبلهم بسيادتها وسطوتها وتغلغلها ونفوذها المعمي في حياتهم، وتمظهراتها المختلفة على تصرّفاتهم، وتجلّياتها في أفكارهم وممارساتهم، من ذلك الوحدة والملل والغربة والتشتّت والتحوّل والضياع، ومأساة الغرق في متاهة اليوميّات التي تثير السأم وتبعث الأسى في النفوس.

الهزيمة تسكن روح الراوية، تتحوّل إلى خيبة، فلا يلوح طيف أمل في الأجواء إلّا ويتحوّل إلى كابوس جديد يثقل عليها، تخرج من حادثة تخلّف ندوباً على جسدها وروحها، لتقع في دوّامة ذكرياتها البائسة ويومياتها الموحشة المملّة، توثّق لحظات الملل وساعات الشقاء والصدمة بكلّ ما ومن حولها.

يارا الراوية هي مرشدة نفسية في إحدى المدارس، تساعد الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة، تحاول اكتشاف مواطن العلل لديهم ودفعهم للاندماج في محيطهم، وهي بذلك تدعم دفاعاتهم النفسيّة وتسعى لإزاحة الأعباء عن كواهلهم الطفوليّة التي لا تحتمل، تساعدهم على تخطّي عقبات هي نفسها لا تستطيع تجاوزها، وهنا تكون المفارقة؛ كأنّما ينطبق عليها قول الشاعر: “طبيب يداوي الناس وهو عليل”.

بعد أن تفقد يارا وظيفتها في المدرسة التي كانت تعمل فيها، تتنقل من ميدان لآخر لفترات قصيرة، لا تجد راحة ولا هدوء بال في تخبّطاتها في العمل، تحصل على عقد لمدة سنة في إذاعة محلية، يصبح لديها برنامج مباشر على الهواء، تتواصل فيه مع الناس تطرح قضايا متعلّقة بالأطفال ومشاكلهم في حياتهم ومجتمعهم، وتجيب عن أسئلة الأهل المتعلّقة بعلل أطفالهم أو الصعوبات التي يعانون منها.

تكون الإذاعة بالنسبة للراوية بوّابة لولوج طبقات المجتمع المختلفة، تكتشف مزيداً من التناقضات لديها، تكون أمراض الأطفال والصعوبات التي يعانون منها ذات جذور أسريّة، فهنا أم مستهترة لا همّاً لها سوى عيش حياتها بطريقة تخلو من حسّ المسؤوليّة والأمومة، وهناك أب ينشغل بأعماله ومغامراته ويغيب عن أسرته ويظنّ أنّ دعمه المادّيّ يكفل لها السعادة، في الوقت الذي تكون بحاجة لحضوره ورعايته لا إلى المظاهر والنقود فقط.

توصف الراوية من قبل المحيطين بها بأنّها غريبة الأطوار، أو معقّدة أحياناً، لا تعجبها علاقات الحبّ والصداقة العابرة، تبحث عن ملاذ آمن لها بعيداً عن بؤر الجنون التي يعجّ بها واقعها، تكون مفتاح الروائيّة لفكّ الأبواب المغلقة وكشف ما يختبئ خلفها من أسى وخراب، لكنّها تقع في الفخّ الذي تحذّر وتخشى منه، فخّ علاقة عابرة.

يارا تظلّ في علاقة متوتّرة مع والديها، تضيق ذرعاً بأسئلة والدها وقلقه الدائم عليها وعلى إخوتها، وكيف أنّ ذاك القلق يتحوّل إلى وسيلة إقلاق بحدّ ذاتها، بينما تكون الأمّ عالقة في سنّ العجز الذي يحيلها إلى امرأة نكديّة غادرتها صلابتها السابقة كمعلمة وباتت عجوزاً مملة.
تقع يارا في حب رجل يكبرها بالسنّ، أسامة والد أحد تلاميذها؛ مرضاها، ويكون أستاذاً جامعيّاً، يعيش بدوره حياة أسريّة متأزّمة، يعيش كالغريب مع زوجته البعيدة عنه، تربطهما علاقة باهتة، يحرصان على إدامتهما من أجل المحافظة على الشكليّات الاجتماعيّة، أي أنّ العلاقة التي يفترض بها أن تكون مقدّسة تتحوّل إلى وسيلة تنافق اجتماعيّ مدنّسة بالخيانات.
تخصّص صاحبة “رسالة من كندا” عملها للتركيز على عوالم المراة الداخلية وكيف أنّها تغالب عذاباتها وحيدة من دون أيّ عون أو سند، وواقع أنّ مَن يفترض بهم مساعدتها يكونون عبئاً مضافاً عليها، كالأب أو الأمّ أو الأخت أو الصديقة، ولعنة البقاء في أجواء كابوسيّة تغلّفها الحيرة ويسودها الضياع بين رغبات تائهة وأوهام متأصّلة.

تلفت الحايك إلى تأثير الحبّ الكبير على المرأة، وتحويله حياتها من بؤس وشقاء إلى سعادة وهناء، وذلك في فترة قصيرة، بحيث يشكّل منعطفاً حياتيّاً غريباً، يدفعها إلى إحياء الأمل بذاتها وواقعها، ويعينها على تقبّل هزائمها اليوميّة المتسلسلة، يجمّل لها واقعها ويضخّ تجديداً لديها، وكيف أنّ ذلك يقودها في رحلة معاكسة لترى واقعها بعين جديدة، هي عين المحبّ المنشغل بذاته وإعادة بناء داخله المتهالك جرّاء الخيبات المتراكمة، لكنّ ذاك الأمل لا يدوم لأنّ الخيبة تربض على مقربة منها دوماً.

تنوّه الحايك إلى ولع الناس بالثرثرة والخرافة، يكون العام الذي تعمل فيه بطلتها في الإذاعة بمثابة بركة يلقي فيها الناس بمشاكلهم وهواجسهم ووساوسهم من دون أن يستدلّوا إلى أيّ طريق للانفراج أو الحلّ، وتكون المفارقة كامنة في أنّ المرشدة تسعى لتهدئتهم وهي مكتوية بنيران غضبها وشقائها ومللها واغترابها عن ذاتها ومحيطها، وتكون مركز أزمات يغلي لكنّها تسعى لتهدئة أزمات الآخرين وإيجاد مواساة أو تخريجات لها.

(*) الرواية صادرة عن دار التنوير، بيروت 2016، وقد اختيرت ضمن اللائحة الطويلة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة المعروفة بـ"بوكر" العربيّة في دورة 2017.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)