سر فزاعات الحقول

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الخميس 29-01-2018
المدن - ثقافة
محمد السعدي


هذا سر فزاعات الحقول


JPEG - 75.8 كيلوبايت
اختُرعت الفزاعة لأسباب عملية (Getty)


من منا لم يزر يوماً حقلاً أو مزرعة، فاستدار على حين غرة ليرى “شيئاً” يبدو وكأنه يحدق به، متمايلاً مع نسمات الهواء؟ في شتى أنحاء العالم، يستعين الفلاحون منذ القدم بأولئك “الحراس” المجانيين الذين لا غنى عنهم للتخلص من شره بعض الطيور، خصوصاً الغربان، التي تقتات مجاناً على حساب محاصيلهم.

ذلك الشي، يدعى بالفصحى “شاخص” و"مجدار". لكنه يسمى شعبياً “فزّاعة” و"خُرّاعة خُضرة" و"خيال المآته". تلك الأشكال، المضحكة أحياناً والمثيرة للرعب أحياناً (خصوصاً مع حلول الظلام)، تشكل بالنسبة إلى الفلاحين جزءاً من “المعدات الزراعية”. ويتفنن البعض في تركيبها لمجرد التسلية والمتعة. بل تُنظم مهرجانات لعرضها.

مثلاً، يقام معرض سنوي لها في قرية بايول Bailleul في أقصى شمال فرنسا، قرب الحدود البلجيكية. وينظم مهرجان سنوي آخر في قرية آردلو Hardelot، الفرنسية أيضاً، المطلة على بحر المانش قرب ميناء كاليه. وثمة تظاهرات مماثلة في مدن وقرى أوروبية أخرى، لاسيما في ألمانيا وبلجيكا وهولندا والدول الإسكندنافية وبريطانيا، يقيمونها للفرح والمتعة، مع تنظيم مسابقات للفوز بجائزة أجمل فزاعة أو أكثرها رعباً أو غرابة، وما شابه.

في البداية، اختُرعت الفزاعة لأسباب عملية. فاتساع الأراضي المزروعة و"تكاسل" الفلاحين، مع تطور وسائل الزراعة، جعلا من العسير جوب الحقول يومياً لطرد الغربان. وبما أن الحاجة أمّ الاختراع، عمد المزارعون إلى “توكيل” هذه المهمة إلى... ملابسهم القديمة. بيد أن تقليد الأرياف تحول إلى تسلية لدى المزارعين وأهل المدن على حد سواء.

ففي البلدان المذكورة، تسهم العتمة الطبيعية، حتى نهاراً، في رفع الهلع الذي قد يولده منظر الفزاعة المفاجئ. لذا دخلت الكلمة في “أدبيات” تلك البقاع منذ قرون. فورد ذكرها في المعاجم الانكليزية للمرة الأولى في العام 1592. وأشار إليها شكسبير باسم Jack-a-Lent في مسرحية “زوجات وندسور المرحات”، في العام 1597. وفي بريطانيا نفسها، ثمة نحو 10 مرادفات شعبية محلية لمفردة scarecrow، حسب المناطق. تلك “التعددية اللغوية” إشارة إلى اهتمام البريطانيين بالشواخص. فمن المعروف لدى علماء الاجتماع أن استخدام مرادفات متعددة للتعبير عن شيء واحد يشكل دليلاً على أهمية ذلك الشيء في حياة الشعوب. فمثلاً، يستخدم سكان الأسكيمو أكثر من 20 كلمة تعني “الثلج”، في مختلف حالاته وسمكه وموسم هطوله، إلخ، بينما حصر بعض لغويينا نحو 100 كلمة تداولها العرب بمعنى “بعير” أو “ناقة”، حسب الجنس والسن ولون الوبر والشكل، وما إلى ذلك.

طبعاً، ألهمت نظرات الفزاعات المخيفة عدداً من كتاب قصص الرعب ومخرجي “أفلام العيد”، التي تستهوي الأطفال والمراهقين في أيام الأعياد. منها رواية بعنوان “فزاعات منتصف الليل”، ألّفها أر. أل. ستاين. ومثلما يُستشف من العنوان، “تستيقظ” فزاعات الرواية في منتصف كل ليلة، فتصبح “مخلوقات” شريرة تطارد أهل المزرعة وأي سيء حظ يمر من هناك صدفة، كشاب وخطيبته نفد بنزين سيارتهما في ظلمة الليل، فتورطا حين جاءا لطلب النجدة من المزرعة. تحاول الشواخص الشريرة التهام الأطفال وقتل الكبار. لكنها، مع بزوغ الفجر، تعود “لوظيفتها” الوديعة النافعة، فلا تفزع سوى الغربان المتطفلة.

تدور معارك طاحنة في الليل بين تلك الفزاعات القاتلة من جهة، وأكوام التبن والجرارات الزراعية من جهة أخرى. يتبين في النهاية أن السر يكمن في ساعة قديمة قابعة منذ أجيال في المنزل المظلم، هي في الحقيقة ساحرة شريرة، عندما تدق دقات منتصف الليل، تعطي إشارة للفزاعات لكي تتحول إلى آلات للقتل. والسبيل الوحيد للتغلب عليها هو تدمير الساعة/ الساحرة، ما لم يقدر عليه سوى “سوݒر تراكتور”، زعيم الجرارات، الذي لا “يطيع” إلا أوامر الطفل الأصغر (10 أعوام).

لكن الفزاعات لا تُذكر بالنتاجات السطحية فحسب، سواء أكانت مسلية أو مرعبة. فهناك أيضاً نتاجات جادة. مثلاً، في العام 1973، فاز فيلم “الفزاعة”، رفيع المستوى إخراجاً وموضوعاً وتمثيلاً، بالسعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي في فرنسا. يروي الفيلم، الذي أخرجه جيري تشاتسبيرغ، قصة رجل فظ الطباع، صعب المعشر، قليل الأصدقاء، يفضل العيش وحيداً منزوياً. لُقب “الفزاعة” لأنه نحيف في الحقيقة، لكن يرتدي الطبقة فوق الطبقة من الملابس لكي يبدو “سميكاً” بغية إخافة أعدائه الكثيرين. أدى الدور جين هاكمان، متقاسماً البطولة مع آل ݒاشينو، الممثل “الناشئ” وقتها.

بعيداً من المهرجانات والمسابقات والقصص والأفلام والروايات، تظل الفزاعات مجرد أدوات نافعة لا تؤذي أحداً ولا “تصحو” في منتصف الليل. لا يخشاها غير الحمائم والغربان الشرهة التي، لولاها، لأبادت محاصيل مواسم بأكملها عن بكرة أبيها، حتى إن أصل كلمة scarecrow، بالإنكليزية، آتٍ من دمج مفردتي scare (يخيف) وcrow (غراب)، أي “مخيف الغربان”. وبالفرنسية، استنبطت مفردة épouvantail من épouvante (رعب أو هلع). أما عندنا، فيظل الاستخدام “الاجتماعي” الساخر لمصطلح فزاعة أو “خرّاعة خُضرة في البيت” يشير إلى الرجل الذي لا يحلّ ولا يربط في المنزل، بل مجرد صورة قد تضلل البعض، إلا... زوجته طبعاً!

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة

حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)