زرايب العبيد، نجوى بن شتوان (ليبيا)، رواية دار الساقي - ٢٠١٦

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الخميس 01-04-2017
المدن - ثقافة
هيثم حسين


"زرايب العبيد" لليبيّة نجوى بن شتوان.. سوق النخاسة العنيف


JPEG - 42.8 كيلوبايت
تنبش نجوى بن شتوان في روايتها في تاريخ الرقّ في ليبيا،


تنبش الليبية نجوى بن شتوان في روايتها “زرايب العبيد” في تاريخ الرقّ في ليبيا، في مسعى لرفع الحيف الملحق بالعبيد، مستعينة بالذاكرة لردّ الاعتبار لتاريخ الرعب والأسى والقهر الذي قاسوه في بلدهم، وظلّوا أسرى عادات وتقاليد شكّلت قيوداً تضيق يوماً بيوم عليهم لدرجة حرمتهم من أيّ حلم أو سعادة أو أمل.

تتناول بن شتوان جانباً من انشطار المكان واستعدائه تاريخه ومستقبله، إذ فئة من الناس موقوفة لخدمة فئة أخرى، لا لشيء إلّا لأنّ اللون فرض إرثه واستغلاله وبؤسه، العبيد السود في خدمة الأسياد البيض، نساء العبيد للتسرية عن أسيادهنّ والترفيه عنهم، يصنّفن في خانة “ملك اليمين”، يحقّ لأسيادهنّ التصرّف بهنّ كأشياء وبضائع، ويكون لكلّ فئة عالمها المختلف عن الآخر برغم أنّهما تعيشان في المكان والزمان نفسه.

تصوّر الروائيّة سوق نخاسة تاريخيّاً في بنغازي بليبيا، وكيف أنّ العنف كان سمة المكان، وكان التعنيف بمختلف الأساليب دارجاً ومتفشياً، كما ترسم تاريخ الرعب الذي كان يدمي قلوب أناس وجدوا أنفسهم ممتلكات وأشياء بيد آخرين، وسعيهم لتحقيق ذواتهم وتحرير أنفسهم بشتّى السبل، وكيف أنّ ثورات قسم من العبيد الفرديّة كانت تتعرّض للوأد والتواطؤ والخذلان حتّى من العبيد أنفسهم.

تسرد الروائيّة تاريخاً يراد تجاهله أو تناسيه، وحقيقة أنّه لم يكن ينظر إلى العبيد على أنّهم بشر، لهم مشاعر وأحاسيس، لدرجة أنّ دمعة تنحدر من عين أحد العبيد تكون غريبة، وبعيدة عن مدلولها في عرف مَن يتحّكمون بهم، حيث الإذلال هو السلوك الذي يتبدّى بسيطاً حين مقاربة تاريخ العبيد، وبؤسهم وشقاءهم، والمتاهة التي كانوا يظلّون مقيّدين فيها، والمستنقعات التي كانت تغرقهم وتجرّدهم من إنسانيّتهم.

يرمز العنوان إلى إرث تاريخيّ متراكم من حيث النظرة إلى العبيد على أنّهم حيوانات تخصّص لها زرائب، وفي بعض الأحيان كانت الحيوانات أكثر قيمة منهم في عرف سادتهم، يبيعونهم ويشترونهم ويزوّجونهم ويطلّقونهم ويقتلونهم بدون أيّ إحساس بالإثم، و"الزريبة" التي هي حظيرة حيوانات، هي نفسها المكان الذي كان العبيد فيه يولدون ويموتون ويخدمون، وتسعى الروائيّة من خلال إثباته إلى الإمعان في الإيلام، ووجوب الالتفات إلى قهر تلك الفئة من البشر في فترات تاريخيّة مديدة.

عتيقه التي تكون نتاج حبّ مغدور تكون وفية لوالدتها تعويضه التي كانت تخدم أسرة (محمد بن شتوان)، وكان أن ارتبطت بسيد من أسيادها بعلاقة حبّ، بدأت غريبة وانتهت مأساوية، فالسيد الأبيض المتزوّج لم يكن ليدرك وقوعه في حبّ عبدة سوداء، ولاسيّما أنّه يملكها، ومن واجبها أن تسرّي عنه وتمنحه ما يريد بدون أيّ اعتراض أو امتعاض، لكنّ قلبه انتصر على قيود واقعه، وتعلٌّق بها، كان يشعر أنّه عبدها في الحبّ وأنّها سيّدته، وتكون المأساة حين اكتشاف أمر العلاقة التي وصلت إلى درجة من الخطورة، بحيث باتت تهدّد علاقات الأسرة التجاريّة مع الأسر التي صاهرتها، وتكون الأمَة هي الحلقة الأضعف، بحيث يكاد يكون هناك يقين لدى أسرة العاشق أنّ التخلّص منها سيكون حلّاً ناجعاً وجذريّاً للمشكلة، وأنّ الزمن كفيل بإنساء ابنهم عبدته التي سحرته.

لا تسير الأمور في المسار الذي رسمه السادة، ذلك أنّ الأمَة التي حاولوا التخلّص منها وبيعها، اختارت لنفسها طريقاً مختلفاً، سعت إلى رسم مسار حياتها بعيداً عن العبوديّة، اختارت أن تكون حرّة وأعلنت ثورتها وتمرّدها، قصدت المكان الذي تشعر فيه بمساواتها مع غيرها من أبناء جلدتها من العبيد، فكانت “زرايب العبيد” ملاذها الآمن الذي ستربّي فيه أطفالها وتنقذهم من وحشيّة العالم الخارجيّ.

مفتاح دقيق؛ الطفل الذي تخلّت عنه أمّه أثناء ولادته يكبر في كنف تعويضه، وهو وعتيقه يكبران في ظلّ زرايب العبيد، لكنّ تغيّر الظروف وانقلاب الأحوال في البلد يضع حدّاً للمأساة التاريخيّة، والمفارقة تكون أنّ إنهاء تاريخ الرقّ والاسترقاق بشكل عمليّ جاء على يد المستعمر الإيطاليّ الذي فرض على الناس إحصاء ما لديهم كي يستعبدهم جميعاً، يستعبد بلدهم بما ومن فيه، وهكذا انتقلت البلد من حالة رقّ إلى حالة أخرى مدمّرة.

تختار بن شتوان أسلوب تناسل الحكايات من بعضها بعضاً، بحيث يجد القارئ نفسه في متاهة حكايات تدور حول مكان متخيّل، كان له ذات يوم وجود مؤثّر، وبات أثراً بعد عين، إلّا أنّه ظلّ موجوداً ومؤثّراً وفتّاكاً في ذاكرة أبنائه وسلالتهم التي لا تستطيع نسيان الظلم الملحق بهم على أيدي من اعتبروهم حيوانات للخدمة لا غير.

تشير إلى تغيّر طريقة العبوديّة من زمن إلى آخر، من العثمانيين إلى الإيطاليين إلى ما بعد الاستقلال، ومحنة العبيد المتجدّدة في كلّ حقبة، وفجيعة استكمال درب العبوديّة بطرق لا مرئيّة، فالعبيد باتوا يخدمون بطريقة أخرى، بأسلوب النسبة في الأرباح أو ما شابه، أي أنّهم ظلّوا في دائرة القمع والتشييء نفسها لكن مع تغيير ظروف التخديم والتسرية والإفقار والتجهيل.

تكثر الروائيّة من الشخصيّات التي تظهر وتختفي فجأة، كأنّها تتماهى مع واقع العبيد الذي تصوّره، وهي أنّ العبد قد يظهر مؤدّياً خدمة أو دوراً ويرحل لتأدية آخر بعيداً عن الأنظار، يكمل رحلة العبوديّة في العتمة. كما أنّها تلجأ إلى توظيف مفردات وأغانٍ لها معانيها وصداها في تاريخ العبيد وزرائبهم التي كانت مدن ظلمة وظلام وضياع.

تختم بن شتوان روايتها بإعادة الاعتبار لسلالة العبيد، إعادة الاعتبار للحبّ والانتصار له، وتكون عتيقه الناطقة باسم هذه الشريحة البائسة، يعاد إليها نسبها، تعاد إليها عباءة أبيها، يطرّز اسمها عليها إلى جانب أسماء أولاده الآخرين بالخيوط الذهبيّة نفسها، وتكون إعادة التنسيب مدخلاً لإعادة التقدير والضمّ إلى الأسرة النابذة الطاردة، وجسراً لعقد مصالحة بين الواقع والماضي، بين وحشيّة الأمس ومرارة اليوم وضبابيّة الغد.

تؤكّد بن شتوان في عملها أنّه يستحيل استرقاق روح الإنسان الحرّ مهما تعقّدت الظروف وتراكمت المآسي، وأنّه مهما تعرّض الجسد للانتهاك والتدنيس يمكن للروح أن تحافظ على سموّها وتنجو من محنها، ويكون الأمل بالخلاص دافعاً للتحرّر من سطوة إرث القتل والتجريم، ونافذة مشرعة على تصالح مع الذات والآخر، مع التاريخ والجغرافيا معاً، في محاولة للبناء على أسس متينة لا على هشاشات؛ حكايات، بائسة تعيسة.

• الرواية صادرة عن دار الساقي في بيروت 2016، وقد اختيرت ضمن اللائحة القصيرة للبوكر في دورة 2016/ 2017.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.



العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
نُشر في 09-01-2017، العدد : 10507، ص(14)
الصفحة : ثقافة
العرب - القاهرة


رواية نسوية عن الاستعباد في ليبيا العثمانية


تقدم الرواية لنا بعيداً عن جانبها الإبداعي ما يسمى بالمعرفة الحكائيّة، وهي سرديات وقصص إما مشرذمة وإما متماسكة تحاول إعادة صياغة معارفنا عما نظنّه حقيقة أو مسلّما به، فالمعرفة التي تقدمها الرواية تكتسب شرعيتها من مجرد سردها، من قدرتها على أن تكون الصوت المهمّش، ذاك الذي لا ينتمي إلى نظام الاعترافات الرسمي سواء التاريخي أو السياسي، لتعرفنا على الحكايات المخفيّة، تلك التي تُخلق أمامنا لحظة رَويها، لتتكوّن مرئية عبر الكلمات والرواة، لا عبر نصوص المؤسسات وتقنيات إنتاجها.

نقرأ في رواية ” زرايب العبيد” للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان، حكايات عن العبيد في ليبيا في العهد العثماني وقبل أن تصبح ليبيا مستعمرة إيطالية، إذ نقرأ عن عوالم خفيّة لشعوب بأكملها حُكم عليها بالدونية بسبب لونها، ففي الرواية نكتشف الجانب الآخر للتاريخ، ذاك الذي رسّخه الاستعمار لاحقاً، لنرى أنفسنا أمام حقبة زمنيّة كان تعريف “الإنسان” فيها غير واضح، إذ أن مصيره وحريته لا يضمنهما إلا لونه، فبن شتوان تكشف لنا عن عوالم الظلم والتخلف والجهل التي كانت تهيمن على تلك الفترة، حيث لون البشرة هو المسيطر، والمستقبل تتحكم فيه الأهواء.

أجزاء الأحجية الضائعة

تتناول الرواية الصادرة مؤخرا عن دار “الساقي للنشر والتوزيع”، في بيروت، حكاية عتيقة وأمها تعويضة، إذ نقرأ ذكريات عتيقة التي تروي لنا ما مرت به، ثم والدتها من قبلها التي عاشت علاقة حب مع سيدها، لندخل بعدها في سلسلة من الحكايات التي تستعيدها عتيقة مع الضيف الغريب الذي زارها فجأة ويريد لها أن تنال حقّها، لنكتشف لاحقاً أنه ابن عمتها. العوالم التي نقرأها تحددها نقاط علام في حياة العبد، لا يختارها هو، فالانقلابات المصيريّة تأتي من الخارج، فإما طاعون أدى إلى حرق الزرايب، أوإما قرار البيع في سوق نخاسة تنتهي إثره الأمة في بيت للبغاء.

هذه النقاط المفصلية تستخدمها نجوى بن شتوان لبناء التشويق في الحكاية، ليكون العبد متمتعاً بخاصية بطل تراجيدي، فهو يكتشف ماضيه أو مستقبله في لحظة تأزّم. تستمر على طوال الرواية حكايات الذاكرة في التشكّل وكشف الماضي حتى لحظة اللقاء بين عتيقة ومحمد، لنرى أنفسنا أمام تاريخ مأساويّ من القهر والظلم. فالحكايات الفرعيّة لعتيقة ووالدتها ومن حولهما، تُشكّل تاريخاً مشرذماً ومخفيا، تكونه هذه الشخصيات كل منها بحكايتها التي قد تستمر لبضعة أسطر، هذه الشراذم والحيوات الهامشية تتحد كلها لتشكّل المعرفة المهمّشة عن حياة العبيد وأحوالهم في تلك الفترة.

ترسم الرواية، التي حازت جائزة هاي فيستيفال لأفضل 39 كاتباً عربياً لعام 2009، فضاءين يعيش ضمنهما العبيد: الأول هو الزرايب، وهو عبارة عن أبنية طينية شديدة البساطة يعيش فيها العبيد خارج المدينة، حيث يمارسون مِهناً شاقة تستنزف أجسادهم، متروكين للبحر والصحراء والخرافات التي تضبط علاقاتهم. والثاني فضاء الداخل، الحياة داخل السور، في المدينة حيث عالم الأسياد، فالعبد هناك يكون ملكاً كاملاً لسيده، يفعل فيه ما يشاء، هذان العالمان لا يمثلان تغيراً جذريا في حياة العبد، فهو مقهور في الزرايب بسبب قسوة ظروف العيش وفي المدينة بسبب بطش السيد.

كل فضاء منهما يحمل معالم جديدة للقهر، لكن هي مجرد درجات مختلفة، وكأن هويات المقموعين التي يختزنها اللون “الأسود” لا يمكن الفكاك منها، هي حكم أبديّ، وحتى أولئك المنتمين إلى آباء مختلطين ينتظرهم المصير ذاته، فهم يحملون جينة القهر، أما حرية العبد، حلمه بالانعتاق، فهي كما ترسمها الرواية لا تأتي إلا تكفيراً عن ذنب، لا رغبة حقيقية في عتق إنسان، بل تكفير عن خطيئة ارتكبها الأسياد بحقه أو بحق أنفسهم، فالعبد هو صك خلاص بالإمكان استخدامه لنيل الجنّة.

لغة الهامش

تنقل لنا بن شتوان عوالم الزرايب بكامل تفاصيلها، بلغة ترسم أمامنا ملامح المكان، لنشعر به نابضاً حياً، رغم كل ما يمر من مآس، محافظة أيضاً على لغة تلك العوالم، فالراوي واحد من أولئك العبيد، يتحدث لغتهم، هو متغلغل في عوالمهم، تراكيبهم وجملهم كلها تحضر، لتكوّن خطابا خاصاً متمايزاً عن ذاك المرتبط بالأسياد، إذ تدخل فيه أيضاً الخرافات والأساطير التي يؤمنون بها، تلك التي لا يقبلها العقل، والتي تنبع من التجهيل الممنهج الممارس عليهم، لإبقائهم في وضعية “الأدنى”

وهذه الخرافات ذاتها تمتد إلى المدينة أيضاً، لكنها تتغير لتحافظ على فوقيّة السيد، علماً أن أغلبها إما مرتبط باستخدام العبيد وإما مرتبط بمفاهيم الشرف والعفة. وضعية المرأة في تلك الفترة لا يمكن وصفها، فالإماء ملك يمين للأسياد، ويقتلن ويجهضن دون أي حرج، هنّ وسائل للذة. فالمرأة السوداء أمة، حتى لو ارتقى بها سيدها إلى مرتبة زوجة، هي تبقى أسيرة لونها وسلالتها وذريتها، ملعونة ومطاردة دوماً.

تكشف الرواية عن علاقات تتجاوز ثنائيّة العبد والسيد، لينشأ نوع من الحب أو الانجذاب الجنسي، إلا أن هذه العلاقات محكومة بالدمار، يفتتها التخلف الديني والاجتماعي، إلى جانب أنها محرّمة، وخصوصاً أن الجانب الديني الذي ترسمه الرواية في تلك الفترة مرتبط بأنظمة السيطرة والهيمنة باسم المقدس، والتي ما زالت آثارها الرجعيّة وبعض رواسبها حاضرة حتى الآن، كمفاهيم البكارة والعذرية، وترسيخ الاختلاف الطبقي عبر استخدام الحجج الدينيّة، فالمعركة التي يخوضها العبيد نحو التحرر في تلك الفترة لم ترتبط فقط باختلافات اللون أو التحرر من السادة، هي معركة أعمق ترتبط بأنظمة هيمنة وقمع متكاملة، تحتكر لنفسها تعريف الإنسان وماهيته، مُستغلة الدين والسياسة لتفرض نفوذها.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



جريدة الحياة


الإثنين، ٢٧ يونيو/ حزيران ٢٠١٦
جريدة الحياة
سارة ضاهر


الليبية نجوى بن شتوان تدخل «زرايب العبيد»


من الخاتمة، ومن الجيل الثاني تحديدًا، تبدأ رواية “زرايب العبيد” (دار الساقي) للروائية الليبية نجوى بن شتوان، الحائزة على جائزة الرواية العربية في «الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005». ويكتسي عنصر الزمن في النص السردي الروائي عمومًا، وفي هذه الرواية خصوصًا، مكانة مهمة نظرًا الى طابع الرواية الإنساني - الاجتماعي الذي يجعلها على تماس مع التجربة الإنسانية المتميزة بطابعها الزمني. وقد سمح تغيير مركز الزمن في الرواية، للمؤلفة بالتحرك بحرية في ميدان العالم المتصور في ظل الحقية العثمانية.

الرواية بسيطة في لعبة سردها، ينسجم القارئ معها، ربما لبساطة أحداثها، أو لبساطة بطلتها «عتيقة» وزوجها يوسف جوسيبي، وصديقهما «مفتاح»، وعمتيها «صبرية» و «عيده»، الذين يسكنون جميعهم في «زرايب العبيد». العبيد هم ذوو البشرة السوداء فيما الأحرار ذوو البشرة البيضاء. أناس ليس بعضهم مثل بعضهم في كل شيء. يتميزون في اللون والمأكل والملبس والمسكن والرزق وكل حظوظ الحياة. وإعجاب البطلة بنظافة ثيابهم ودورهم وصدقاتهم التي يمنحونها إياها، جعلها تقف نفسها للإعجاب والامتثال بهم واتباع سننهم في العيش. ولكن، «كان البياض بيننا وبينهم وليس السواد، هذا ما كنت أدركه من دون تفسير. بل هو أول حجر في المسافة». سؤال مر عليه زمن، وما من إجابة حتى اليوم: لمَ البيض هم السادة والسود الخدم؟ لمَ هم الأرفع درجة والسود الأدنى بدرجات؟

تطرح الرواية مسألة اجتماعية، ترتبط بالسود والبيض، والتمييز العنصري بينهما، تطرح مسألة التمييز بين حق الرجل والأنثى. وقد كانت عبارة «أريد إرثي» عندما تنطقها أنثى، توقد نيران حرب عائلية لا ينطفئ سعارها أبدًا. وتدور الرواية ايضاً حول مشقة الزمان التي تجعل المرء يقبل بما لا يمكنه القبول به، لأن ثمة حقائق، لكي نفهمها، لا بد أن يمر الوقت عليها وعلينا، ليس حتى تكبر مثلنا بل حتى نرتفع نحن الى مستواها.

في مجتمع حيث الخرافة ضرورية كالعقيدة، بل ملحة لتغطية ما لا يمكن الإفصاح عنه أو ما يضر الإفصاح عنه، ولازمة لستر الكثير من الحقائق الموجعة، لا تنقص الحياة قسوة حتى نضيف إليها، فالمجاعة والجفاف يفتكان بالبلاد ويدفعان الناس للهجرة أو الموت واللقطاء يملأون الشوارع، والشحاذون لكثرتهم أصبحوا يشكلون خطرًا على أصحاب المحال والباعة، فعينوا لمطاردتهم عبيدًا يضربونهم ويعنفونهم، وانتشر التجنيد الإجباري بأمر من الباب العالي، فهرب كثير من السكان بأولادهم إلى البادية، وكثر تقديم السادة لعبيدهم بدلاً من أولادهم لأداء الخدمة.

والظلم لا يوفر «تعويضة» التي عاشرها «محمد» ابن سيدها، فتدفع حياة طفلها ثمن لحم خروف نسيته على الطاولة فأكلته القطط، ليعاقبها صاحب البيت (جَد الرضيع) على فعلتها، فيحجزها معلقة ومقيدة في قبو، وبقربها وليدها ابن اليوم الواحد، مَرْمِي في صندوق صغير، يبكي ويبكي من شدة الجوع، وتبكي والدته مسترحمة سيدها، من دون أن تلقى منه رأفة. يموت الرضيع جوعًا في منزل والده. ويدعي أصحاب المنزل أن الجارية حملت من ابنهم المراهق وأنجبت ذكرًا، لكنه تشردق بحليبها وهي ترضعه فمات. طفل ابن جارية من شاب في مقتبل العمر، لن يبالي أحد بالسؤال عنه، كثيرون يدفنون أبناء الجواري وسريعًا ما تذهب المسألة للنسيان بمجرد مغادرة الجامع أو الجبانة، لاسيما إذا كان الأب الذي ضاجع الجارية مجرد غلام يتلمس طريقه إلى عالم الرجولة.

يدفن الطفل ويتم بيع «تعويضة» إلى «الفقي»، وهي مصدومة، مأخوذة بعالم آخر مليء بالسكون وعدم التآمر، ولا يوجد فيه سوى ملامح صندوق صغير لن يعود، وحبيب قد يأتي وقد لا يأتي. ذلك كله، قبل عودة محمد، الذي سعت عائلته إلى مسح الساحة قبل رجوعه.

ولكن، لا يمكن أن يكون ما حدث حقيقيا ومؤلمًا ومؤسفًا الى هذا الحد. عاد محمد، وكان تحت الهدوء عاصفة، وخلف الصمت كلام، ووراء عدم قدرته قدرة. ظل محمد يبحث عن محبوبته السوداء، أين تكون؟ وإلى أي مكان نفيت؟ ذهب وفتش عنها في أماكن الزنوج، ذهب وسأل عنها تجار الرقيق في المدينة... لم يجد محمد حبيبته. أين يمكن أن تكون ذهبت؟ ما من أحد يعرف أين مضى بها العبد المجهول، من أهداها لمن، مـن باعها لمن، من اشتراها ممن، لا أحد يكترث بعبد في هذه البلاد عدا تاجر أو عاشق.

عادا وتقابلا. لكن «محمد» كان قد هده مقتل رضيعه جائعًا في منزله، هو الذي لم يرزق ذكرًا من قبله ولا من بعده. وكانت «تعويضة» عانت ما عانته بعد تركها مدة عام كامل في بيت للدعارة. وظلت «تعويضة» تقترب وتبتعد، وظل محمد يتركها إلى مالطا ثم يعود إلى بنغازي لأجلها. ظلت تقهره بالغياب عنه، وبالذهاب إليه ورفض ما يعطيها إياه. وكانت «عتيقة» ابنة تلك اللحظات المتناقضة، المتداخلة بعضها ببعض، ما بين جنون أبيض وجنون أسود، يتصارعان في اتجاهين مختلفين، ما بين قلبين جمعهما الحب وفرقهما الناس في بنغازي، بنغازي «محمد» و «تعويضة»، و»عتيقة» بذرة الحب الأكيدة بينهما، ورافضة الإرث على رغم إثبات نسبها. بنغازي «مفتاح» التائه الصغير بين الدروب وعتبات المساجد، الممسك بطرف رداء من أنقذته من موت محتم «تعويضة». بنغازي «علي» ابن أخت «محمد» وراوي الحكاية، الحامي لوالدته وأخوات زوجته الصغار في منزله.

رواية تدرك جيداً معنى الحياة، معنى أنه لا يوجد إنسان حر، فقط يختلف المسجونون وتتباين السجون. قد يجد الإنسان سبيل نجاة موقتاً حتى تبرأ آلامه، لكن ذلك لا يضمن أن تتوقف الآلام عن طرق حياته.

عن موقع جريدة الحياة


“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)