رسائل فان غوخ بالعربية.. عالم مضطرب

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الخميس 24-08-2017
المدن - ثقافة
شريف الشافعي


رسائل فان غوخ بالعربية.. عالم مضطرب


JPEG - 73.3 كيلوبايت
رسائل فان غوخ، صفحة جديدة من صفحات قراءة مبدع استثنائي


قراءة الكتب كالنظر إلى اللوحات؛ دون شك، ودون تردد، وبثقة في النفس، يجب أن يرى المرء ما هو جميل جميلًا. أنا أرتب كتبي تدريجيًّا. أقرأ كثيرًا ومنهجيًّا لمحاولة مواكبة الأدب الحديث بقدر المستطاع". شذرة من رسائل فان غوخ (1853- 1890) تفصح عن علاقته الحميمة بالحروف، قارئًا نهمًا وأديبًا محترفًا جادًّا، ما حدا نقادًا هولنديين إلى اعتبار قيمة غوخ كأديب لا تقل عن قيمته كمصوّر طليعي.

شذرات من ذهب هي نثارات فان غوخ، ومن ثم فإن رسائله الكاملة “جواهر”، تأخر اكتشافها لأكثر من مائة وعشرين عامًا بعد رحيله في العام 1890، ليتأجل إعلان فان غوخ أديبًا بارزًا مثلما تأجل من قبل إعلان أهميته كرسّام فذ لسنوات ليست قليلة بعد انتهاء حياته المليئة بالاضطرابات المختومة بالانتحار.

“المخلص دومًا، فنسنت.. الجواهر من رسائل فان غوخ”، عمل موسوعي في مجلدين مدعومين بالرسوم والحواشي، يصدر قريبًا عن دار “الكتب خان” للنشر والتوزيع في القاهرة، متضمنًا 265 رسالة من أهم مكاتبات الفنان الهولندي الأشهر، وهي المرة الأولى التي تصدر فيها هذه الرسائل باللغة بالعربية، بترجمة وتحرير ياسر عبد اللطيف بالاشتراك مع محمد مجدي.

هذه المختارات من أرشيف فان غوخ كانت قد صدرت للمرة الأولى في العام 2012، بلغتها الأصلية، أما مجموعة رسائل غوخ الكاملة فهي ثمرة جهود أكثر من ربع قرن لفريق من المحررين والمختصين بأعماله في المتحف الذي يحمل اسمه ويضم إبداعاته في أمستردام، بالتعاون مع معهد كونستانتين هيجنز للنصوص والتاريخ الفكري التابع للأكاديمية الملكية الهولندية للآداب والعلوم، وقد صدرت النصوص الكاملة للرسائل، محققة باللغات الهولندية والفرنسية والإنكليزية في العام 2009، متضمنة 903 رسائل من مراسلاته منذ كان في التاسعة عشرة حتى رحيله.

ما عساه يقول، فنسنت فان غوخ، حين يكتب؟ من المؤكد أنه يرسم بالكلمات، كذلك هو يكتب أدبًا قائمًا بذاته، يتجاوز الطابع الاعترافي والشخصي للمكاتبات المرسلة إلى أخيه وأصدقاء مقربين، وهذا ما ضاعف أهمية رسائله، إذ تسجل أصداء سيرته الذاتية بتعبير إبداعي رفيع وتخييلات مجنحة، فضلًا عن تمثلها ملامح الواقع الاجتماعي والثقافي في بلاده، وأوروبا على وجه العموم، في أواخر القرن التاسع عشر.

إلى أخيه ثيو فان غوخ، كتب فنسنت من إنكلترا، وفق ترجمة ياسر عبد اللطيف، في 31 من مايو (آيار) 1876: “عزيزي ثيو، هل كتبت لك بالفعل عن العاصفة التي رأيتها مؤخرًا؟ كان البحر أصفر بالذات قريبًا من الشاطئ؛ وثمة مسحة من الضوء على الأفق، وفوق ذلك سحابة رمادية قاتمة وضخمة جدًّا، من خلالها يبدو المطر هاطلًا في شآبيب مائلة. كانت الريح تعصف بالغبار من الممر الأبيض الصغير على الصخور نحو البحر، وتضرب شجيرات الزعرور المزهرة الطالعة على الصخور”.



فان غوخ، أحد أعلام الفن التشكيلي الحديث وصانع الأكثر من ألفي لوحة زيتية ورسم، يقدم في رسالته تلك وجهه الفادح، طارحًا عالمه الأدبي غير بعيد الصلة عن فضائه التشكيلي، إذ يمضي قدمًا بالانطباعية وتسجيل المشاهدات العابرة بالكلمات إلى النضج في نقل مشهد كلي للطبيعة، في تناغمها وحركيتها، وربما تناقضاتها، فبمقدور سطور من رسالة بخطه أن تسع البحر والعواصف والضوء والأفق والسحب والمطر والصخور والشجيرات.

مثل هذه الرسائل، تحوي بدورها اضطرابًا جميلًا، كشأن لوحاته، بما يعكس الحياة المضطربة التي عاشها فان غوخ، متنقلًا بين قرى الريف الهولندي والبلجيكي والإنكليزي، ومدن أمستردام ولاهاي ولندن وانتويرب، و"كان كثيرًا ما يسافر بين هذه المدن والبلدات سيرًا مُسجِّلا انطباعاته ومشاهداته في رسائل مسهبة"، وفق المترجم.

وحين انتهى به المطاف في باريس، عاصمة النور وأم الفنون، كانت الحركة الانطباعية في أوجها. وهناك ولد فان غوخ من جديد، مع التحاقه بالرعيل الثاني لهذه الحركة الفنية الأبرز في تاريخ الفن الحديث، لكنه سرعان ما ضج من حياة المدينة الصاخبة، ولجأ مرة ثانية إلى الريف الفرنسي، قاضيًا أيامه الأخيرة.

حصة وفيرة من مكاتبات فان غوخ “جواهره”، جاءت إلى أخيه “ثيو”، الذي لم يكف عن مساندة فنسنت ودعمه نفسيًّا وماديًّا، خصوصًا حين سيطرت على فان غوخ في أوقات من عمره أشكال من الهوس والاضطرابات النفسية، فضلًا عن قضائه معظم الأوقات بلا مصدر للدخل سوى عطايا وهبات ثيو: “لم ينجح فنسنت خلال حياته في بيع سوى عدد قليل جدًّا من لوحاته، ما سبب له الإحباط الدائم وفاقم من مشاكله النفسية، ولولا مساندة شقيقة ثيو المتواصلة، على الرغم من مقاطعة باقي أفراد العائلة له، لما وصل لنا هذا التراث الفني الرائع”.

رسائل فان غوخ، إضافة إلى جمالياتها الأدبية، تعيد رسم صورته كمبدع استثنائي متعدد الطاقات، عانى كثيرًا من الويلات والعذابات من أجل تمرير فتوحاته الفنية. كما أن من دواعي أهمية تلك المكاتبات، أنها تفصّل سيرته الذاتية، وتوضح كيف نشأت أعماله البارزة، وكيف تطوّرت أفكاره حول الحياة والفن والأدب وأمور ذات صلة. وأغلب رسائل فنسنت إلى دائرة من المقربين، هم: شقيقه وشقيقتاه ووالداه وقلة من أصدقائه، منهم أنطون فان رابارد، وبول غوغان.

شأنها شأن الأدب الاعترافي، لا تخلو رسائل فان غوخ من تفاصيل ذاتية ثرية، تضيء جوانب جديدة من حياته، وتسبر أغوار شخصيته: “نظرت من نافذة غرفتي نحو أسقف البيوت التي تُرى من هناك وقمم أشجار الدردار المظلمة على سماء الليل. فوق تلك الأسقف، كانت ثمة نجمة وحيدة، لكنها جميلة وكبيرة وودودة. فكرت فينا جميعًا، وفكرت في سنوات حياتي التي مضت بالفعل، وفي بيتنا، وخطر في نفسي الشعور والكلمات: احفظني من أن أكون ابنًا يجلب العار، وباركني، لا لأني أستحق، ولكن لأجل خاطر أمي، أنت الحب وقادر على كلّ شيء وبدون مباركتك المتواصلة نحن عاجزون عن فعل أي شيء” (من رسالته إلى أخيه ثيو في مايو 1876).

وفي يونيو من العام ذاته، يكتب فان غوخ إلى ثيو، مستحضرًا أجواء مدينة الضباب لندن، حيث الطقس دائمًا رمادي. وفي الزحام، تبدو مساحات أوسع من معاناة فنسنت وتمزقه وشتاته، إذ يزيد إحساسه بالوحشة والوحدة، واحتياجه إلى الألفة والرحمة: “واصلت المسير نحو المدينة على الطرق الطويلة الطويلة. بقيت في لندن يومين، كنت غالبًا أقطع المدينة من طرفها إلى الطرف الآخر لرؤية أشخاص متعددين، من بينهم أحد القساوسة كنت قد كتبت له رسالة. مرفق ترجمة لها، أرسلها لك لأنك لا بد أن تعرف أن الشعور الذي يسيطر عليّ إذ أبدأ في الخارج هو: أيها الأب إني لست بمستحق! وأيها الأب كن رحيمًا بي!”.

على النقيض، تظل روح فنسنت تحن إلى الريف، حيث يجد ضالته فيه، حتى وهو خارج بلاده، ففي إبريل من العام 1879، يكتب فان غوخ لأخيه من بلجيكا: “عزيزي ثيو، هنا أيضًا الريف ساحر في الربيع؛ ثمة أماكن هنا وهناك، حيث بإمكان المرء أن يتخيل نفسه في منطقة التلال بسبب المرتفعات. ذهبت في رحلة مثيرة جدًّا منذ فترة قصيرة؛ إذ قضيت ست ساعات في أحد المناجم”.

فان غوخ، صاحب “الجواهر” في رسائله المكتشفة حديثًا، لديه القدرة دائمًا على فلسفة كل شيء، للخروج من العادي في المشاهد والعلاقات إلى الاستثنائي، لاسيما إذا كان الفنان الرائي غائصًا في منجم: “ثمة عمال آخرون مشغولون بترميم الأنفاق العتيقة ليمنعوها من الانهيار، أو هم يحفرون أنفاقًا جديدة في عروق الفحم. كالبحارة على اليابسة يشتاقون إلى البحر، على الرغم من كل المخاطر والصعوبات التي تحيق بهم، هكذا يفضل عامل المنجم أن يكون تحت الأرض عن فوقها”.

أما بلاده، هولندا، فمنها أرسل أيضًا فان غوخ عددًا من رسائله الكاشفة، كتلك التي يخاطب فيها أخاه في ديسمبر (كانون الأول) من العام 1881، مفصحًا عن “لا- دينيته”، بكل ما تعنيه من جرأة ومخاطر ومتاعب انتهت بمقاطعة أهله له: “عزيزي ثيو، دخلت في مناقشة حادة مع أبي في عيد الميلاد، واحتدت مشاعرنا جدًّا فقال أبي إنه قد يكون من الأفضل أن أغادر البيت. حسنًا، لقد قيلت بحزم حتى أنني غادرت في اليوم نفسه. وقد بلغت الأمور هذا الحد لأنني لم أذهب إلى الكنيسة، كنت غاضبًا كما لم أكن أبدًا طوال حياتي، وقد قلت لأبي بوضوح إنني أجد أن ذلك الدين بكامل نظامه أمر كريه”.

رسائل فان غوخ، صفحة جديدة من صفحات قراءة مبدع استثنائي، العلاقة بينه وبين جمهوره موصولة إلى يومنا هذا، على الرغم من اعترافه الصادم في إحدى مكاتباته “العلاقة بيني وبين أبي وأمي لن تستقيم على المدى القريب، فببساطة شديدة الفرق بين عقلياتنا ونظراتنا للحياة هائل جدًّا”.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)