رحيل أيقونة الزجل اللبناني زغلول الدامور 1925 - 2018

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الأحد 28-01-2018
المدن - ثقافة
محمد حجيري


زغلول الدامور... أيقونة اللقب والزجل


JPEG - 30.2 كيلوبايت
وكان صوت زعلول الدامور جميلا إلى درجة أنهم يتساءلون لماذا لا يغني


من يراقب تغطية وسائل الاعلام نبأ رحيل الشاعر زغلول الدامور(93)، يلاحظ ان اسمه كان “ايقونة” في عالم الزجل، وهو رغم الاطلالات القليلة في السنوات الأخيرة، ظل اسمه محفوراً في ذاكرتنا حتى وان كنا لا نحب الزجل، ولكن اذا ما اردنا أن نقرأ شيئاً عن مسيرته وحتى عن مسيرة أقرانه، لا نجد في جعبتنا الكثير، نطالع مقالات لرشيد نخلة ومارون عبود عن تاريخ الزجل وأصله وفصله، لكن مقاربة تجربة زغلول الدامور ولغته وناسه تبدو ضحلة في الدراسات والمقالات، وحتى في المقابلات الصحافية نجد أن التركيز على “سبب لقبه”، و"كيف بدأ"، وهل تذكر الحفلة الفلانية؟ اسئلة مكررة ومستنفدة ومألوفة ومحكومة بالرتابة، كأن الزجل وجد ليبقى نوعاً من الشعر الشفهي والمنبري فحسب، ولا ضرورة لتفكيك بنيانه.

يلخص زغلول الدامور تجربته بأنه نشأ على موهبة الزجل في الثامنة أو التاسعة، كان تلميذاً في مدرسة جديدة المتن، ينتظر فرصة الساعة العاشرة لكي يخرج إلى الملعب، حيث كان يجلس تحت شجرة وارفة حاملاً ورقة وقلماً ويكتب الشعر، وكانت هذه من متع طفولته الأساسية. وزغلول الدامور في الأصل من منطقة الدامور، ولكنه ولد في البوشرية وحين بدأ بقول الزجل صاروا يقولون هذا الصبي مزغلل، يعني زغير، وترسّخ لقب “زغلول الدامور” وحلّ محل الاسم الأصلي.. ما عاد أحد يناديه جوزيف (الهاشم) حتى أهله وأولاده وجمهور ينادونه “زغلول” (اللافت ان معظم تسميات جوقات الزجل تنسب إلى طيور مغردة (كنار، زغلول، شحرور، بلبل، كروان)، وثانيا ينسب إلى منطقته، (شحرور الوادي وزغلول الدامور وهناك القاب كثيرة في هذا المجال).



وزغلول الدامور الذي نشأ في زمن كان الزجل شائعاً وله جمهوره العريض وعشاقه، لم يخف أنه صاحب موهبة في النظم وصُقلت موهبته من خلال دعم الانسباء وتشجيعهم، فجدته لوالده، كانت شاعرة (أمية) اسمها نمنم سميا الهاشم، وحين بدأ زغلول الدامور بالكتابة كانت هي أستاذته وشجّعته على النظم. كانت وعلى الرغم من أميتها، اي لا تجيد القراءة، لكنها تجيد النظم والغناء، وتميّز بين البحور والأوزان.. وهي التي شهدت لحظة ولادته كزجّال. كان ذلك عام 1936 خلال عطلة الصيف التي اعتادت الأسرة قضاءها في بلدة ضهر المغارة (الشوف - جبل لبنان). يومها، اصطحبت الزغلول معها في زيارة لبلدة الدبية المجاورة. هناك، علما مصادفةً بالأمسية الزجلية التي سيحييها الشاعران رشيد ضاهر ورامز البستاني. ألحّ على جدته ليبقيا. خلال الأمسية، عجزت “ردّية” رامز البستاني عن التصدي لرشيد ضاهر. يقول زغلول الدامور “انسحبت من بين الحــضور وقلت لرامز البستاني أنني مستعد للغناء بدلا منهم فأعطاني الدربكة وجلست بين الرديدة وغنيت ردة تقول:”رامز أمير الشعر نحنا منعرفو
ويا رشيد تا تصير زكي بدك رشيد"
فانزعج رشيد ضاهر من تهجمي عليه فقد كان شاعرا كبيرا وكنت وقتذاك في الحادية عشرة فرد قائلا:
“اللي بيمشي حد العمشق
كيف ما مال بيتعمشق
سآل الأرنب عن حالو
بيقلك شب مدمشق”
فأجبته بردة ظن أن رامز هو من لقنني إياها:
“الشعار باسمي تغنو
وبروعة شعري تكنو
وأرنب اللي بفكرك منو
من شجرة عمرك مرشق”
وكانت جدتي تقول لي: “سكوت ولا” وتدعوني إلى العودة إلى مكاني بجانبها لكنني لم أتوقف إلى ان انتهت الحفلة فطلب مني رامز البستاني مرافقته في عدد من الحفلات فبقيت ثلاثة أيام معه في الدبية وقال لي: “إذا بتكفي هيك رح بتصير شاعر مهم”.. لقد شجعني كثيرا ووقف بجانبي وحين بلغت الثامنة عشرة وأصبحت شاعرا معروفا صرت أدعوه إلى حفلاتي فيلبي الدعوة وحين ذهبت إلى الكويت إستقبلني بحفاوة وفي تلك الفترة كنت قد تفرغت كليا للزجل".



علّم زغلول الدامور لثلاث سنوات في مدرسة البوشرية وصار الناس يدعونه لإحياء الحفلات والأعراس والمآتم... وفي العام 1944 ألّف جوقة “زغلول الدامور” وترك التعليم وانصرف كلياً للزجل، ومرّ على الفرقة عشرات الشعراء، كانت لها مشاركات بارزة في المباريات المنبرية، إذ خاضت مباراة المشرف أيلول 1970 التي سجلت أكبر حضور حاشد لمستمعي الزجل ومن ثم مباراة القلعة – بيت مري تموز1971، وبعدها مهرجانات المدينة الرياضية حزيران 1972، والكثير الكثير كما شاركت في مهرجانين من مهرجانات جرش. ومع الحرب الاهلية (1975 - 1990) تبدلت أحوال الزجل.

يروي الشاعر أسعد سعيد في كتابه “الزجل في أصله وفصله” (الدار الجامعية) ان “الزجل اللبناني ابن الضيعة وبدأ من مناسبات الضيعة، قبل الاحتراف تعرف الى بيروت في بيروت الوجهاء، وليس من المستبعد أن يكون أصحاب هذه البيوت من ضيعٍ تعرف هذا اللون الزجلي، في الأربعينات دخل الزجل الى الإذاعة، وفي الستينات كان له الصدارة في برامج التلفزيون(...) وقد واجهت الشعراء مشكلة، لأن جمهور التلفزيون غير جمهور الحفلات، لأن في الحفل يأتي الناس ليحضروا الشاعر، بينما في التلفزيون يذهب الشاعر الى بيوت الناس”.

وتأثر الزجل بالتحولات الاعلامية، والجيل الجديد من الزجالين “خسعين” بحسب زغلول الدامور، ولم يعد للزجل نجومه كما في زمن شحرور الوادي وخليل روكز وزغلول الدامور وزين شعيب...



زغلول الدامور كان مجدداً في الزجل حقّق نقلة نوعية وغيّر مع زين شعيب إيقاع المنبر، إذ كان بيت الشعر الزجليّ يُغنّى في سطرين، ليصبح معهما في أربعة أسطر. معاً، نظّم هذان الشاعران كيفية الغناء من الافتتاحيّة التي يستلمها رئيس الجوقة وحتى الختام. يقول زغلول الدامور “كنا أفضل ثنائي، من دون زين كأنه قص جانح من جانحي”. يضيف في حوار مع جريدة “المستقبل”: “لغوياً كان الزجل لا يزال فصيحاً نوعاً ما وكنت تجد كلمات مثل ماذا ولماذا وحتى وما إلى ذلك.. لكن صرنا نقول الزجل شعبياً مئة بالمئة.. هكذا حصل فرق كبير عند الشعب وصار يقبل أكثر على الزجل، خاصة وأن الشعب نفسه تغيّر وصار يريد التغيير”، وفي موضوع الكحول يقول “التجلّي لا يكون في الشرب.. من يشرب يكن تعيساً لأن الكحول تقتل الموهبة”.. وهو يثني على أهمية الصوت في ترديد الزجل حتى إن الروائي حسن داوود في كتابه “فيزيك” يقول “وكان صوت زغلول الدامور جميلا إلى درجة أنهم يتساءلون دائماً، وهم على البلكون، لماذا لا يغني أغنيات فيصير واحداً من المطربين”.

صدر لزغلول الدامور “خمسون سنة مع الشعر الزجلي” (1995)، و"عمر وسفر" (2005)، و"بين القلوب" (1948) و"المرج الأخضر" (1952) مع صديقه وزميله زين شعيب. وواكب الزغلول الحركة الزجلية منذ عام 1958، تاريخ تأسيسه وزميله زين شعيب المجلة الزجلية “المسرح”، ولم تتوقّف عن الصدور إلا في منتصف الثمانينيات.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة

حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.



جريدة الأخبار اللبنانية


العدد ٣٣٨٢ الاثنين ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٨
جريدة الأخبار
صفحة أخيرة


رحل زغلول الدامور... الزجل اللبناني «انقصّ جناحه»‎



صحيح أنّ «زغلول الدامور» (جوزيف الهاشم، مواليد البوشرية/ قضاء المتن - 1925 ـــ 2018) انطفأ أول من أمس في «مستشفى هارون» في الزلقا. لكنّ ردّياته و«مبارزاته» التلفزيونية بصوته القوي، وجدت طريقها إلى الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي. هنا على فايسبوك، يقع المتصفح على صفحة خاصة تُعنى بتوثيق أعمال أحد أبرز عمالقة الزجل اللبناني ممن «أوصلوا الزجل إلى غير عشّاقه» على حد تعبير الباحث والأكاديمي الياس خليل.

يعتبر «زغلول الدامور» أحد مؤسسي الجيل الثاني من شعراء الزجل في لبنان بعد شحرور الوادي ورشيد نخلة. والأهم أنّه كرّس هذا الفن الشعبي في المسرح والتلفزيون. فهو أول من غنى الزجل على التلفزيون منذ منتصف الستينات حتى أواخر السبعينات. ألف جوقته الأولى عام 1944 التي خرجت من عباءتها أسماء لامعة (خليل روكز، زين شعيب، جان رعد، أسعد سعيد، جوزيف الخويري، فرحان العريضي، طانيوس الحاج، موسى زغيب، كميل زيادة، إنطوان باسيل، كميل شلهوب، طليع حمدان، ادوار حرب، إلياس خليل، أديب محاسب، فايز المغربي، سمير عبدالنور...) وغنى في كل قرية ومدينة في لبنان، وقام بأكثر من 120 رحلة إلى بلاد الاغتراب، ففاقت شهرته جميع الشعراء، حتى لقب بسندباد الزجل اللبناني.

عن جدته التي لا تفك الحرف، لكنها تتقن النظم والغناء، ورث جوزيف الهاشم موهبة الشعر التي تجلّت عنده منذ التاسعة من عمره حين كان لا يزال تلميذاً في مدرسة جديدة المتن الكبرى التي كان يديرها الخوري الشاعر يوسف عون. حتى بات رفاقه يقولون: «هيدا الصبي ابن الداموري مزغلل، وعم يكتب شعر». ومن يومها لقِّب «زغلول الدامور» (أصله من الدامور). سيترك لاحقاً المدرسة ويتفرّغ لهذا الفنّ، وقد اعتبر لاحقاً أنّه طوّره مع جيله، فـ «الجيل الأول كان ينظم الردّية بسطرين، ونحن طورناها لتصبح 12 سطراً» (الأخبار 29/8/2011). لعلّ البعض يتذكر حفلة «التحدي الكبير» بين الزغلول وموسى زغيب (جوقة خليل روكز) في بيت مري عام 1971، أو مهرجان «عكاز الزجل في المدينة الرياضية» عام 1972. شارك أيضاً مرتين في «مهرجانات جرش» التي استضافت الزجل اللبناني للمرة الأولى عام 1978. واكب الزغلول ازدهار الحركة الزجلية منذ 1958. في هذا العام، أسّس مع صديقه ورفيق دربه زين شعيب المجلة الزجلية «المسرح» التي شهدت نجاحاً كبيراً، قبل أن تتوقّف عن الصدور في منتصف الثمانينات. كذلك أصدر العديد من الكتب أبرزها «خمسون سنة مع الشعر الزجلي» (1995)، و«عمر وسفر» (2005)، و«بين القلوب» (1948) و«المرج الأخضر» (1952) مع زين شعيب. حين رحل الأخير عام 2005، رثاه زغلول الدامور قائلاً «آخ يا بوعلي، اليوم انقص جناحي»، إذ اعتُبر الاثنان قطبي المسرح الزجلي اللبناني. لغاية رحيله، ظلّ الزجل عشق «زغلول الدامور» الذي اعتزل المنابر منذ عام 2010، لكنّه واظب على نظم الرديات في منزله الهادئ في بلونة.





عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية

المقال بالـ pdf


حقوق النشر
مقالات «الأخبار» متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ٢٠١٠
(يتوجب نسب المقال الى «الأخبار» ‪-‬ يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية ‪-‬ يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص)
لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا



جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة التاسعة والعشرون العدد 9082 الخميس 1 شباط (فبراير) 2018 - 15 جمادى الأولى 1439 هـ
حسن داوود - روائي لبناني


زغلول الدامور عملاق الزجل اللبناني وسندباده


كانت منازلة تاريخية تلك التي جرت بين جوقة زغلول الدامور وجوقة موسى زغيب. آنذاك قيل إن 16 ألف شخص قدموا إلى بيت مري من أنحاء لبنان، ليكونوا شهودا على مجرياتها. ذاك الرقم كانت تنقصه الدقّة في حينه، إذ جرى احتسابه تقديريا من قبل الحاضرين أنفسهم، لكنه في أيّ حال يدلّ على احتشاد ضخم للناس في حفلة زجلية. وهذا ما حوّل تلك المنازلة إلى يوم مشهود في تاريخ هذا الفن، حيث ما زالت تستمر أعداد من حضروا فيها بالتصاعد مع مرور الزمن لتصل، كما تردّد في نشرات الأخبار التلفزيونية في هذين اليومين الأخيرين، إلى ثلاثين ألفا.

وقد جرى التوافق بين من استقبلتهم الأقنية التلفزيونية، على أن تلك المنازلة كانت الأضخم في تاريخ الزجل اللبناني. صحيح أن هذا التاريخ يحفظ أسماء كبيرة سبق وجودها أولئك الثمانية الذين تنازلوا، أو تواجهوا في تلك الأمسية التي جرت في سنة 1971، إلا أن الاحتفال الزجلي لم يكن قد تأسّس بعد. قبل أن تتأسس الجوقات، في أربعينيات القرن الماضي ربما، كان الناس يجلسون قعودا على الأرض فيما هم يستمعون إلى الشاعر الزجلي، حسب ما وصف زغلول الدامور في مقابلة نادرة كانت أجريت معه. الاستماع قعودا، أو إقعاءً، يدل على ضآلة أعداد المستمعين آنذاك، كما يشير إلى اقتصار الحضور على أبناء قرية واحدة كان الشاعر (وجمعه، بلغة الزجل، «شُعّار» وليس «شعراء» كما في التداول الفصيح) قد حلّ بها في أثناء طوافه بين القرى.

ومن أبواب ذاك التأسيس، أو المأسسة كما يقال في اللغة الأكثر ابتعادا عن القاموس الزجلي، أن صارت للزجل موضوعاته المتضادة، مثل الليل أو النهار، الكذب أو الصدق، الشقراء أو السمراء، إلخ، يتولّى كل من الزجالين المتنافسين المنافحة عن أحدها. كما من أبوابه أيضا ما كان ذكره زغلول الدامور في تلك المقابلة من أن الشعر الزجلي صار يقال بلهجة لبنانية خالصة حيث، في السابق :كانت تداخله كلمات مثل، ليت وهكذا وأين، إلخ.

في سنة 1944 شكّل زغلول الدامور جوقته التي ارتفع معها شأن الزجل عامة لأسباب عدة بينه،ا برنامجها التلفزيوني الأسبوعي. كان شعّار الجوقة التلفزيونيين الأربعة قد أصبحوا وجوها معروفة، بل مشهورة لدى اللبنانيين جميعهم في بدايات عقد الستينيات من القرن الماضي. وهم ظلّوا كذلك حتى رحيل آخرهم، وهو رئيس جوقتهم زغلول الدامور، مساء يوم السبت الفائت. أي أن «الأبطال» الأربعة، وأشهرهم الثنائي زغلول الدامور وزين شعيب، ظلا نجمين، حتى بعد انقضاء ما يقرب من أربعين عاما على توقّفهما عن الظهور.

هم أبطال، وهذه واحدة من صفاتهم التي تردّدت على ألسنة من استضافتهم التلفزيونات لتأبين «الزغلول». لم يكن الزجالون في حاجة إلى من يطلق عليهم الألقاب أو الصفات، فهم كانوا قد بادروا إلى ذلك بأنفسهم. في المنازلات كان الواحد منهم يقول عن نفسه أنه بطل، وأنه قوي وأنه فاتن وملهم الشعراء، وعملاق إزاء الأقزام الشعراء، إلخ. ولم يكن ذلك يبقى في نطاق الكلام الزجلي إذ يُظهره قائله كما لو أنه يعدّد صفاته كشخص. «آه يا أبو علي» كانت تردّ جوقة الحاضرين منتصرة لبطولة زين شعيب الرجل وليس فقط لشعره. وكذلك كانت تردّد المجموعات الساهرة أمام التلفزيونات في البيوت. وأغلب هؤلاء هم أهل القرى الذين كانوا قد نزلوا إلى بيروت مصرّين على الاحتفاظ بثقافة قراهم. كما كان هؤلاء يؤثرون ألا يشاهدوا حفلة الزجل منفردين، فيدعون بعضهم بعضا إلى الاجتماع أمام شاشة تلفزيونية واحدة.

هي منازلة إذن، بالشعر. في منازلة عام 1971 المذكور عنها أعلاه، كان زغلول الدامور، رئيس جوقته، في مقابل موسى زغيب رئيس الفرقة المقابلة. كان أحدهما يحتاج إلى الآخر، قال أحد من استضافتهم قناة تلفزيونية، من أجل أن ينازله أو أن يتحدّاه على الأقل. هي مبارزة بالكلام، أو بتأليف الكلام، على نحو ما هي المبارزات الرياضية. أما في فرقته فكان الزغلول، واسمه الحقيقي جوزيف الهاشم، فكان شاعر الاعتدال والحكمة فيما منافسه، زين شعيب، شاعر المغالاة والمراجل.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي أوقف التلفزيون برنامجه الزجلي الأسبوعي. لكن الزجل لم يغب، أو الأحرى أنه سعى إلى إبقاء حضوره عن طريق المنازلات التي كان منها، مثلا، تلك التي أقيمت ضمن مهرجانات بيت الدين. أذكر أن الحرب ومسائلها كانت قد تسرّبت إلى ما قاله شعراؤها، وإن بطريقة لطّفها فنُّهم. بعد ذلك، مع شعراء آخرين، ازدادت الحرب حضورا داعية الشعّار إلى رفع ألوية طوائفهم. بعد ذلك لزم هؤلاء منازلهم. وإذ عادوا في السنوات الأخيرة إلى الظهور على شاشات تلفزيونية، فذلك من قبيل الاحتفاء بماضي القرى اللبنانية. لكن الزجل قائم في ذاكرة اللبنانيين أكثر مما هو حاضر في عيشهم. رحيل زغلول الدامور أظهر أن الحنين ما يزال قويا إلى ذاك الزمن، رغم سرعة توالي التغيّرات وتراكمها بعضها فوق بعض. ما زال صوت الزغلول الجميل، بل الأكثر جمالا بين رجال هذا الفن، يثير الشوق إلى ما راح يسمّيه متذكرو الزغلول «الزمن الجميل». وها هم، احتفالا به، يطلقون عليه صفاتٍ وألقابا جديدة جعلوا بعضها عناوين لمداخلات ومقالات نشرت في الصحف والتلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي: كبير شعراء الزجل اللبناني، سندباد الزجل، أيقونة الزجل، الأسطورة، عميد الزجل اللبناني، ملك الزجل اللبناني…

عن موقع جريدة القدس العربي

عدد المقال بالـ pdf في جريدة القدس العربي


عن صحيفة القدس العربي

القدس العربي”، صحيفة عربية يومية مستقلة، تأسست في لندن في نيسان/أبريل 1989. تطبع في الوقت نفسه في لندن ونيويورك وفرانكفورت، وتوزع في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وأمريكا. يتابع موقع الصحيفة يوميا على الانترنت مئات الآلاف من أنحاء العالم كافة.
اكتسبت الصحيفة سمعة عربية ودولية طيبة، بسبب نشرها للاخبار الدقيقة ولتغطيتها الموضوعية للأحداث، والتحليل العميق للقضايا العربية والعالمية، معتمدة في ذلك على مجموعة من المراسلين والكتاب المميزين.

تواصل الصحيفة تطورها خلال الاشهر القليلة الماضية، حيث انضم الى طاقمها مجموعة جديدة من المحررين والمراسلين الاكفاء والكتاب المرموقين. وتحرص الصحيفة على التواصل مع قرائها، ونشر تعليقاتهم وآرائهم على صفحات نسختها الورقية وعلى موقعها الألكتروني و”فيسبوك” و”تويتر”.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)