حوار مع هنري لورانس حول ثورات الربيع العربي وآفاقها

, بقلم محمد بكري


جريدة الحياة


الثلاثاء، ٢٨ مارس/ آذار ٢٠١٧
جريدة الحياة
إيهاب محمود الحضري


هنري لورانس : ثورات الربيع العربي فتحت آفاقاً جديدة


هنري لورانس، أستاذ التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس، وهو الموقع الذي سبقه إليه باحثون كبار منهم جاك بيرك. وضع لورانس ما يزيد على عشرين كتاباً في المسائل المتعلقة بالعالم العربي ومشكلاته الممتدة عبر سنوات طويلة. كان على لورانس أن يقضي عشرين عاماً متنقلاً بين الكتب والوثائق، مستفيداً بتعلمه اللغة العربية في ذلك الشأن، لإنجاز كتابه الضخم «مسألة فلسطين» الذي صدر في عشرة أجزاء وترجمه بشير السباعي، للمركز القومي المصري للترجمة، الذي نظم لهذه المناسبة حفلة توقيع ومناقشة حضرها لورانس، والسباعي. وخلال الحفلة تم إطلاق النسخة العربية للجزء الثاني من المجلد الخامس لموسوعة «مسألة فلسطين»؛ وعنوانه: «مسألة فلسطين المجلد الخامس: 1982 - 2001، السلام المستحيل»، وكان قد صدر باللغة الفرنسية عن دار «فايار» في العام 2015. وبذلك اكتملت الترجمة العربية لتلك الموسوعة في عشرة كتب بمعدل كتابين لكل مجلد من مجلداتها الخمسة، بواسطة بشير السباعي. هنري لورانس (1954) حاصل على دكتوراه الدولة وإجازة بتدريس التاريخ، وهو من كبار متخصصي الشرق الأوسط. أستاذ حائز على مقعد تاريخ العالم العربي المعاصر في الأكاديمية الفرنسية (كولاج دو فرانس) والمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية INALCO كما شغل مناصب عدة منها مدير مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط المعاصر في بيروتCERMOC ومدير علمي في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى IFPO بالإضافة إلى كونه عضواً في المجلس العلمي والمجلس الإداري بالمعهد الفرنسي للدراسات الشرقية بالقاهرة من 1992 وحتى 1995. حصل عام 2004 على جائزة جوزيف دو تيل من أكاديمية العلوم الأخلاقية والإنسانية وجائزة الصداقة الفرنسية - العربية من مؤسسة التضامن الفرنسية - العربية. هنا حوار معه:

> هل يمكن اعتبار المسألة الفلسطينية هي الهم العربي الأكبر للدرجة التي تدفعك إلى قضاء عشرين عاماً لإنجاز كتاب يتعلق بالتأريخ لها؟

- يجب أن نفرق أولاً بين تاريخ فلسطين وتاريخ مسألة فلسطين، والثاني هو مجال البحث الذي قمت به. أنا هنا لا أكتب تاريخاً لفلسطين، وإنما أتتبع الأزمة منذ بدايتها، مروراً بمراحل تفاقمها عبر سنوات طويلة، وصلت إلى قرنين من الزمان تقريباً. بالنسبة إلى سؤالك، أظن أن على المدى الطويل ستكون المسألة الفلسطينية هي أهم ما يجب أن يشغل العرب، فهي مشكلتهم الكبرى، كما أرى. الآن لدينا مسألة سورية والعراق قد أخذت حيزاً أكبر من الاهتمام العربي العام، ويمكننا أن نتخيل حلولاً لهذه الأزمة أو تلك، ولكن لا نرى حلولاً تبدو في الأفق السياسي في ما يخص مسألة فلسطين. لقد وجدت في المسألة الفلسطينية نموذجاً للعبة الحكومات والصراعات السياسية التي تدور في الخفاء بين الإمبراطوريات المتعاقبة، التي لا يجمع بينها سوى المصلحة المشتركة. هنا يمكن الحديث عن الولايات المتحدة والحركة الصهيونية ومراحل الصراع العربي- الإسرائيلي الذي تطور بعد عام 1982 ليصبح صراعاً فلسطينياً - إسرائيلياً، في إشارة بالغة الوضوح إلى تغير كبير في تناول المسألة الفلسطينية من جانب الأنظمة العربية. المسألة الفلسطينية باتت تعبر عن العرب كلهم، في مصر مثلاً باتت تشكل جانباً كبيراً من الاهتمام الشعبي، كما صار لزاماً على النظام السياسي أن يتخذ خطوات تبدو إيجابية للتوصل إلى حلول للأزمة.

> تجمع في أعمالك بين الوصف التوثيقي للحوادث والتحليل الذي عادة ما يأتي ضمن هذا الوصف، ولكن ما المنهج الذي اعتمدته في تأليف هذا الكتاب؟

- أنا لا أتبع أي مدرسة تاريخية، بل أضع لنفسي أصولاً بحثية تخصني وحدي. تاريخ العالم العربي يحتاج إلى منهج خاص جداً، لا يجمع معه ولا يضيف إليه مناطق أخرى حول العالم، إذ تبقى له خصوصيته. عموماً، أنا اتبعتُ منهجاً يقوم على جمع الشذرات المتفرقة ومحاولة النظر إليها من خارج الصورة في مجال وجودها ضمن إطار عام يجمع بينها، ويفضي في النهاية إلى تصور قائم بذاته، وقد وضعت هذا التصور واعتمدته مع صديقي سمير قصير الذي اغتيل في بيروت كما تعلم.

> كيف ترى المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية على مدار تاريخها الطويل؟

- في البداية لم تكن إسرائيل تريد لفلسطين تمثيلاً حقيقياً في المفاوضات، بخاصة حزب الليكود الذي يمثل اليمين الإسرائيلي، حيث لم يكن يريد التفاوض المباشر مع الجانب الفلسطيني، بل كان يحبذ التفاوض من طريق وسيط. جاءت بعد ذلك حرب العراق الأولى وترتب عليها عزل منظمة التحرير الفلسطينية لفترة ثم عادت المنظمة لتمارس من جديد محاولات التفاوض من أجل السلام، وهو ما أوصلنا إلى مؤتمر مدريد، حيث جاء الوفد الفلسطيني الذي كان يقع تحت سيطرة منظمة التحرير، وسبب ذلك هو رغبة ياسر عرفات في ألا تنشأ أية قوة فلسطينية مستقلة عنه، عرفات الذي انتهى إلى الجلوس على طاولة جديدة للمفاوضات وهو ما حدث من خلال مفاوضات أوسلو التي لم تكن جيدة بالنسبة إلى فلسطين، غير أنها أفادت ياسر عرفات، وأمدته بالإمكانات المالية والمساعدات اللازمة التي كان قد فقدها لفترة. خطأ أوسلو تمثل في قيام المفاوضين بإرجاء التعرض للمشكلات الأساسية حتى انتهاء المفاوضات، مثل مشكلة اللاجئين وعودة الأراضي، وكان كل طرف يصر على التشبث بكل ما له من فرص من دون الالتفات إلى مصلحة الطرف الآخر. كانت المفاوضات معقدة جداً، وانتهت إلى خيبات كبيرة وكثيرة.

> وما تقييمك للمفاوضات المبكرة المتعلقة بالمسألة الفلسطينية؟

- كانت لياسر عرفات سياسة خاصة وفلسفة مستقلة في إدارة الأمور في فلسطين، فقد كان يرفض فكرة الحرب الأهلية بين الفلسطينيين، ولم تكن لديه الإمكانات لمنعها. بالتالي اتجه إلى آليات أخرى كالإفساد والمحاباة، لتوطيد موقعه في الحكم. خلال زياراتي لفلسطين في تلك الأوقات، كنت أسمع من الناس من يقول أن عرفات فاسد لا مُفسِد، في إشارة إلى انتشار الفساد ونظر الناس إليه كأمر عادي في تلك الفترة. في وقت من الأوقات، وصل ياسر عرفات إلى مكانة دولية، بحيث لم يكن مسموحاً وقتها أن يختفي وينتهي دوره مطلقاً.

> لعب اليمين الديني دوراً كبيراً في المسألة الفلسطينية، على جانب المفاوضات مع الإسرائيليين، وعلى جانب الصراع المسلح، فيما غاب اليسار عن المشهد في شكل كبير... ما السبب في ذلك؟

- قد يمتلك تيار سياسي معين، أفضل الأفكار التي باستطاعتها تغيير المشهد في شكل جذري، ولكن يفتقر إلى الوسائل والآليات التي تعينه على تحقيق الفكرة ووضعها موضع التنفيذ، والحديث هنا عن المال، الذي يلعب الدور الأكبر، ونحن نرى أن الأطراف الفاعلة دائماً ما يكون لديها داعم خارجي يمدها بالتمويل اللازم وبوفرة، وهكذا كانت لياسر عرفات مثلاً قدرة كبيرة على التحكم والسيطرة من خلال الأموال التي تدفقت إليه من الخليج وغيره من مصادر التمويل، الذي اضطر اليسار الفلسطيني إلى التفاوض مع سورية مثلاً للحصول عليه. اليسار الفلسطيني كان معادياً للإمبريالية كذلك، وشكلت أزمة التمويل مأزقاً له.

> كيف ترى الواقع الثقافي العربي؟

- لا يمكن أن نفصل بين الحالة الثقافية والحالة العامة التي يعيشها العالم العربي الآن. أنت لديك وضع كارثي في سورية مثلاً، والعرب لا ينتظرون مني أن أسدي إليهم النصائح في ما يتوجب عليهم فعله. أنا ضد من يقول إن هذه الدولة أو تلك عليها أن تفعل كذا وكذا للخروج من أزمتها الثقافية أو السياسية مثلاً، ولكن العرب كأمة عريقة، لها تاريخ طويل وسجل حافل بانتصارات وخيبات أيضاً، يجب أن يبحثوا في ما بينهم عن مخرج لأزمتهم، ولن يلعب هذا الدور أحد غيرهم.

> مرت ست سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي التي أطاحت أنظمة سياسية راسخة في تونس، ومصر، وليبيا، فيما يستمر الصراع بين النظام والثوار في اليمن وسورية... كيف استقبلت هذا الحراك الثوري في المنطقة التي تشغل الجانب الأكبر من اهتمامك وعملك البحثي؟

- ثورات الربيع العربي فتحت آفاقاً جديدة، وعليك أن تعلم أن هذه المرحلة لم تنته حتى هذه اللحظة. ما حدث كان أمراً كبيراً. مثلاً، من كان في سن العشرين وقت بداية هذا الحراك، يتبقى له الآن 50 عاماً لممارسة العمل السياسي برؤية أكثر نضجاً وعمقاً ووعياً بما يجرى من حوادث متلاحقة، حيث تشكل وعيه في مرحلة مهمة جداً وخطيرة في تاريخ المنطقة، التي تشكلت لها سياسة جديدة ستظل مستمرة لنصف قرن، فإما أن تكون مع الربيع وإما ضده، وعلى هذا الأساس تتشكل التحالفات الجديدة وتبدأ الصراعات كذلك في الدخول ضمن إطار سياسي عام، فالآن يُكتَب التاريخ.

عن موقع جريدة الحياة


“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)