جيرمين وإخوانها، حازم صاغية (لبنان)، مجموعة قصصية دار الساقي - 2017

, بقلم محمد بكري


جريدة المدن الألكترونيّة


جريدة المدن الألكترونيّة
الأربعاء 07-06-2017
المدن - ثقافة
يوسف بزي


"جيرمين وإخوانها" لحازم صاغية : المفكّر الحكواتي


JPEG - 49.5 كيلوبايت
حازم صاغية سليل تقليد عريق شبه منقرض: الأدب الصحافي


نادراً ما تساءلنا عن سر “نجومية” مقالات حازم صاغية الصحافية. كيف لتعليق صحافي سياسي أن يكون “ممتعاً”، ونلتذ بقراءته؟ فحتى الذين لا تعجبهم آراء صاغية ولا مواقفه، يستأنسون بقراءته. بل ثمة عدد كبير ممّن لا يقرأون الصحف يواظبون على مطالعة ما يكتبه هذا الصحافي تحديداً. يمكن القول أن صاغية هو واحد من أكثر الصحافيين العرب مقروئية.

نظن أن جاذبية مقالات صاغية لا تكمن في مضمونها الفكري أو السياسي وحسب، بل في “أدبيتها”، في صنعتها الكتابية، في أسلوبها اللغوي الرشيق والممتع، في بلاغتها من دون تكلّف، في وضوح قاموسها، في امتناع صاحبها عن “استعراض” مخزونه الثقافي، ولو وشت مقالاته بسِعة هذا المخزون.

صحيح أن حازم صاغية سليل حفنة قليلة من الصحافيين العرب الذين أجادوا “فن” كتابة العمود الصحافي، لكنه أيضاً سليل تقليد عريق شبه منقرض: الأدب الصحافي، حين كان الكتّاب الصحافيون هم من كبار الأدباء (يوسف إدريس، إحسان عبد القدوس، طه حسين.. في مصر. ومارون عبود وسعيد تقي الدين وفؤاد كنعان في لبنان..إلخ)، أو أن كتاباتهم الصحافية والسياسية والفكرية كانت ترقى إلى سوية الأدب الرفيع (ميشال شيحا، وضاح شرارة..).

أيضاً، نادراً ما انتبهنا إلى أن حازم صاغية ليس صحافياً فقط، فعلى الرغم من وفرة مؤلفاته “الأدبية”، في القصة، والسيرة، والنصوص النثرية الحرة، ظلت “وصمة” صاغية أنه الكاتب السياسي المشهور باستفزازه للقناعات الراسخة. شهرته في مقارعة الأفكار الثابتة والسائدة ونقدها على نحو مثير للجدل، أعتمت جانباً مهماً من نتاجه الغزير، هو ذاك النتاج الثقافي والأدبي وأعماله غير الصحافية والسياسية.

وحازم نفسه يغذي هذه الإشكالية في الإضاءة على كتاباته، فمثلاً يتساءل ناشر كتابه “قضايا قاتلة” (دار الجديد، بيروت 2012) في مضمونه: “ما الجامع بين اجتثاث البعث والرومنطيقية بمعناها الاجتماعي والسياسي بمفهوم أشعيا برلين، إلى الإسلام الشديد الانتشار المؤثر في السياسة الكونية، إلى برج دبي فالشيوعية والثقافة؟” (أيضاً، لا ننسى هنا كتابه “نانسي عجرم ليست كارل ماركس”). وهي إشكالية أقرب إلى الفضيلة، إذ قليلون جداً محترفو الصحافة السياسية (العربية) راهناً الذين لهم صلة فعلية بحقول الثقافة الأدبية والفنية والفكرية (أن يشاهدوا معرضاً أو مسرحاً أو سينما أو أن يقرأوا الرواية والشعر والفلسفة..).

منذ أيام، صدر كتاب قصصي جديد لحازم صاغية بعنوان “جيرمين وإخوانها” (دار الساقي، بيروت 2017) في 222 صفحة من القطع العادي (بلا فهرس؟ توفيراً للورق؟)، يضم 31 قصة موزعة على أربعة أقسام: “حيوات بريئة”، “أمزجة ولا أمزجة”، “مجرد تفاصيل”، “عن ماضينا ومستقبلنا”.

مع قراءة هذا الكتاب الجديد، ننتبه إلى ميزة إضافية في كتابات حازم، الأدبية منها والصحافية: إنها توهم كل قارئ على حدة، أن صاغية يكتب له وحده، يخاطبه على نحو حميم وشخصي، كأنها حديث خاص بين صديقين. ثمة قوة أسلوبية في وَهْم المشافهة، وَهْم الحديث الشخصي. ونحن أصدقاؤه، غالباً ما ندرك أنه يتحدث كما يكتب، كحكواتي بالغ الموهبة في شرح أفكاره عبر رواية قصة أو حادثة، أو إدغام نكتة في تحليل سياسي، وفي وصفه الكاريكاتوري الدقيق لطبائع الأشخاص وسلوكياتهم. إنه حكواتي – مفكر. والممتع هنا، في الكتابة أو الكلام، هذا المزج الدقيق للمرح والنقد المرير، السخرية والتعاطف، التشاؤم الوجودي والاحتفال بالعيش، الاستياء والتفهم، الانحياز للأريحية والخفة ولو على حساب رصانة الأفكار والقضايا.

في القصة الأولى “جيرمين التي ضاعت في نيويورك” نُفاجأ بنص قريب جداً من مناخات الواقعية السحرية، عالم حقيقي وغرائبي لمنزل لا عدّ لقاصديه وللمبيتين به، ولشخصيات نسائية غريبة الأطوار والسلوك والمظهر: يكتب: “لم يكن من السهل التعرّف إلى عمر جيرمين، كان أمرها يشبه الأحجية: هل تعرف عمرها؟ كان يسألنا يوسف، ابن شقيقتها، واثقاً من أننا لن نعرف. فجيرمين التي صدمتها سيارة وهي طفلة، نمت نمواً كما ينمو العشب البري. جسمها ظل صغيراً ورفيعاً كجسم تلميذة ابتدائية تشارك في مباريات مدرسية للركض، إذ رجلاها أطول مما يحتمله ذاك الجسم الضئيل. وبين أفراد البيت الآخرين، وكلهم ذوو قامات ضخمة، بدت جيرمين أشبه باللعبة التي تتحرك وسط ظلالهم...” (ص9)

في قصص “أنطون قتيل الأغاني” و"مارون وأمه" و"البراءة التي لم تنقذ وسيم" و"1978... أو حرب البصلة" و"جيراننا الماويون" و"حين خطفتُ كميل" .. وإلى حد ما “إله ميشال العادل” "سيرة كاهن لكل الفصول"، يعود صاغية إلى مناخات حرب السنتين (1975-1976)، وأفاعيلها عميقة الأثر في التحول العنيف الذي أصاب المجتمع اللبناني، وهو تحول لم يترك وجهاً من وجوه الحياة إلا وبدّلها على نحو لم يشف منه لبنان أبداً. فنشهد على انهيار روابط الحياة الريفية وضوابطها، انقلاب التراتبية الاجتماعية، وهيمنة الفوضى والعنف والخوف على ما كان علاقات وصلات وتواصل. لكن الأهم في تلك القصص تحديداً هو ذاك التحول من التحزب الفولكلوري إلى التحزب القاتل. ما كان سياسة قروية وتقليدية وحزازات عائلية وأهواء شبابية، صار عنفاً وعداوات مميتة. قصص استطاع صاغية أن يستعيدها من ذاكرة شفهية ليدوّنها بأسلوب حار ومتدفق، وبرؤية نقدية متفحصة، تنبهنا إلى ما لم يدوّن أو هو صعب التدوين أصلاً في التأريخ السياسي والاجتماعي لتلك الحقبة المفصلية، التي طوت لبناناً قديماً لا رجعة إليه.

قصّة “علي وحبّه لماكميلان” نموذجية في دلالتها على تلك الحزبية السابقة للحرب، وعلى الثقافة السياسية التي سادت خصوصاً في الأرياف اللبنانية في الخمسينات وحتى السبعينات من القرن الماضي، وصلتها بقضايا المنطقة والعالم (عبر الراديو). أن يجمع البطل “علي”، في حبه لعبد الناصر وجواهر لال نهرو وتيتو وسوكارنو ونيكروما ومكاريوس - وهؤلاء أبطال حركات التحرر من الاستعمار - مع حبه لرئيس وزراء بريطانيا حينذاك هارولد ماكميلان، فهذا لغز لن يتبدد أبداً، بل وسيستمر حتى بعد اندلاع الحرب وذهاب علي إلى الانخراط في صفوف “جبهة النضال الشعبي”، التي نعته بعد مقتله: “الرفيق القائد الشهيد هارولد ماكميلان”. وهذه القصة تحديداً مع قصص أخرى ("جيراننا ماويون" مثلاً) تحيلنا مجدداً إلى كتاب آخر لحازم صاغية “هذه ليست سيرة”، الذي يروي فيه سيرة انتقالاته الدراماتيكية من حزب إلى آخر ومن عقيدة سياسية إلى أخرى، على نحو كاشف وفاضح للفارق المروع بين وَهْم الأيديولوجيات ومكر الواقع.

كما قصة “جيرمين..” نقرأ “توفيق الذي لا يعرف الأمل إليه سبيلاً” و"مروى ذات الألغاز الكثيرة" و"جرجي مطارداً الموت حتى النهاية" و"خيول العمّ المحبّ" و"وليد الذي لا يكفّ عن التريض" و"وكالة أنباء القرية" و"تفاصيل منيب وبديهياته" و"هذه الحرب على سجائري" و"معين حين لم يعد يسألني"، تختلف عن تلك التي تناولها أعلاه. هي أقرب إلى الأدب القصصي الذي يستكشف شخصيات استثنائية، وحالات إنسانية فردية تعيش مفارقاتها الغامضة أو تجسد مثالات لعوارض نفسية واجتماعية نافرة، كاريكاتورية أو مأسوية، بل ولا ضير أن تكون ظاهراً مجانية وعادية، لكنها تخفي تلك الضراوة العبثية في العيش وبمواجهة الزمن والموت.

في النصين الأخيرين، “1881-1882... أو كيف نشأ الاستعمار” و"2025... أو الاحتلال القبرصي لبلاد العرب"، يعود صاغية إلى موضوعته الأثيرة: إنحطاط حالنا السياسي، وخراب أوطاننا، وخواء الأفكار الأيديولوجية التي تتحكم في عقول مجتمعاتنا، نكوصنا عن الحداثة، وعداؤنا الغريزي لحقائق العالم المعاصر. نصان متخيلان وساخران إلى حد الدمعة والشفقة. ويتقاطع معهما نصّا “لا يكفي العداء للإمبريالية كي يُديم الغرام” و"قاطعوا الدواء الإسرائيلي ولا تقاطعوه". لا حدود هنا للضحك والهزء. يكتب في “لا يكفي العداء..”: “لا يكره الإمبريالية أحد كما يكرهها نجيب. يصفها بالخبث وباللؤم ويضفي عليها من النعوت ما تنسبه ثقافات الذكور إلى النساء، كأن يكون كيدهنّ عظيم(...) لكن الحدث الذي أشعل مخيلته بعدما هزّه كما لم يهزّه حدث سابق، كان مشاهدته بطاقات الائتمان التي تدر مالاً على حاملها ما أن يدخلها في آلات بدأت تنتشر في الشوارع. وهو ما فسره، بين جد ومزاح كذلك، بأنه يدل على كمية الأموال التي سرقتها الامبريالية من بلداننا إلى حد أن جدرانها باتت محشوة بالفلوس..” (ص111- 113).

مع هذا الكتاب، وقبله “هذه ليست سيرة” و"أنا كوماري من سريلانكا" و"مذكرات رندا الترانس"، علاوة على مؤلفاته في السياسة والثقافة والاجتماع.. نحن أمام “كاتب” يستحق أكثر من شهرته الصحافية.

عن موقع جريدة المدن الألكترونيّة


حقوق النشر

محتويات هذه الجريدة محميّة تحت رخصة المشاع الإبداعي ( يسمح بنقل ايّ مادة منشورة على صفحات الجريدة على أن يتم ّ نسبها إلى “جريدة المدن الألكترونيّة” - يـُحظر القيام بأيّ تعديل ، تغيير أو تحوير عند النقل و يحظـّر استخدام ايّ من المواد لأيّة غايات تجارية - ) لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر تحت رخص المشاع الإبداعي، انقر هنا.



جريدة القدس العربي


جريدة القدس العربي
السنة التاسعة والعشرون العدد 8849 الخميس 8 حزيران (يونيو) 2017 - 13 رمضان 1438هــ
حسن داوود - روائي لبناني


أيام ما كانت «جيرمين» تحكي في السياسة !


جيرمين، التي توقّف عقلها، عند ماكان عليه في لحظة سابقة، حين صدمتها سيارة وهي طفلة، تسيء استخدام الكلمات أو تستخدمها بكثير من التصرّف. كانت مثلا تقول «انعزالي» حين تقصد أن تهجو شخصا، و«وحدوي» حين تريد أن تمدح آخر، وذلك تأثّرا بناصرية ابن شقيقتها. وإذ انتقل هذا الأخير إلى التزام سياسي آخر، أي من الناصرية إلى الماركسية، راحت تصنّف المتردّدين على البيت بين «بورجوازي»، تطلقه على كل من لا تستسيغهم، وغير بورجوازي على من ليسوا كذلك.

هي السياسة آنذاك، في سنوات الستينيات، أخذت جيرمين وإن بأقلّ تأثّر ممكن بها. تلك الكلمات القليلة، كانت كافية لتُدخل إلى عقلها الصغير التشوش الذي أصاب كثيرين سواها. خذ وسيم مثلا، ذاك الذي لم تستطع السياسة أن تنتصر على فطرته ومنطقه حتى بعد أن صار ماركسيا هو الآخر: ولماذا الحقد، راح يقول وسيم متعجبا من كلمة «الحقد الطبقي»، هو الطيب القلب في الأساس. وإذ تعدى تحول كلمة «بورجوازي صغير» إلى أن تكون شتيمة عند سواه، لم يستطع هو أن يفهم لماذا تألّفت هكذا، «إذ ما ذنب الطفل إذا كان والده بورجوازيا؟».

هم أولئك الذين وضعتهم السياسة وأحزابها على مسافات متفاوتة من سوء فهمها، أو من فهمها، يطيلون الوقوف عند كلماتها. عالم السياسة المعقّد المتشابك، هناك ما بعد الكلمة، متروك لآخرين هم أكثر فطنة منهم، وإن باتوا في مدار السخرية بعد فوات ذلك الزمن. أما هم، السذّج أبناء الضيع، فيلهون أحيانا بالكلمات، بوقعها وحده ورنينها، كمثل عليّ المصفّق على طريقته لزعماء عدم الانحياز، لكن انطلاقا من حبّه لأسمائهم غير المألوفة، خصوصا اسم جوزيف بروز تيتو، متوقّفا عند «بروز»، وكذلك عند كلمة «جواهر» في جواهر لال نهرو، وإن أضعفتْها قليلا كلمة «لال» التي لم تكن تعجب عليّا أبدا. أما ما أدى به تعلّقه بالكلمات فحشره «ماكميلان» رئيس الحكومة البريطانية عهدذاك مع زعماء عدم الانحياز بسبب إعجابه بكلمته واسمه.

وفي أحيان يتعدّى الأمر اللعب بالكلمات، فبين القصص واحدة تستعر فيها مفاضلة الأهل بين ولديهما، جميل ومارون، حيث الأوّل دخل في الأحزاب، واستمّر الثاني على النسق الذي أراده له الأهل وأعدّوه له، فصار طبيبا معروفا، فيما بقي أخوه ملازما صورة الحزبي التي أمعن الزمن في الكشف عن جانبها الكوميدي، أو في تشكيلها كوميديا وكاريكاتيريا. هي السياسة نفسها على كل حال لا تتردّد في اتخاذ مسالك عجيبة، كأن يدعى خوري الضيعة، في إحدى القصص، إلى الفصل بين مقاتلين سريلنكيين احتموا بقوى على الأرض، فسلّحت حركةُ فتح السنهاليين منهم، كما قيل للخوري، وسلّحت الصاعقة التاميل.

وليس على الكاتب أن يجري تحويلا قسريا فيما هو يجنح بالسياسة، والحرب من ثمّ، إلى الكوميديا ففيهما، في أصلهما، يكمن اللامعقول. من مظاهر ذلك رواية أحدهم عن خطفه لكميل المسيحي، ليقايض به قريبا له مسلما اختطفه مسيحيون.

وفي القصة التي هي الأكثر امتلاء بالتفاصيل من قصص الكتاب الأخرى، نرى كيف يظهر الخاطف أمام نفسه مؤدّيا دور الخاطف، وكيف يؤدي المخطوف دوره كمواطن لا طائفي إلى حدّ رفضه لإطلاق سراحه وتوسله ليعـــــمل مرافقــا لخاطفه.

وإذ يؤدّي هؤلاء أدوارا فرضتها عليهم السياسة، أو الحرب، يؤدّي سواهم، في قصة أخرى، أدوار الخروج من الإرث الوهمي الذي أتاهم من وعي الأهل المتأرجح بين السذاجة والخرافة. فبعد أن تجاوز رفيقان مثلا، بالعلم والثقافة التي حصّلها كل منهما، عادات أهلهما، ها هي حكاية البصلة التي أدت إلى اختلاف أولئك الأهل تعود بهما إلى أن يقتتلا من جديد، كأن ما كان من اختلاف الأهل وتقاتلهم على أحقية امتلاك البصلة يعود بين الرفيقين حيا.

ليس ما عرف بالوعي الحزبي إلا مرحلة من مراحل وهم الانتقال، الذي سرعان ما يبدّده وهم يأتي بعده.

ربما يمكن أن يُكتب كتاب آخر عن كيف انتقد من هم «جيرمين وأخوتها» ما كانوا عليه في أيام الحزبية. أما الحزبي القديم، في «مونولوغ حزبي خالص» فيجد أنه بات الآن بلا حيلة إزاء ما جاء به العالم من أفكار جديدة. لقد عاد للتفكير بإنشاء حزب يساري، لكنه يجد نفسه عاجزا عن إيجاد أعضاء له. لقد تغيّر العالم بكلّيته عن ذلك الزمن (الذي تدور عليه معظم قصص الكتاب). بدأ التغيّر، كما يلاحظ صاحب المونولوغ نفسه، باللغة، فبدلا من «المناضل» بات لدينا «الناشط»، وهذه الكلمة الجديدة، في نظر اليساري القديم، كأنها جُرّدت من كل ما يبعث على تأدية أدوار للتاريخ. كلمات مثل بورجوازية وإمبريالية وتحرير فلسطين باتت، حسبه، غائبة ولا تتردّد على أي لسان. ثم أن هؤلاء الجدد، ومنهم ابنه الذي يصف نفسه بأنه يساري، يقولون إنهم يكرهون العنف، ذاك الذي كان في أيامه «قاطرة التاريخ». ثم هناك الدفاع عن حقوق المثليين، أولئك الذين باتت علينا أن نستبدلهم، بحسب المناضل القديم، بالجماهير إلخ.

قصص حازم صاغية أقرب إلى رثاء فكاهي لمرحلة انطوت. تفاصيل كثيرة وشخصيات توزّعت القصص فاختصت كل منها بشخصية قد لا يخفى أحيانا مرجعها الواقعي. قصص ضاحكة ساخرة إلى حدّ أن أغلب شخصياتها، أبطال القصص، يموت موتا غير مأساوي، من دون أن يغيّر ذلك الموت في مسارها الكاريكاتيري. كلهم ماتوا، توفيق في قصته، وكذلك وسيم في قصته، وكذلك مارون وعليّ (صاحب ماكميلان) وجيرمين التي ضاعت في نيويورك في يوم وصولها إلى هناك، ولم يعثر لها على أثر، وكذلك اليساري القديم الذي أقعده مرضه عن حضور أول اجتماع تأسيسي لحزبه الجديد.

٭ «جيرمين وإخوانها» قصص لحازم صاغية صدر عن دار الساقي في 222 صفحة، 2017.

عن موقع جريدة القدس العربي

عدد المقال بالـ pdf في جريدة القدس العربي


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.



جريدة الحياة


الجمعة، ٧ يوليو/ تموز ٢٠١٧
جريدة الحياة
مايا الحاج


حازم صاغية يحمل ندوب الحرب جسداً وروحاً


بعد الفراغ من قراءة «جيرمين وإخوانها» (دار الساقي)، يُراودك انطباع أوّلي على شكل سؤال: هل حازم صاغية روائيّ بنَفَسٍ قصير أم أنّه قاص بنَفَسٍ روائي؟ وليس التساؤل هنا نابعاً من كون قصصه تُمثّل روايات صغيرة، بل على العكس. صاغية يُدرك معنى أن يكون الكاتب قاصاً يُمسك بأيدي شخصياته بحزم كيلا يضلّوا الطريق ويغوصوا في تفاصيل تُثقل كاهل النصّ. وفي الوقت عينه، هو يلجم رغبته في التدخل فيهم فلا يسمح لنفسه أن يُبصر ما لا يرون أو أن يتفوّه بما لا يقولون. لكنّ نَفَسَه الروائي ينبع على الأرجح من أريحيته في بناء عالمٍ كثيف لا يغيب عنه عنصرٌ من العناصر التي تتشكل منها عوالم الرواية الواسعة: السرد، الصوت، الشخصية، الزمن، الفضاء، الحبكة، والأهمّ درامية النص.

في القسم الأوّل من المجموعة وعنوانها «حيوات بريئة»، يستعرض الكاتب نماذج إنسانية مختلفة، تكشف عن طاقاتها الداخلية كما عن واقعها، فتأبى- على رغم سذاجتها أو «براءتها» وفق تعبير الكاتب- إلاّ أن تكون قوّة فاعلة في الحدث، وعنصراً من عناصر المشهد الوصفي والفلسفي على السواء. وليست مصادفةً أن يمهر صاغية عناوين القصص بأسماء شخصياتها التي تلعب دوري «الكائن» و «الفاعل» معاً (Faire et Etre) مثل: «جيرمين التي ضاعت في نيويورك»، «أنطون قتيل الأغاني»، «مارون وأمّه»، «البراءة التي لم تُنقذ وسيم»، «توفيق الذي لا يعرف الأمل اليه سبيلاً»، «علي وحبّه لماكميلان»، «مروى ذات الألغاز الكثيرة»، «جرجي مطارداً الموت حتى النهاية».

هكذا يبدو القسم الأول أشبه بغاليري يضم «نماذج» بشرية يمكن أن نصادفها في الواقع، من دون أن تسترعي انتباهنا أحياناً. فكأنما الكاتب سخّر كل تجربته الحياتية وخبرته الصحافية ومعلوماته السياسية وقراءاته الأدبية كي ينسج شخصيات تضجّ حياةً وواقعيةً. وليست الواقعية هنا مُحاكاةً (mimesis) بمعنى التمثيل الفني للواقع، إنما نقل للواقع نفسه عبر تجسيد حيّ لأفعال البشر (بواسطة اللغة طبعاً)، وهو ما يقترب الى مفهوم المحاكاة وفق نظرية أرسطو.

ومثلما يتشابه الناس ويختلفون في الحياة العادية، أبطال حازم صاغية ايضاً يتقاربون بمقدار ما يتباعدون. معظمهم يعاني نقصاً ما يُعطّل حياته من دون أن يشعر بأنّه يعيش في عالمٍ مُعطّل فعلاً. يعيشون حياتهم بعبثية ويمضون الى نهايتهم بعبثية أكبر. «لقد صار يزن ما يزنه رجلان سمينان وتقلّ همته عن همّة نصف رجل. وإذ جاءت أوديت ذاك الصباح لتهنئه ببلوغه الأربعين، لم يُفق وسيم ولم يتقبّل التهنئة».

ومع أنّه يكتفي بعرض حيوات شخصياته عبر ساردٍ يروي الأحداث بطريقة الغائب حيناً وآخر يرويها بالمتكلّم أحياناً، نراه يمرّ على أزمات الشخوص مستذكراً بعضاً من تاريخها أو تاريخ عائلتها لنكتشف، قصةً تلو أخرى، أنّ أحوالهم ليست سوى مآلات نتيجة تحولاتٍ هزّت عالمهم. توفيق المتشائم دوماً أصيب بيتمٍ مُبكر فعامله أخوته الأكبر سناً بخشونة ما اضطره الى الهرب صغيراً، جيرمين صدمتها السيارة وهي طفلة فمنعتها من النموّ في شكل طبيعيّ، والدا أنطون وفدا من سورية الى لبنان بعد طوفان النهر الكبير... لكنّ التاريخ الخاص لهذه الشخصيات لا ينفصل إطلاقاً عن التاريخ العام. لذا نجد إشارات متكرّرة لتواريخ وحروب وزعماء واتفاقات وأحزاب وميليشيات.

الذات والمجتمع

تتحرّك القصص عند صاغية بين «الأنا» الاجتماعية (العامة) و «الأنا» الفردية بميولها اللاواعية. هكذا يُزوّد الكاتب قصته بإشارات مكانية/ زمانية تؤكّد أنّ هذه الأقدار والطبائع والأمزجة ليست جامدة بتاتاً، إنما تتبدّل بتبدّل الأحداث والتجارب. ولعلّ الحرب الأهلية- وهي تيمة حاضرة تسطع في قصص فيما تظلّ متوارية في قصص أخرى- كانت مبعث تلك التحولات التي أصابت شخوص المجموعة، نساءً وذكوراً، مسيحيين ومسلمين. وفي نصّ عنوانه «حينما خطفتُ كميل» (القسم الرابع: «عن ماضينا ومستقبلنا»)، يقول الكاتب على لسان الراوي عبارة جميلة: «وحين تتغير الطبيعة، هل يبقى البشر على ما كانوا عليه؟». وفي قصّة «هذه الحرب على سجائري»، يحكي الراوي أنّ التغيّرات على مدار ثلاثة عقود طاولت كلّ شيء فيه، من المظهر الخارجي الى الأفكار والأحزاب انتهاءً بالصديقات والأصدقاء، لكنّ التدخين بقي الثابت الوحيد.

واللافت أنّ حازم صاغية يختار لقصصه بداياتٍ تُعطيك إشارة الى أين ستقودك الخواتيم. ولئن تحقّقت هذه التقنية في «جيرمين وإخوانها»، فإنّ صاحبها يستجيب- عن قصد أم لا- الى واحدة من قواعد القاصّ الأشهر في أميركا اللاتينية هوراسيو كيروغا (1878- 1937) في كتابه المعروف «دليل القاصّ للكمال»، بحيث يتوجه القاص الأورغواني المعروف الى كاتب القصّة بالقول: «لا تبدأ بالكتابة من دون أن تعرف أين ستذهب من أول كلمة. في القصة القصيرة الجيدة، الثلاثة أسطر الأولى هي تقريباً، بأهمية الثلاثة أسطر الأخيرة». وإذا قرأنا بداية القصة الأولى مثلاً لوجدنا: «لم يكن من السهل التعرّف الى عمر جيرمين. كان أمرها يُشبه الأحجية: هل تعرف عمرها؟ كان يسألنا يوسف، ابن شقيقتها، واثقاً من أننا لن نعرف». وفي نهاية القصة نكتشف أنّ جيرمين التي كبرت وبقيت تعيش بجسد تلميذة ابتدائية- بعدما صدمتها سيارة وهي طفلة- تاهت عن أمها في نيويورك كما يتوه الأطفال ولاقت مصيراً ظلَ غامضاً كأحجية عمرها.

وفي قصة «أنطون قتيل الأغاني» مثلاً، يبدأ الكاتب بالقول: «أشياء كثيرة تعلّق بها أنطون الذي كان سريع التعلّق بالأشياء، لكنّ السياسة لم تكن واحداً منها». أما الجملة الأخيرة فتُضيء المعنى الذي طرحه المفتتح: «الأمرُ الذي لا يرقى الشك اليه أنه قُتل هناك على الساحل، والأمر المحتمل أنه كان، في تلك اللحظات، يُغنّي». هكذا نجد أنّ أنطون الذي قدّمه الكاتب على أنّه لا يهمل في الحياة شيئاً غير السياسة، كان ضحيتها فمات نتيجة ألاعيبها القذرة.

هويّات وأفكار

يختلف أبطال صاغية في هوياتهم وأعمارهم وأجناسهم وانتماءاتهم السياسية، لكنّهم يتشابهون في حياتهم البسيطة التي لا تخلو من عبث، وأفكارهم البريئة التي لا تخلو من سذاجة. أنطون المولع بالغناء صار قومياً سورياً لأنه أحبّ نشيد الحزب القومي، بينما عشق علي ماكميلان (وزير خارجية بريطانيا في ذاك الوقت) لأنّه معجب بأصحاب الأسماء الغريبة، ووسيم اعتنق الماركسية تيمناً بأخيه الأكبر ثم تركها ليُحقّق هويته الحزبية الخاصة فاختار القومية السورية لمجرّد أنّ أحدًا لم يدفعه اليها. والغريب أنّ الأبطال حزبيّون من دون أن يُدركوا فلسفة التحزّب وأبعادها. وهذا ان دلّ فعلى حقبة كانت فيها الأحزاب تُمسك بأخناق الناس كما الأقدار الإغريقية فلا تترك لهم سبيلاً للخلاص، وكأنّ وجودهم يغدو معدوماً من دونها. وفي معظم القصص تصادفنا عبارات تُعيدنا الى زمن اليساريين وقاموسهم اللغوي، من قبيل: «البورجوازية»، «الانعزالية»، «الأمبريالية»، «الليبرالية»... والجدير قوله إن السرد غالباً هو استذكار لأحداث وشخصيات مرّوا في حياة الراوي حين كان يعيش في بيروت أو في قريته الشمالية قبل أن يهاجر الى لندن.

وإذا أردنا أن نحدد مكمن القوة في قصة صاغية لأجبنا من دون تردد اللغة والشخصية. وبالعودة الى شخوصه، فهم عاديون أو أقل من ذلك. يومياتهم رتيبة وهامشية، لكنها تبدو مهمة جداً لهم. «قشّر توفيق قطعتي البيكون كأنه يُنفّذ مهمة لم ينقطع عنها سنوات. استدار نحو البيضتين اللتين على النار فأطفأ النار تحتهما ببطء يشبه فعل عمل حكيم. وفيما هو واقف، وبوجه تطغى عليه صرامة المهمات الجليلة، أكل البيضتين وقطعتي الجبنة ورغيف الخبز بحد أدنى من المضغ».

وبمقدار اهتمامه بالبيئة الاجتماعية والحياة الجوّانية لشخصياته (البعد النفسي والاجتماعي)، يولي صاغية اهتماماً خاصا بالشكل الخارجي (البعد المادي أو الجسماني). انه يغوص في العمق من دون أن يتخلّى عن الحركات الظاهرية والهيئة الخارجية، فكأنّ «الأجساد تحكي مصائر أصحابها»، على ما يقول الطبيب بورديو في رواية سيلين. مروى بالغة السمنة، تمشي ببطء، «تكاد أطرافها، وهي تتقدّم وتهتزّ، يستقلّ واحدهما عن الآخر». أنطون «معتدل البنية ومشدود العضل»، جيرمين «جسمها ظلّ صغيراً ورفيعاً، إذ رجلاها أطول مما يحتمله ذاك الجسد الضئيل».

مثلما يعرض لنا الكاتب حيوات أبطاله بهدوء، فإنه يروي نهاياتهم الصادمة بهدوء أكبر، كأنّ الموت/ السقوط في نهاية القصة (قتلاً، قَدَرَاً، انتحاراً، اختفاءً...) ليس الا نتيجة طبيعية لمسار شخصياته. ولعلّ الموت المباغت هو الشيء الوحيد الذي منح سِيَرِهم الباهتة لوناً.

وإذا كان صاغية اختار لنهايات القسم الأول- وهو الأجمل في الكتاب- ما يُعرف بـ «جاذبية السقوط»، فإنّه اختار للقسم الثاني «أمزجة ولا أمزجة» مساراً سردياً دائرياً، تعود فيه النهايات غالباً الى نقطة البداية عودةً عبثية، على صورة صخرة سيزيف (ميثولوجيّاً)، أو دورة الحياة والموت (واقعياً).

سعيد، الشاب المستهتر يصير «أبونا إبراهيم» التقيّ الورع الذي استحقّ ثقة الناس واحترامهم بعد سنوات من الخدمة المتفانية في الكنيسة. ولكن عند أول فرصة، عرف كيف يستغلّ علاقاته وصداقاته الجديدة ليحصل على الأموال ويهجر الكنيسة، هادماً صورة «أبونا إبراهيم» ومعيداً صورة سعيد الأولى الى الأذهان. في «خيول العمّ المحبّ»، نتعرف الى شخصية صامتة، منكفئة، تردم سُبُل الحوار مع الآخر وتُقفل نوافذها عليه. انه يرى في «العالم الخارجي زائدة بالقياس الى عالمه الداخلي». ولكن ما إن تستفيق رغبته الإنسانية في التواصل حتى يضيع الكلام منه ويدخل في هذيانات لا تُفهم. يتذكره الراوي صغيراً وبعد سنوات يلتقيه في لندن بعدما دخل العمّ المحبّ في الثمانين. يبدو أنّه أراد الثورة على صمته الطويل، ولكن ما إن تكلّم جملتين واضحتين حتى دخل في هذيانه القديم.

أما زينب، المرأة الجنوبية المتحررة التي تحجبت واحتجبت عن الحياة، فاشتاقت الى البحر بعد انقضاء ثلاثين عاماً على آخر نزهة لها. ولما قصدته مع بناتها الثلاث راحت تنشغل عنه بكلامها عن الموت والآخرة، فاستعجلت عودتها الى المنزل لتلحق بمجلس عزاء سمعت صوتاً بعيداً يدعو اليه من المكبّر، لتعود الى النقطة التي انطلقت منها القصة.

قصص حازم صاغية لا تقول الحقيقة كلّها ولكنّها لا تقول إلا الحقيقة كما يقول يوسف ادريس. وهو حين اختار تقنية الاستقدام الزمني في القصة الأخيرة «2025 أو الاحتلال القبرصي لبلاد العرب» فإنّه آثر قول الحقّ لأنّ الحياة الراهنة ان استمرت في جحيمها العربي يُمكن أن تصير عرضة لاستعمار جديد على يد «أضعف» جيراننا، قبرص.

من المهم أخيراً القول إنّ صاغية لم يعتمد بناءً درامياً واحداً في قصصه الكثيرة، لذا بدت متفاوتة المستوى أحياناً. بعضها لافت في سرديته وفي بناء شخصياته وبعضها الآخر ينحو صوب المقالة الصحافية. أمّا «جيرمين وإخوانها» فتبقى من المجموعات القصصية الجديرة بالقراءة لما تقدّمه من متعة ودهشة.

عن موقع جريدة الحياة


“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.


الكتاب على موقع دار الساقي

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)