قراءات - Comptes rendus de lecture

الممثل، شريفة فداج (الجزائر)، رواية L’Acteur, Charifa Fedaj (Algérie), Roman

, بقلم محمد بكري


شريفة فداج (الجزائر)
« الممثل » هي باكورة الروائية الجزائرية الشابة شريفة فداج (مواليد مدينة سيق بالجزائر العام 1979) صدرت حديثاً عن « دار الغاوون ». على مدار سبعة فصول تأخذنا الروائية إلى عالم المسرح مازجةً إياه بمسرح الحياة الحقيقي، لنتعرّف على الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، نجاحه وسقوطه، من خلال سرد متأن بلا إبطاء، ذكي المخارج، يُبشّر بروائية بارعة تُعلن عن نفسها في هذا العمل الأول.
وللتعرف على هذه الرواية نقدم مقال جريدة الحياة والحوار التي أجرته جريدة إيلاف الالكترونية مع الكاتبة والمقال المنشور فيها بمناسبة صدور الرواية.

 مقال الحياة

جريدة الحياة
السبت، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2011
جريدة الحياة - مي باسيل

«الممثل» لشريفة فداج ... تحية الى المسرح الجزائري

تمكن قراءة رواية «الممثل» (دار الغاوون، بيروت، 2011) للجزائرية شريفة فداج على أكثر من محور:

تمجيد المسرح،, تحية للمسرحييْن الجزائرييْن عبدالقادر علولة وعز الدين مجوبي اللذين قتلا سنتي 1994 و1995 خلال موجة قتل الفنانين والمثقفين الجزائريين. والمحور الثالث المعاناة التي يعانيها الممثل وهو ينتقل من شخصية الى شخصية اخرى، وضريبة الشهرة التي يدفعها من جسده ونفسه في هذا التبدل. وهنا تركز الكاتبة، التي أصدرت روايتها الاولى هذه على ان «الممثل» هو فكرة الكاتب يقولبها كما يشاء. ولا تعود الشخصية فقط هي فكرته. وهذا لعب على معنيين: ان الشخصيات في الادب هي فكرة الكاتب، عكس ما كتبه بيراندللو في «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» حيث يبدو ان بعض الناس «يفرضون» أنفسهم على المؤلف ليختارهم، والمعنى الثاني ان بطلها فريد «الممثل» هو أداة لروايتها، العبثية هذه. أما يبدو المسرح والفنون عموماً عبثاً بعبث؟

تبدأ الرواية بمشهد مسرحي يؤديه فريد وأمال، ومنه نستشف التخلف في النظرة الى المرأة، والمفاهيم التي يفرضها عليها المجتمع حتى وهي كاتبة ناجحة مثل سارة بطلة الرواية، والتصور ان حياتها لا تكتمل الا بالزواج. ويترك هذا العرض انطباعاً بأننا أمام رواية عبثية وهي تتضمن الكثير من هذا، خصوصاً في البداية والخاتمة وإن كان سياق الاحداث منطقياً بينهما، وقد تذكّرك بالافلام السينمائية، فهي بعدد صفحاتها وحواراتها تصلح لذلك، إذا لم نُغفل ان المؤلفة شريفة فداج هي كاتبة مسرحيات ايضاً ومعجبة بالكاتب الالماني جورج بوشنر الذي نقل الكتابة المسرحية الى ما يشبه السيناريو السينمائي. هكذا لا يجدي البحث عن فريد اين اختفى وكيف اختفى بل لماذا؟ لأنه فكرةٌ في النهاية.

تمجيد المسرح يظهر بالمعلومات القليلة التي تبثها المؤلفة في سياق السرد، والتساءل عن سبب تخلف المسرح في العالم العربي والتحليل والتحريم الذي يصيبه، خصوصاً مع اتساع الموجة الاصولية. والتحية للمسرحيين الجزائريين تمت بذكر علولة ومجوبي اللذين لم يتوقفا عن العمل المسرحي رغم التهديدات التي تلقياها، وهنا لا يسعنا الا ان نؤيد البطل فريد وهو يبحث عن ذرائع انسحابه من هذا العمل، إذ يقول «الناس اوغاد ينسون الجميع، ينسون حتى من هم أحياء» فالممثل أو الفنان منسي في مثل بلادنا.

ويبقى ان وصف فريد وهو يتقمص شخصياته ويفرغ طاقته في الدور، وصفٌ ينطبق على أي فنان يملك مخزوناً من المعارف والتدريب يضعه دفعة واحدة كل مرة في عمله حتى يحس انه فرغ ويحتاج الى ملء خزّانه المعرفي مجدداً كأنه يقارب الموت كل مرة وبجب ان يرضع من الحياة، ثم ان العبث يظهر في الخاتمة عندما يتساءل «هل انا الممثل الوحيد؟ هل يعقل ان الجميع يفعل ذلك؟ نحن اشخاص غير الذين نعرفهم ونراهم». فكل انسان متعدد الشخصيات في خلاصة الامر.

تتداخل هذه المحاور الثلاثة (الآنفة الذكر) خلال السرد ومنها نطّلِع على أحد اسباب تخلف المسرح، وهي سبب مشترك بين البلدان العربية، نتعرف عليه في شخصية سعيد مدير المسرح الذي كان سمسار عقارات وتحوّل مسرحياً. وفي الفساد واستلاب حق الممثلين والعاملين في المسرحيات، مادياً ومعنوياً. وتحول الوسط الثقافي عموماً الى استنفاع ومنفعة للمقربين.

والرواية تدور كما نلاحظ في وسط فني وثقافي، تدل على عيوبه باختصار وبالقدر الكافي ليفهم القارئ الحالة العامة لأن الموضوع هو الممثل.

وتدور الاحداث بين بلدين تجري المقارنة بينهما في سياق السرد، فرنسا والجزائر، وهو ما يصعب تفاديه عندما يكون الموضوع الثقافة، أي المقارنة بين الشرق والغرب. وبما ان معظم الابطال ينتمون الى الطبقة الوسطى المثقفة ويحلمون «بالهروب الى الخارج» تصير المقارنة لمصلحة الخارج. ويشعر أي مثقف بالغربة في بلده وتلك كانت حال فريد القادم من فرنسا وحال سارة وغيرهما، حتى المواطن العادي. الكل يبحث عن تأشيرة سفر. فما بالك إن كان حائزاً الجنسية الفرنسية كفريد. وهناك اكثر من إشارة في النص الى الأوضاع الاقتصادية المتردية.

عن جريدة الحياة

يقدم موقع دارالحياة.كوم، إضافة إلى المحتوى الخاص به الذي ينشر على مدار الساعة، محتوى المطبوعات التي تنتجها« دار الحياة »، بنسخها الإلكترونية، وهي : الصحيفة اليومية « الحياة » الطبعة الدولية على العنوانين الأول أو الثاني، والحياة السعودية الطبعة السعودية، والمجلة الأسبوعية لها. ويضم دارالحياة.كوم أيضاً حاضنة للخدمات الرقمية على العنوان.

دارالحياة.كوم محطة تزود الزوار بالمستجدات والتقارير والتحليلات وبمواد أدبية، من صحافيين ومراسلين من الحياة، ومتعاونين آخرين. ويسعى إلى تأمين التواصل بين القراء وكتاب المطبوعات. كما يؤدي دور الواجهة التي تروج لمحتوى المواقع الثلاثة الأخرى. كذلك، يرعى دارالحياة.كوم مشاريع صحافية مستقلة ويستضيفها.


 حوار إيلاف

موقع ايلاف على الإنترنت
الأحد 12 يونيو/حزيران 2011
إيلاف - سهى شامية

شريفة فداج : أتمنى أن يحظى الروائيون الجزائريون بما يكفي من التسويق

سهى شامية : “الممثل” هي الرواية الاولى للروائية الجزائرية الشابة شريفة فداج (1979) صدرت عن دار الغاوون مؤخرا. الرواية تتناول تعقيدات المجتمع الجزائري من خلال المسرح الجزائري وما تعرض له من كوارث، وأيضا من خلال حياة احد الممثلين الجزائريين. حول هذه الرواية “ايلاف” حاورت شريفة فداج من خلال البريد الالكتروني.

بداية، مَن قرأ روايتك التي يكاد يكون المسرح احد ثيماتها الأساسية، لا بد ان يسألك إن كان لديك محاولات مسرحية ؟

الرواية جاءت من فكرة قصة قصيرة كنت قد كتبتها خلال مراهقتي تتحدّث عن شاب يودع حبيبته في أحد المطارات، هذه الحبيبة التي ترفض منحه أي أمل في عودتها فينفجر باكياً عند مغادرتها ويُفاجأ بتصفيق حاد ليكتشف في الأخير أنه يمثل المشهد على خشبة المسرح !
لديَّ محاولات مسرحية ولكنها لم تكتمل أبداً. ثمة دائماً فصل ناقص هو الفصل الأخير، وربما لا أكمله لأنني أعرف بأن الكتابة للمسرح ليس لها معنى دون عرض العمل أمام الجمهور وهو الأمر الذي لم يكن متاحا أبداً. لذلك تضمَّنت الرواية بعض المقاطع من مسرحيات كتبت فصولاً منها في السابق.

بطل الرواية مصاب بمرض غريب ليس له اسم في الرواية، ألم يكن من الافضل الاضاءة “العلمية” اكثر على مرضه من اجل إقناع القارئ أكثر ؟

القارئ يستطيع أن يُصنِّف المرض كما يراه من وجهة نظره. ثم انه ليس بالضرورة أن يكون ثمة مرض، لعل كل ذلك وهم في تصور البطل، فقد ذهب إلى طبيب فحصه ولم يجد شيئا يذكر. ربما تكون حالة خاصة به لأنه يملك موهبة فريدة من نوعها فهو ينتقل ليس فقط من شخصية إلى أخرى ولكن من حياة إلى أخرى دون أن يدرك بأن ذلك تمثيل. قد تكون حالة نفسية مؤقتة لأن حدّتها زادت مع تزايد ضغوط اقتراب عرض المسرحية في فرنسا؛ مكان اقامة عائلته ... أعتقد بأن الكاتب لا يقدم كل الإجابات عن حياة شخصيات الرواية، هناك دائماً جانب يترك فيه المجال لخيال القارئ و هذا هو “الهدف” من القصة والرواية : أن تجعل القارئ يفكر ويطرح الاسئلة ويبحث عن الفكرة بنفسه.

هل كان وجود شخصية فلسطينية أو اكثر في الرواية مقصوداً لايصال رسالة ما، أم انه مجرد “خاطر” روائيّ ؟

الرواية تعكس الواقع والمتخيّل وتقدّم رسائل مختلفة، تواجد العائلة الفلسطينة المقيمة في الجزائر هو واقع الحال لأن الفلسطنيين مشتَّتين ويمكن ببساطة أن يجد الإنسان نفسه يتعامل مع جار أو أستاذ أو زميل يكتشف في النهاية أنه فلسطيني أو من أصل فلسطيني. هؤلاء الذين أجبروا على البقاء في أرض غير أرضهم يعانون من حدّة حالة التشتت ولكن الهدف الرئيسي كان تقدير المرأة الفلسطينية. فلم تعد فقط أم الشهيد أو زوجته، فمنهن رموز للإبداع في الكتابة والفن والإخراج والتمثيل.. والبطلة كانت أستاذة وكاتبة مسرحية وتعيل أسرتها رغم أن والدها محافظ، ورغم التقاليد التي تضغط عليها لتكون أماً وزوجة فقط. لذلك فالبطلة الفلسطينية كانت شخصية واقيعة ورمزية في الوقت ذاته.

جسدتِ مسألة الهوية من خلال الغربة اذا صح التعبير، لكن القارئ شعر بأن غربة الجزائري في الجزائر اكثر مرارة من غربته في فرنسا، خذي مثلا شخصية المترجمة التي تريد سرقة مكان أحد ممثلي المسرحية للسفر الى فرنسا والعيش هناك...

طرحتُ موضوع الفرنسيين الجزائريين، وبطل الرواية واحد منهم، كونه ينتمي إلى عائلة جزائرية مقيمة في فرنسا، ولكن الأب كان ما يزال مسيطرًا فيها حتى على خيارات أبنائه في العمل والدراسة، مما جعل البطل يستغني عن “امتياز” كونه فرنسياً إن صح التعبير، ولم يفكر في أنه غريب عن المكان سواء في فرنسا أو في الجزائر بل على العكس هو كان ناجحاً في البلدين، ولكنه بدأ يغترب عن نفسه ويضيع في عالمه الخاص رغم أنه حقق حلم التمثيل والشهرة . ثمة جانب آخر داخلنا يجعلنا نشعر بالانفصال عن الحياة والذات وهو الذي يؤدي إلى الإغتراب والوهم والمرض .
الموضوع الآخر الذي طُرحَ، هو رغبة الشباب في الجزائر وفي كل البلدان العربية بالوصول إلى أوروبا بأية طريقة كانت، حتى ولو كانت استغلال الفن حدّ استعمال الكذب. أصبح الأمر أقرب للمغامرة منه للهجرة، وعندما تغامر تضع حياتك على المحك، وعندئذ لن يهمك رأي الآخرين ولن تهمك الوسيلة، ولذا غالباً ما تكون النتيجة المزيد من الضياع.

السرد الأنيق والمتماسك الذي تتمتع به الرواية يوحي بانها ليست التجربة الأولى.. هل لديك روايات (تجريبية) أخرى غير منشورة ؟

أكتب منذ سنوات طويلة ... لدي روايات قصيرة أسمّيها روايات بدائية ولا أعرف إذا كان بإمكاني عرضها على القراء فغالبية القصص تدور في بلدان لم أزرها بعد مثل مصر و لبنان و الولايات المتحدة.

كروائية جزائرية شابة، كيف تنظرين الى الرواية الجزائرية اليوم؟ ومن هم الروائيون الشباب الذين أعجبتك تجاربهم ؟

للأسف لا أستطيع أن أقيّم الرواية الجزائرية اليوم لأنني لست مطلعة على كل الإصدارات، لكن الأكيد أن تجارب ياسمينة صالح وبشير مفتي وغيرهما من الأدباء الشباب الذين يكتبون باللغة العربية، هي تجارب تملك ما يكفي من الموهبة، ولكن ليس ما يكفي من الدعم والتسويق لتصل إصداراتهم إلى كل القراء العرب. لذلك أتمنى أن يحظى الكتّاب الجزائريون باهتمام أكبر.

ما مشاريعك الروائية - أو ربما المسرحية - القادمة ؟

أنهيتُ كتابة روايتي الثانية ومجموعة قصصية. وأتمنى أن أستطيع إتمام واحدة من المسرحيات التي بدأت كتابتها. لكنني لن أنشر - ربما - قبل أن أعرف رأي النقاد والقراء في رواية “الممثل”.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

 مقال إيلاف

موقع ايلاف على الإنترنت
الأحد 16 فبراير/شباط 2011
إيلاف - بيروت

"دار الغاوون" تُصدر رواية “الممثل” للجزائرية شريفة فداج

إيلاف – بيروت : “الممثّل” هي باكورة الروائية الجزائرية الشابة شريفة فداج (مواليد مدينة سيق بالجزائر العام 1979) صدرت حديثاً لدى “دار الغاوون”.

الرواية التي تهديها شريفة فداج إلى عبد القادر علولة وعز الدين مجوبي، وهما فنانان جزائريان كبيران اغتالتهما جماعات مسلحة (الأول عام 1994والثاني عام 1995)، تخوض في تعقيدات المجتمع الجزائري من خلال قصة ممثل جزائري يُدعى فريد بن يحيا، مُصاب بمرض غريب (يُشبه ربما المرض الذي يعاني منه مجتمعه) جعله في نهاية الأمر يهجر التمثيل دون أن يعرف أحد من فرقته إلى أين ذهب.

على مدار سبعة فصول تأخذنا الروائية إلى عالم المسرح مازجةً إياه بمسرح الحياة الحقيقي، لنتعرّف على الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، نجاحه وسقوطه، من خلال سرد متأنٍّ بلا إبطاء، ذكي المخارج، يُبشِّر بروائية بارعة تُعلن عن نفسها في هذا العمل الأول.
من مطلع الرواية نقتطف الآتي :

“غرفة النوم عالية السقف، متحف عصري، مساحة واسعة وتلفزيون كبير مُثبَّت على الحائط المقابل لسرير مزدوج مخملي اللون. أنار الأباجورة القابعة فوق منضدة صغيرة، وشاهد مجموعة الصور الموضوعة بعناية على التسريحة، ولفت انتباهه تمثال بعلو نصف متر لامراة تحمل طفلاً على الجانب الآخر من السرير، تساءل: ألا تخاف أن يسقط عليها هذا الشيء وهي نائمة؟ إنها تحيط نفسها بالكثير من الوجوه والصور، ما المتعة في ذلك؟ لا أدري إن كانت تملك الوقت لتتكلّم أو تسترجع ذكرياتها معهم؟ إنهم في أماكنهم يشاهدون يومياتها، ولعلها أفضل طريقة لتقول لهم شاهدوني وتباً لرأيكم.

تقدَّم بضع خطوات نحو الحمّام، كان الباب مفتوحاً:”كل شيء مرتّب ونظيف كأنها لا تستعمله أبداً وحوض الاستحمام كبير بما يكفي لأتمدَّد داخله".

ثبَّت نظراته على المرآة، لكنه لم يرَ وجهه، كان شخصاً آخر يحدِّق فيه، لم يستطيع أن يصرخ أو يركض بعيداً، أحس بأن ثمة من يمسك به بقوّة ويضع يده على فمه، لحظات والتفت نحو الباب: “ثمة من دخل الشقّة”!

حرَّك رأسه في كل الاتجاهات محاولاً إيجاد مخرج، استعدَّ للجري نحو النافذة لكنه تعثّر وسقط أمام السرير. أسند جسمه بيدَيه ورفع عينَيه فرآها واقفة عند باب الغرفة تنظر إليه مصدومة خائفة تسأله : “من أنت”؟!

اختفت من أمامه فقام مسرعاً ولحق بها، كان صوتها قد بدأ يعلو مستغيثاً فأمسك ذراعها ورجاها أن تسكت قائلاً : “أرجوك. أنا عامل الصيانة الذي بعثته إدارة البناية أنا آسف لأنني أخفتك سيّدتي”.

لكنها ظلّت ترتجف، وعندما وقف أمامها رأى وجهها الشاحب فاعتذر مرّة أخرى: “لقد كنت أحاول صيانة سخّان الحمّام، وعندما سمعت صوت الباب خرجت لأرى من القادم، لكنني سقطت كما ترين”.

ترك ذراعها متراجعاً إلى الوراء.

سألته والخوف ما يزال يغلّف ملامحها : “كيف دخلت إلى هنا، لم يخبرني أحداً بأنك هنا... من أعطاك المفتاح”؟

ردَّ : “الإدارة يا سيّدتي”.

أدخل يده في جيب قميصة وأخرج مفتاحاً قدّمه لها قائلاً : “هذا هو المفتاح”.

أمسكته وبدأت تسترجع هدوءها، ثم قالت وهي تضع يدها على جبهتها : “ظننتك لصاً”.

ضحك ضحكة متقطّعة معبّراً عن اعتراضه وهو يقول : “لو كنت لصاً لسرقت شيئاً على الأقل”.

بدأ في معاينتها عن قرب بعدما اطمأن إلى أنها لن تصرخ في وجهه. إنها تلبس تنّورة قصيرة وقميصاً وردية فتحت أزرارها العلوية الثلاثة مع قلادة رقيقة تحمل وروداً صغيرة متناسقة تتدلّى من رقبة طويلة، وسُمرتها واضحة، لكنَّ عينَيها بلون حقول الجبال.

إنك امرأة عصرية جداً، تعودين من عملك وترمين حقيبتك على الأريكة وحذاءك عالي الكعب عند مدخل الباب، لكنك اشتريت شيئاً اليوم... نظر إلى كيس أبيض ورقي كان على الأرض. ماذا يوجد داخل هذا الكيس؟ تبدو كمزهرية.

قالت بكلمات سريعة : “ليس من عادتهم أن يستجيبوا بهذه السرعة ولم يتصل بي أحد لإخباري”.

ردّ عليها : “سيّدتي، لقد طلبوا منّي أن أقوم بعملي وتوقّعت أنهم قد أعلموك بذلك”.

قالت بعصبيّة : “كيف تسمح لنفسك بالدخول وأنا غير موجودة”؟

قال محاولاً السيطرة على توتّره : “إنه تماماً مثل النظام المعمول به في الفنادق يا سيّدتي، عندما تخرجين يأتي من ينظّف المكان”.

“لكنني لا أعيش في فندق”.

سكتت للحظات ثم قالت دون أن تنظر إليه : “سأتصل بالإدارة لأفهم الموضوع”.

تسمَّر في مكانه، وأحسَّ أنه قد تحوَّل إلى تمثال. عيناه فقط من تتابعان يدها تمتدّ إلى حقيبتها وتخرج هاتفاً محمولاً، إنها تتصل برقم ما، تنتظر ثم تتصل مرّة أخرى. رآها تستجمع قوّتها وتكشّر عن أنيابها لتمتصّ دمه، وتمزّقه بسكين المطبخ... تنهّدت بيأس وقالت : “لا مجيب”.

ظلَّت صامتة للحظات، أما هو فقد كان يكرّر شكره لله.

سألته بصوت أكثر ثقة : “أين عدّتك”؟

“فوق الطاولة هناك”.

نظرت إلى طاولة المدخل ثم سألته : “والسخّان”؟

قال مشيراً بيده إلى غرفتها : “كنت أعاينه ثم أتيتِ فجأة، يمكنني أن أتابع عملي إذا سمحت لي”.

رفعت حاجبَيها وهي تنظر إلى هاتفها ثم قالت : “سأخبر الإدارة متى يمكنك العودة، لكن قبل ذلك لا أريدك أن تدخل إلى بيتي إذا لم تدقّ الجرس وأفتح لك حتى ولو كان معك مفتاح”.

أحسّ بغضبها وفهم قصدها فاتجه نحو الباب، لكنها استوقفته قائلة : “ماذا عن علبتك”؟

عاد وحمل علبة المعدّات، ثم شكرها وخرج.

وقف أمام باب شقّتها وتخيّلها وراء الحائط تلعنه وتقول لنفسها إنه كاذب مخادع فقال : “عليك اللعنة أنت أيضاً! لماذا غادرت عملك مبكراً؟ أليس من عادتك إنهاء دوامك قبل الخامسة”؟ ثم فكَّر أنها الآن لا بد تتفقَّد أغراضها وتحاول الاتصال مرّة أخرى بالإدارة : “عليَّ الابتعاد”.

استعدَّ لنزول السلّم، لكن ثمة من أمسك به ودفعه داخل رواق طويل مضيء : “امشِ أسرع، من هنا من هنا”.

عن موقع ايلاف على الإنترنت


ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

تم نقل هذا المقال بناء على ما جاء في الفقرتين 4-2 و4-3 من حقوق الملكية الفكرية المذكورة في شروط الأستخدام على موقع إيلاف :

  • مسموح لك بنسخ أو تنزيل المقالات المنشورة على الموقع من أجل إعادة عرضها على مواقع أخرى بشرط أن تعرض تلك المقالات بنفس تنسيقها وشكلها.
  • يجب وضع رابط للموقع بين عنوان المقالة والفقرة الأولى منها.
  • كما يضاف البيان التالي في نهاية المقالة : ايلاف المحدودة للنشر جميع الحقوق محفوظة ايلاف المحدودة للنشر ترخص باستخدام هذه المقالة. لا يمكن إعادة نشر هذه المقالة دون التوافق مع شروط وبنود شركة ايلاف المحدودة للنشر.

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)