الفنانة المصرية هند رستم 1930-2011

, بقلم محمد بكري



جريدة القدس العربي
السنة الثامنة والعشرون العدد 8592 الأربعاء 21 أيلول (سبتمبر) 2016 - 19 ذو الحجة 1437هــ
كمال القاضي - ناقد سينمائي مصري


هند رستم : مارلين مونرو مصر التي اكتشفها حسن الإمام وأحبها يوسف شاهين


رحلة صعود مثيرة قطعتها الفنانة هند رستم التي رحلت في سبتمبر/أيلول 2011، حيث بدأت مشوارها من أدوار الكومبارس لتصل بعد ذلك إلى قمة العرش السينمائي وتتربع عليه قرابة نصف قرن، اكتشفها المخرج الكبير الراحل حسن الإمام وأسند إليها عدة بطولات في أفلام مهمة، كان بدايتها فيلم «الجسد» وهو الذي أثار أزمة رقابية كبرى وقت عرضه لجرأته الشديدة، كما أثار الفيلم ضجة على جانب آخر، حيث كانت أفيشاته الأكبر حجماً والأكثر جذباً في تاريخ السينما المصرية، وفق شهادات مصممي الأفيش القدامى، فقد أراد المخرج أن يفجر قنبلة ببطلته الجديدة فأوصى بالإنفاق على الدعاية لضمان الانتشار وتحقيق أعلى الإيرادات في شباك التذاكر، وبالفعل نجحت هند كوجه جديد وارتبطت أدوارها في ما بعد بهذه النوعية من أفلام الإغراء، وقد ساعدت على ذلك طبيعتها الأنثوية ونعومة صوتها وقدرتها على توظيف قدراتها الشخصية والفنية بما يعطي انطباعاً بعدم الافتعال، ومن هنا حملت لقب مارلين مونرو مصر في مقارنة تلقائية بينها وبين النجمة العالمية المتخصصة في هذا اللون من الأداء الناعم مارلين مونرو.

وعلى عكس ما يظن الناس كانت هند رستم تضيق بهذا التصنيف الذي يحصرها في نمط واحد، وترى أن هذا الربط يظلمها كثيراً فهي تملك القدرة على أداء كل الأدوار ولكي تثبت ذلك قامت بدور مربية أو خادمة في واحد من أفلامها الجيدة، أظنه كان بعنوان «من أجل ولدي»، ثم قدمت نوعيات أخرى مختلفة تخلت فيها عن أدوار الإغراء والإثارة، وعلى رأس الأعمال التي توجتها على قمة النجومية فيلمها الأشهر «الراهبة «، حيث ظلت بملابس الراهبة طوال الأحداث في محاولة منها لتحدي نفسها ووضع قدراتها الفنية في بؤرة الضوء، ليتم الاعتراف بها كممثلة قديرة بغض النظر عن جمالها المتمثل في الشكل والقوام والدلال الذي لفت إليها انتباه مخرج الروائع حسن الإمام.

في بداية انطلاقها قدمت الفنانة الراحلة أفلاماً خفيفة مثل «إشاعة حب» مع النجم عمر الشريف ويوسف وهبي، إذ كانت تجسد دور فنانة مشهورة باسمها نفسه، يزعم عمر الشريف الشاب الخجول، وفق دوره، أنه متزوج منها كي يثير غيرة سعاد حسني. كما عملت النجمة الكبيرة مع فريد الأطرش وشادية وعبد السلام النابلسي دوراً مهماً أيضاً قامت فيه بدور غريمة شادية ومنافستها على وحيد أو فريد الشاب الغني صاحب الصوت الجميل محط أنظار الفتيات، وفي تقديري أن رصيدها من هذه الأفلام كان في فترة مبكرة نسبياً من حياتها قبل مرحلة النضج الفني، وهو ما خلق فروقاً في المستوى الأدائي لديها، حيث لا يمكن المساواة بين دور كهذا وأدوارها التالية في أفلام مثل «صراع في النيل» أو «باب الحديد» ففي الأخير على وجه التحديد تفردت هند في أدائها فقد استطاع يوسف شاهين أن يقلب موهبتها على كل الأوجه فيستفيد من تلقائيتها ويستغل كل طاقاتها كفنانه موهوبة لديها القدرة على التلون فهي هنومة البنت الدلوعة بائعة الكازوزة التي ترى تأثيرها في عيون الطامعين فيها فتستغل ذلك لصالحها وتلعب على كل الحبال، وفي الوقت نفسه لا يميل قلبها إلا لـ»أبو سريع» فريد شوقي فتوة محطة السكة الحديد وزعيم الشيالين فيها، بينما هي أيضاً تستشعر رغبة «قناوي الأعرج» يوسف شاهين فيها ولا ترده لأنها تستفيد منه.

في فيلم «باب الحديد» لم تقدم هنومة إغراء صريحاً بمعنى أنها لم تجتمع بأي من الأبطال في غرفة نوم مثلاً أو ترتدي ملابس ساخنة محظورة رقابياً، ولكنها تمكنت من إقناع المشاهد بأنها بنت لعوب تصطاد الرجال لتوقعهم في غرامها وتلعب بالبيضة والحجر، وهذه هي الميزة الأساسية في فنها وأدائها وإمكانياتها الفنية اللا محدودة، وربما ظهرت هذه القدرات كذلك في فيلم «صراع في النيل» فقد لعبت دور راقصة الموالد، من دون أي خدش للحياء أو الترخص في استغلال مفاتنها مثلما تفعل ممثلات أخريات لهن التأثير الجسدي نفسه لكن يفتقدن الموهبة.
كانت الفنانة في أيامها الأخيرة وبعد سنوات اعتزالها تأسى على أيام شبابها وتنعى بمرارة زمن الفن الأصيل، حيث الدخول إلى حلبة المنافسة والنجومية بدون وساطة ولا محسوبية، إذ لا يحظى الممثل بشرف تمثيل بلاده في المهرجانات الدولية إلا بعد تمرسه ونجاحه محلياً وإجازته نقدياً والإجماع على أنه موهوب، فبغير هذه الشروط لا يتم اعتماده فنانا على عكس ما يحدث الآن من تصعيد وجوه جديدة لا تمتلك الحد الأدنى من الاستعداد.

تلك واحدة من القضايا التي كانت تشغل الفنانة القديرة وهي من ثقفت نفسها بنفسها وتعلمت اللغتين الإنكليزية والفرنسية وأجادتهما إجادة كاملة وتحدثتهما بطلاقة، فلم تكن هند رستم تشأ أن تترك في حياتها نقيصة لذا عوضت ما فاتها من التحصيل الدراسي ودخول الجامعة بالقراءة والاطلاع وتفوقت على غيرها ممن منحتهم الحياة فرصا أكبر وحياة أفضل، ورغم ظروفها الصعبة وكفاحها للوصول للقمة لم تشعر الفنانة والنجمة الكبيرة أن شيئاً ما ينقصها وعاشت حياتها قانعة راضية بما أصابته وحققته، حتى بعد تقدمها في السن واعتزالها التمثيل لم تكتئب ولم تفارق الابتسامة وجهها.

عن موقع جريدة القدس العربي

عدد المقال في جريدة القدس العربي بالـ pdf


صحيفة القدس العربي هي صحيفة لندنية تأسست عام 1989.


هند رستم ويكيبيديا

عن صورة المقال

عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)