الطلياني، شكري المبخوت (تونس)، رواية

, بقلم محمد بكري


 شكري المبخوت : رواية ’الطلياني تعبّر عن جيل كامل بكل تناقضاته


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977


جريدة العرب
نُشر في 15-02-2015، العدد: 10186، ص(1)
الصفحة : ثقافة
الدار البيضاء - العرب


الكاتب التونسي يحكي قصة طالب يساري يدرس في الجامعة وفي نفس الوقت قيادي في الاتحاد العام لطلبة تونس إبان فترة حكم بورقيبة وما تلاها.

قال الكاتب التونسي شكري المبخوت الحاصل على جائزة البوكر للعام 2015 عن روايته “الطلياني” إنها ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله عايشه شكري بآلامه وطموحاته وأحلامه.

وقال المبخوت الذي كان يتحدث مساء الأحد لقرائه وللمهتمين على هامش الدورة 22 لمعرض الكتاب الدولي بالدار البيضاء إنه في رواية “الطلياني” لم يكن بحاجة إلى القيام ببحث تاريخي “لأنها فترة جيلي أنا”.

وأضاف “بعض النقاد تساءلوا هل هي سيرة ذاتية لكن في الحقيقة ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة جيل بأكمله وعبدالناصر الطلياني بطل الرواية يعبر عن هذا الجيل بكل تناقضاته.”

وقال “لم أكن بحاجة إلى بحث تاريخي... وعلى كل حال تلك الفترة من تاريخ تونس ليست مكتوبة والتحدي الذي خضته هو أن أكتب قصة جيلي سرديا وفي الآن نفسه مسيرة بلد يعيش تلك التحولات والتناقضات والأزمات.”

وتحكي الرواية قصة شاب تونسي يساري يدرس في الجامعة وفي نفس الوقت قيادي في الاتحاد العام لطلبة تونس إبان فترة حكم الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وما تلاها.

وشكري المبخوت (55 عاما) رئيس جامعة منوبة بتونس وحاصل منها على درجة الدكتوراه في الأدب وله عدة مؤلفات في الآداب والنقد من بينها “سيرة الغائب وسيرة الآتي” وكتاب “جمالية الألفة: النص ومتقلبه في التراث النقدي” كما سبق وحصل على جائزة الملك عبدالله في الترجمة.

وعن اعتبار بعض النقاد أن الرواية تتناول فترة الحراك الاجتماعي الذي شهدته تونس في عام 2011 خلال فترة انتفاضات الربيع العربي قال الأديب التونسي إن “المسألة بسيطة جدا.. بين زمن الرواية وزمن الكتابة نوع من التوافق الذي لم أخطط له ولكن وأنا أختار مقر هذه الشخصية وجدت تشابها بين المرحلتين... مرحلة نهاية بورقيبة وبداية بنعلي ومرحلة نهاية بن علي وبداية الثورة والواقع الذي يربط بين الفترتين هما أنهما فترة انتقال وتحول ووعود وآمال وتخوف... هذا ما عشناه في الفترتين.”

وعما إذا كانت التحولات التي تشهدها تونس والمنطقة العربية عموما من شأنها أن تفرز أدبا جديدا قال شكري المبخوت إن “التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما شابه ذلك لا تفرز آليا تحولات في الكتابة الابداعية أي أن ما يسمى”أدب الثورة" لا يتماشى بالضرورة مع التحولات الاجتماعية وخير مثال على ذلك ما أفرزته الثورة الفرنسية فالأدب الذي تلاها “أدب رجعي وليس أدبا ثوريا.”

وأضاف “ذلك بسبب أن الكتابة عن الحدث أو ركام الأحداث وهي ساخنة لا يتماشى في رأيي مع فعل

ورد على جمهوره في معرض الكتاب الذي بدأ في 12 من الشهر الحالي وبنتهي في 21 منه قائلا إنه لا يعتبر نفسه”مناضلا بالقلم."

وعن اعتبار النقاد رواية “الطلياني” واقعية كلاسيكية قال المبخوت “لا يزعجني كل ذلك .. المشكلة ليست هنا. رواية الطلياني كما قال أحد النقاد عادت إلى مفهوم الحكاية أي ذلك البناء الذي له بداية وتحولات ونهاية وبدا هذا للكثيرين كأنه نكوص عما حققته الرواية العربية وفيها نماذج كثيرة ناجحة تجريدية في المشرق والمغرب.”

وأضاف “في الحقيقة المسألة لا أصفها بهذا الشكل لأنني لا أريد أن استغل ازدواج الصفة عندي - الأكاديمي والذي يجرب أن يكتب الرواية - لأقول عكس ما يقال إن رواية الطلياني بناؤها ليس خطيا وليس كلاسيكيا. ولي من الادلة على ذلك ولكن لست في موضع تحليل للنص ولا دفاع عن رأي احترمه في جميع الحالات.”

ويعتبر المبخوت أن السبب الحقيقي هو أن “التجريد الروائي وصل إلى طريق مسدودة عند الغرب ومنها انتقل إلى العالم العربي متأخرا وعندها وصل إلى طريق مسدودة أيضا عندنا بحيث وصلنا إلى روايات لا نستطيع أن نتجاوز فيها عشرة أو عشرين صفحة وهنا أتحدث عن نفسي كقارئ ولست روائيا في هذا المعنى.”

وأضاف أنه شخصيا ما زال “كالطفل الذي يحب الحكاية وجميعنا يحب الحكاية لأنها تحمل فضاء للحلم وللتفاعل.”

وتساءل “ما الأدب إن لم يكن تفاعلا بين القارئ والنص الذي يقرأه ومن هنا الأعمال الكبرى ولا أعتبر الطلياني منها... كلها فيها هذه الحكاية.. من مازال يتحدث عن التجريد الروائي اليوم بالرغم من أهمية التجريد من الناحية النظرية والتاريخية.”

واعتبر المبخوت أن “السذاجة التي نجدها في الحكاية والتي تجعل قراءتها ممتعة... لابد أن يوجد وراءها سؤال فلسفي يميزها عن رواية تجارية تقدم الحكاية وتمر.

وقال إن رواية”الطلياني" قدمت أسئلة فلسفية عدة حسب النقاد وحسب الكاتب نفسه الذي يعتبرها “اقترحت أسئلة جمالية وأسئلة فلسفية. من بين الأسئلة الجمالية في نظري منزلة الراوي في الرواية.” لكن السؤال الفلسفي الأساسي في رواية “الطلياني” هو سؤال الحرية “في مجتمعات رجعية لا تؤمن بالحرية الفردية.”

ويقول الكاتب في هذا الصدد إن هذا “السؤال أربكني. ما يجمع بين الشخصيات هو بحث يسعي إلى بلورة مسار فردي قائم على الحرية الفردية يخفق بطبيعة الحال لأن هذه المجتمعات المحافظة لا تؤمن بالحرية الفردية. هذا الفرد مقموع في جسده في خياله في لغته وليس مقموعا سياسيا فقط.”

ومن هنا يتساءل الكاتب “هل يمكن أن نصنع مجتمعا حرا بأفراد مستعبدين.”

وعن الرواية العربية قال إنها “لا تزال تبحث عن صوت يميزها عالميا. الحضور فقط ليس كافيا ولكن الرهان أن تساير الانتاج العالمي من روايات ممتعة ورائعة تعبر بعمق عن الوجع الانساني.”

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF


العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977

صحيفة العرب© جميع الحقوق محفوظة

يسمح بالاقتباس شريطة الاشارة الى المصدر



 قراءة في رواية “الطلياني” والفساد القاتل في الواقع العربي


جريدة رأي اليوم الإلكترونية


الإثنين 25 مارس/آذار 2015
جريدة رأي اليوم الإلكترونية
فاطمة عطفة


رواية جميلة ومشوقة، يتمنى قارئها أن لا يتركها قبل أن ينتهي منها. ومن الجملة الأولى يطرح الكاتب مشكلة ارتكبها البطل، ساعة دفن والده، إذ يبدأ العمل الروائي بهذه المفاجأة الغريبة: “لم يفهم أحد من الحاضرين في المقبرة يومها لِمَ تصرّف عبد النّاصر بذلك الشكل العنيف، ولم يجدوا حتى في صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا”.

كانت الجنازة كبيرة احتراما لما تتمتع به عائلة الحاج الراحل من مكانة مرموقة في تونس العاصمة، وفيها رجال إعلام وسياسة وبعض الوزراء. وعبد الناصر، حين يدعوه خاله للوقوف مع المصلين، ينهره بحنق وامتعاض: “تعرف كما يعرفون أني لا أصلي ولا أصوم”. ونتصور أن هذا طرف من المشكلة، وليس جوهرها حيث انقض عبد الناصر على الإمام يضربه حتى أدماه، وهو يلحد أباه، لكن “لم يشهد الحادثة إلا من كان في الدوائر الأولى”. (ص 7)

الرواية مؤلفة من 12 فصلا، تبدأ بـ “الزقاق الأخير” وتنتهي بفصل “رأس الدرب”، وخلال هذا التصميم الدائري يتابع الراوي سيرة عائلة الحاج محمود، وزوجته الحديدية زينب، وابنيه: صلاح الدين الاقتصادي، المهاجر إلى سويسرا، وأخيه الأصغر عبد الناصر الملقب بالطلياني لأن ملامحه توحي بذلك، إضافة إلى ابنتين، لا يمر ذكرهما إلا لماما. والراوي صديق الطلياني، لكن الكاتب لا يكشف لنا اسمه. وتشكل الجامعة صورة مصغرة عن الجماعات الحزبية في تونس، من أقصى اليمين الإسلامي إلى أقصى اليسار الماركسي، مرورا بالوسط الليبرالي والاشتراكي. ويشكل بطل الرواية: عبد الناصر في الحقوق وزينة في الفلسفة أبرز ملامح هذه الصورة، وإن كانت سيطرة الإسلاميين وشبحهما المنذر باستلام السلطة، رغم الملاحقات الأمنية لهم، أخطر ما تواجهه الحركة الطلابية والبلاد بوجه عام.

سأكتفي هنا بذكر لقب عبد الناصر (الطلياني) بدلا من اسمه المركب، أو باعتباره (البطل)، رغبة بالاختصار. وحين يقوم الإسلاميون بحركة إضراب واحتجاج قوية تؤدي إلى حملة اعتقالات، ويكون الطلياني وزينة من جملة المعتقلين خطأ. وفي المعتقل يستدعيه ضابط كبير ويعامله باحترام، ثم يخبره أنه كان من أبناء حارته وينظر إلى عائلته باحترام، وينصحه بأن يخفف من مواقفه الحادة ويؤكد له أنه غير مطلوب وكذلك زميلته زينة، ثم يتركه في المكتب منتظرا مع كومة من الصحف ويخرج مغلقا الباب وراءه بالمفتاح. لكن الطلياني لا يجد في الصحف ما يستحق ضياع الوقت، ويغريه مكتب الضابط المغلق فيقوم بتقليب الأوراق وفتح الأدراج بحثا عن الأسرار، ويفاجأ في أحد الملفات بتقارير عنه وعن غيره، فيضع أحدها في جيبه ويعود إلى مكانه بسرعة حين سمع حركة المفتاح في الباب، وعند الوداع ينصحه الضابط بأن يهتم بزينة. ويبدو أن الضابط خرج بقصد لكي يبرهن للبطل، بعد فترة، أن عين الأمن ساهرة وهم يعرفون كل شيء ويتغاضون كثيرا عن الحماقات الصغيرة، لأنه يكاشف عبد الناصر بسرقة الملف ويكتفي بلومه على ذلك!

أدت حادثة الاعتقال المؤقت إلى اقتران البطلين، ولكن بعقد صداق وليس بعقد زواج معلن أمام أهل زينة، بل يبقى الأمر سرا دون علمهم وهم في الريف البعيد، ويكون الشاهدان: أخت الطلياني الصغرى والراوي، إذ يقول: “كنت أنا شاهد زينة بطلب منهما. فهما لا يثقان في أحد، ثم إنني صديق طفولة الطلياني والمرافق الرسمي لزينة في الكلية”. (ص 121-122)
بدأ الطلياني يعمل بعد التخرج في الصحافة، وسرعان ما تألق في عمله، بينما تعمل زينة في التدريس وتتابع التحضير للدكتوراه. وفي أحد الأيام يكتب مقالة بعنوان “حقائق مذهلة قد تساعد على كشف المؤامرة”، وقبل نشرها يأخذ رأي رئيس التحرير سي عبد الحميد، وبعد أن اطلع “سيد الصحافيين في تونس″ على بعض الجمل قال له: “أين تظن نفسك في أمريكا.. في فرنسا.. من سيحميك؟”.

- “لكن لا شيء ضد الدولة في ما كتبت.. ومعلوماتي من مصادر عليمة..”.

- “لا تهم مصادرك.. هذه المعلومات ذات طابع أمني لا يحق لك استعمالها..”.

- “مصادري أمنية ثابتة. ألم تقل لي إن الصحفي الحقيقي هو الذي له صلات بالأمن دون أن يصبح واشيا؟”.

- “صحيح ولكن لكي تعرف اتجاهات الريح.. لا لكي تقف في مهب الريح عاريا.. الفرق كبير. أنت الأن من سيحميك؟”.

- “الصحفي يقول الحقيقة وينقل الخبر.. إنه تحقيق وليس مقال رأي”.

ابتسم سي عبد الحميد ابتسامة:

- “اسمع يابني.. الحقيقة في تونس لها مصدر واحد هو الدولة.. وهذه الأيام وزارة الداخلية هي الدولة.. والدولة هي الداخلية عندنا.. لم يطلب منك أحد أن تحل محل الوزير بن علي. له ثقة الزعيم فلا تشاركه في ما يعرفه. دعك من كذبة الحثيقة. ثم ما رأيك لو كانت مصادرك تريد أن تتلاعب بك؟”. وبعد فترة يحدث الانقلاب على بو رقيبة ويستلم زين العابدين بن علي الحكم، والجيل الشاب يستبشر خيرا لأن البيان الذي صدر كان مبشرا بالديمقراطية، لكن سرعان ما تتكشف الأمور.
وقبل الزواج تخبر زينة الطلياني أنها تعرضت في القرية لحالة اغتصاب ليلي دون أن تعرف الفاعل، ولم تخبر أحدا من أهلها، وقد تغاضى عبد الناصر عن هذا الموضوع أملا في أن يساعدها لتخفيف أثر هذه العقدة النفسية التي تعاني منها. لكن زواجهما ينتهي بالطلاق بعد موت أمها. وخلال زيارتها لأهلها مع صديقتها بصحبته ولم تخبر أحدا منهم بأنه زوجها، لكنهم تصوروا أنه زوج صديقتها، وقد آلم الطلياني هذا الاستهتار، ثم أجرت عملية إجهاض دون أن تخبره بذلك أيضا، وكان هذا كافيا لانفصالهما.

بعد الطلاق يغرق بالشراب والسهر واقتناص الملذات دون تمييز. ونكتشف سر المشكلة التي حدثت في البداية، حين يكشف الطلياني لصديقه الراوي أن الإمام حاول اغتصابه أكثر من مرة في طفولته، رغم أنه عنين ومتزوج ابنة الإمام السابق، لكن يحاول الاعتداء على الغلمان أملا في إنعاش رجولته عسى أن تتحسن علاقته بزوجته التي ملأت رائحتها الزنخة الحارة.
الروائي شكري المبخوت مهندس بارع في بناء عمله الروائي، وبراعة التوازن بين الخاص والعام، وهو يورد العديد من الأحداث التونسية بتواريخها المحددة. وقد بدأ الرواية من تصرف الطلياني، لكي يجعل القارئ يلهث مسرعا حتى ينتهي من قراءتها ويكتشف السر. وربما أجمل ما في هذا العمل أن الكاتب يترك الكثير لخيال القارئ حتى يستكمل الأحداث التي يعرفها أو سمع عنها، ولا بد أن يصاب القارئ بالصدمة من هول الفساد المستشري في الدولة، أي دولة، وخاصة من خلال ما يكشف رئيس التحرير للطلياني الذي يعمل معه في صحيفة رسمية. يقول الراوي: “باح عالم الصحافة والثقافة لعبد الناصر بأسراره كلها. أصبح يراه مارستانا كبيرا دمر نزلاءه بالأكاذيب والأوهام والخمرة والكبت والظطلة أحيانا. زال الفارق الكيفي بين حملة الأقلام والفكر وحملة الخناجر وباعة الخمر خلسة”. (ص 272). ويحسب للرواية معرفته العميقة بأحداث بلده سنة بسنة سواء بالحركة الطلابية أو العمالية، وجهاز الدولة الإداري وخاصة وتحديد المؤسسة الهيمنة صاحبة القرار.

عن موقع جريدة رأي اليوم الإلكترونية


من تقديم مؤسس ورئيس تحرير جريدة رأي اليوم الإلكترونية :

سياستنا في هذه الصحيفة“رأي اليوم”، ان نكون مستقلين في زمن الاستقطابات الصحافية والاعلامية الصاخب، واول عناوين هذا الاستقلال هو تقليص المصاريف والنفقات، والتمسك بالمهنية العالية، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر الامكان، والانحياز الى القارئ فقط واملاءاته، فنحن في منطقة ملتهبة، تخرج من حرب لتقع في اخرى، في ظل خطف لثورات الامل في التغيير الديمقراطي من قبل ثورات مضادة اعادت عقارب الساعة الى الوراء للأسف.

اخترنا اسم الصحيفة الذي يركز على “الرأي” ليس “تقليلا” من اهمية الخبر، وانما تعزيز له، ففي ظل الاحداث المتسارعة، وتصاعد عمليات التضليل والخداع من قبل مؤسسات عربية وعالمية جبارة تجسد قوى وامبراطوريات اعلامية كبرى، تبرخ على ميزانيات بمليارات الدولارات، رأينا ان هذه المرحلة تتطلب تركيزا اكبر على الرأي المستقل والتحليل المتعمق، وتسمية الامور باسمائها دون خوف.

لقراءة المزيد


عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)