أفلام المخرج المصري صلاح أبو سيف (1915-1996)

, بقلم محمد بكري

صلاح أبو سيف مخرج مصري كبير يعتبر رائد الواقعية في السينما المصرية.والواقعية عند صلاح أبو سيف تعني أن ترى الواقع وأن تنفذ ببصرك وبصيرتك في أعماقه وأن تدرك وتعي جذور الظاهرة، لا أن تكتفي برصد ملامحها فقط. وهذا بالضبط ما جسده في أفلامه.

وُلد صلاح أبو سيف في يوم 10 مايو عام 1915 م. في محافظة بنى سويف مركز الواسطى قرية الحومة. توفي والده باكرا فعاش أبو سيف يتيما مع والدته التي قامت علي تربيته بشكل صارم . بعد الانتهاء من الدراسة الابتدائية التحق أبو سيف بمدرسة التجارة المتوسطة، كذلك عمل أبو سيف في شركة النسيج بمدينة المحلة الكبرى وفي نفس الوقت اشتغل بالصحافة الفنية ثم إنكب على دراسة فروع السينما المختلفة والعلوم المتعلقة بها مثل الموسيقى وعلم النفس والمنطق.

عمل أبو سيف لمدة ثلاث سنوات في المحلة من 1933 إلي 1936 و كانت فترة تحصيل مهمة في حياته و قام بهذه الفترة بإخراج بعض المسرحيات لفريق مكون من هواة العاملين بالشركة ، و أتيحت له فرصة الالتقاء بالمخرج “نيازي مصطفى” الذي ذهب للمحلة ليحقق فيلما تسجيليا عن الشركة ، و دهش نيازي مصطفى من ثقافة أبو سيف و درايته بأصول الفن السينمائي و وعده بأن يعمل علي نقله إلي استوديو مصر. فبدأ صلاح أبو سيف العمل بالمونتاج في ستوديو مصر، ومن ثمَّ أصبح رئيساً لقسم المونتاج بالأستوديو لمدة عشر سنوات حيث تتلمذ على يده الكثيرون في فن ال مونتاج. كذلك ألتقي باستوديو مصر بزوجته فيما بعد “رفيقة أبو جبل” و كذلك ب" كمال سليم “مخرج فيلم العزيمة.

وفي بداية العام 1939 وقبل سفره إلى فرنسا لدراسة السينما عمل صلاح أبو سيف كمساعد أول للمخرج كمال سليم في فيلم «العزيمة » والذي يعتبر الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية. وفي أواخر عام 1939 عاد أبو سيف من فرنسا بسبب الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1946 قام صلاح أبو سيف بتجربته الأولى في الإخراج السينمائي الروائي وكان هذا الفيلم هو دائما في قلبي المقتبس عن الفيلم الأجنبي جسر واترلو, وكان من بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي ودولت أبيض.

وفي العام 1950 عندما عاد صلاح أبو سيف من إيطاليا حيث كان يخرج النسخة العربية من فيلم الصقر بطولة عماد حمدي وسامية جمال وفريد شوقي كان قد تأثر بتيار الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية وأصر على أن يخوض هذه التجربة من خلال السينما المصرية.

وقد أخرج للسينما العراقية فيلم القادسية عام 1982 م والذي اشترك فيه العديد من الفنانين العرب من مختلف اقطار الوطن العربي من العراق ومصر والكويت وسوريا والمغرب وغيرها من الفنانين العرب هم سعاد حسني وعزت العلايلي وشذى سالم وليلى طاهر ومحمد حسن الجندي وهالة شوكت وكنعان وصفي وسعدية الزيدي وطعمة التميمي وقاسم محمد وقائد النعماني وسعدي يونس وبدري حسون فريد و جبار كاظم وهاني هاني وقاسم الملاك وغازي الكناني وفوزية عارف وبهجت الجبوري وكامل الكيسي وضياء محمد ونزار السامراني وكنعان عز الدين ويعقوب أبو غزالة.

لقد اشترك أبو سيف في كتابة السيناريو لجميع أفلامه فهو يعتبر كتابة السيناريو أهم مراحل إعداد الفيلم فمن الممكن عمل فيلم جيد بسيناريو جيد وإخراج سيء ولكن العكس غير ممكن لذا فهو يشارك في كتابة السيناريو لكي يضمن أن يكون كل ما كتبه السيناريست متفقاً مع لغته السينمائية.

كما أنه عين رئيساً لأول شركة سينمائية قطاع عام فيلمنتاج في الفترة من 1961 وحتى 1965 وقد توفي صلاح أبو سيف في 22 يونيو 1996.

المزيد على ويكيبيديا


أفلام صلاح أبو سيف



صفحة أفلام صلاح أبو سيف الكاملة على يوتيوب



عن صورة المقال



جريدة الحياة


الجمعة، ١٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٨
جريدة الحياة
القاهرة – هيام الدهبي


فلسفة الحس الشعبي في أفلام صلاح أبوسيف


سينما الشعب - ناجي فوزي


تتعدد العناصر المكونة للحسّ الشعبي في أفلام صلاح أبوسيف ليأتي في مقدمها كل من المكان الشعبي أو ذو الطابع الشعبي والشخصية الشعبية (سواء كانت شخصية رئيسة أو ثانوية أو حتى من الشخصيات العابرة)، والجنوح أيضاً إلى الحس الفكاهي واستخدام مقدار ملحوظ من عناصر التراث الشعبي المتعددة، كذلك تبنّي بعض المفاهيم الشعبية الاجتماعية وما يتصل بها من مفاهيم أخلاقية أو ذات طابع أخلاقي، إضافة إلى استعانة المخرج الراحل بالممثلين السينمائيين من أصحاب القبول الشعبي الملحوظ من جمهور المشاهدين.

إن تأثير عنصر الشخصية الفيلمية الشعبية في أفلام صلاح أبوسيف يتجاوز تأثير المكان الشعبي في هذ الأفلام على رغم أهمية عنصر المكان في أفلامه كما أنه من الملاحظ أن عدد نماذج الشخصيات الفيلمية الشعبية التي تناولتها هذه الدراسة الجديدة التي قام بها الدكتور ناجي فوزي- أستاذ النقد السينمائي في أكاديمية الفنون- يبلغ نحو 61 نموذجاً للشخصيات الفاعلة، هذا عدا عن الشخصيات العابرة، من دون أن تدخل الشخصيات غير الشعبية مثل الشخصيات الأرستقراطية وما في حكمها ضمن هذا التصنيف، إذ إنه مقصور على الشخصيات الشعبية ومن في حكمها فقط. لذلك فمن النادر في أفلام أبوسيف أن تتحول شخصية شعبية أو ذات طابع شعبي إلى شخصية أرستقراطية وفي الغالب تشير الأفلام إلى أصول الشخصيات الشعبية التي تعد من الأدوار الرئيسة فيها.

ويرصد فوزي أن عدداً من أفلام أبوسيف يمكن أن يدخل في عداد ما يعرف باسم «أفلام الأمكنة» وبينها (لك يوم يا ظالم /المجرم/شباب امرأة/الفتوة/بين السماء والأرض/الزوجة الثانية/حمام الملاطيلي/الكداب). وتتنوع أهم الأمكنة الشعبية أو ذات الطابع الشعبي في أفلام أبوسيف- طبقاً لرؤية فوزي- تنوعاً ملحوظاً فمنها(الحارة/المقهى/الحمام/السرجة/المسجد/الورشة/السوق/وغيرها)، كما تتفاوت القيمة الفنية الخاصة لاستخدام الأماكن الشعبية بين درجات تنازلية عدة فمنها مثلاً: اعتبار الفيلم من «أفلام الأمكنة» أو اعتبار المكان الشعبي في الفيلم مكاناً رئيساً مهماً تدور فيه أحداث فيلمية مهمة أو أن يكون المكان الشعبي في الفيلم مكاناً فرعياً لكنه مؤثر أو أن يكون المكان الشعبي مكاناً فرعياً عابراً.

ويشير الكاتب إلى أن الطابع الفكاهي في معظم أفلام أبوسيف له دوره الواضح في تأسيس الحس الشعبي في هذه الأفلام، كما أن هناك مقداراً من التوزان الفني بين تأسيس الفكاهة على المواقف الموضوعية بالمقارنة بتأسيسها على المفارقات اللفظية.

ويختتم الدكتور ناجي فوزي- هذه الدراسة اللافتة، بقوله: «إنه من المرجح أن جذور الحس الشعبي في أفلام صلاح أبوسيف تعود إلى الدرس الأول في هذا الاتجاه الذي عرفته السينما المصرية وهو فيلم «العزيمة» 1939 للمخرج كمال سليم لأنه تضمن غالبية تلك الجذور، سواء في عناصره البشرية والمكانية أو معتقداته التراثية والإبداعية وتعد أفلام أبوسيف الروائية- 42 فيلماً- هي الأكثر تجذراً والأغرز تفرعاً بما تتضمنه عناصر الحس الشعبي المتنوعة في هذه الأفلام من أبعاد ذات طابع فلسفي يغلف ما يظهر فيها من أماكن وشخصيات وميل إلى الفكاهة وتراث من الإبداعات والاحتفاليات والمعتقدات والألفاظ وغيرها مما يشير إلى أفلام صلاح أبوسيف بما تستحقه من وصف هي جديرة به وهي أنها «سينما الشعب».

عن موقع جريدة الحياة

جريدة الحياة
”الحياة" صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.



جريدة الحياة


السبت، ٢٧ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٨
جريدة الحياة
ابراهيم العريس


«لا أنام» لصلاح أبو سيف: من تغيّرات المجتمع الى شرور الشاشة


قد لا يكون فيلم «لا أنام» الذي حققه صلاح أبو سيف عن رواية تحمل توقيع إحسان عبدالقدوس، واحداً من أفضل أفلام هذا المخرج الذي سيعرف دائماً، من ناحية بلقب «فنان الشعب»، ومن ناحية ثانية بكونه «مخرج أفلام الحارة»، لكنه بالتأكيد واحد من أفلامه التي حققت القدر الأكبر من النجاح التجاري في تاريخ هذا الفنان. فبعد كل شيء، نعرف أن أفلام أبو سيف الأقوى والتي نفضلها عن كل ما حققه في تاريخه الطويل من أفلام، هي تلك التي اقتبسها له نجيب محفوظ - ككاتب للسيناريو وليس كروائي - طوال مجرى سنوات الخمسين من القرن العشرين، من: «الفتوة» الى «لك يوم يا ظالم» الى «شباب امرأة»، عن فكرة لأمين يوسف غرابة، عاد هذا بعد الفيلم وحوّلها الى رواية منشورة... وتلي ذلك بضعة أفلام قليلة العدد بالتأكيد، اقتبسها أبو سيف عن روايات لمحفوظ ( «القاهرة 30» و»بداية ونهاية» مثلاً). ثم في المركز الثالث من الأهمية الجمالية والفكرية، تأتي تلك الأفلام التي حققها أبو سيف عن روايات لعبدالقدوس، كتب محفوظ سيناريواتها، من دون تردد حتى وإن كنا نعرف عدم انتماء الروايات التي أُخذت عنها الى أنواع محفوظ المفضلة. ومع هذا، يمكن القول أن الأفلام «القدوسية» يمكن اعتبارها من الناحية السوسيولوجية على الأقل، أهم ما قدمه صلاح أبو سيف في مساره المهني، والأكثر تمثيلاً للزمن الذي وُلدت فيه وتمكنت من أن تغيّره.

وكي لا يبدو هذا الحكم مستغرباً، سنتناول أبعاده بعد سطور، وريثما نكون قد توقفنا عند «لا أنام» تحديداً. أما ما يتوجب قوله في المقام الأول في هذا الصدد، ففحواه أنه إن لم يكن واضحاً أن هذا الفيلم مأخوذ بشكل موارب عن إحدى روايات الفرنسية فرانسواز ساغان، فإن أقل ما يمكن أن يقال أنه يمتّ، من ناحية موضوعه وشخصياته، بصلة قرابة واضحة مع روايات هذه الكاتبة. غير أنه في الوقت نفسه، يشبه الى حد التطابق مواضيع عبدالقدوس التي كان قد سبق لصلاح أبو سيف أن عالجها في مرحلته التي سنسمّيها هنا مرحلة سينماه «البورجوازية الصغيرة»، والتي غالباً ما كان نجيب محفوظ يكتب له سيناريواتها. و»لا أنام» يمكن النظر إليه على أية حال، على أنه يشكل الذروة في ذلك النوع السينمائي الذي شكل واحدة من أخصب مراحل أبو سيف. كما أن كثراً لن ينسوا أبداً أداء فاتن حمامة «الشرير» والاستثنائي في فيلم ما كان من شأن تلك الفتاة دائمة الطيبة على الشاشة أن تقبل بتمثيله لولا إقناع صلاح أبو سيف لها.

في الفيلم تؤدي فاتن حمامة دور «نادية»، التي تعيش مع أبيها الثري بعدما انفصل هذا عن أمها وتولى هو تربيتها، فتعلقت به تعلقاً يكاد يكون أوديبياً - لكن نقاداً قلائل فقط، من بينهم الراحل غالي شكري، أدركوا حينها هذا البعد الذي قد يمكننا القول إن عبدالقدوس استقاه من رواية ساغان دون أن يعوّل كثيراً على تفحصّه، حتى وإن كان التحليل النفسي سيبقى هاجساً لديه وصولاً الى زدواج الشخصية كما قدمه لاحقاً في «بئر الحرمان» - لكن هذا العمل الذي تحقق سينمائياً بدوره، كان مقتبساً من نصّ أميركي غير روائيّ، بيد أن هذا ليس موضوعنا هنا طبعاً -. ونعود الى «لا أنام» لنذكر أن والد ناديا انتظر بلوغها السادسة عشرة قبل أن يخرجها من المدرسة الداخلية ويخبرها أنه تزوج هذه المرة لأنه يريد سيدة في بيته ترعاها وتهتم بأمورها. وواضح هنا، أن نادية لم تستسغ كثيراً ما حدث، غير أن غيرتها الصامتة التي تحركت لديها أول الأمر، سرعان ما تحولت الى تمزّق وصراع في داخلها، بخاصة حين اكتشفت أن أباها ليس الوحيد المعجب بالزوجة الجديدة وبكياستها وجمالها، بل إن كل الآخرين معجبون بها أيضاً. ومن هنا، يتحول القبول على مضض الى عداء شديد، وتبدأ الصبية بحياكة المؤامرات والمناورات ضد الزوجة، وصولاً الى تدبير خطة «تثبت» أن زوجة الأب على علاقة مع شقيق هذا الأخير الذي يقيم معهم في البيت نفسه. يستبد الغضب بالأب الذي يصدق افتراءات ابنته ويطرد أخاه والزوجة. غير أن هذا كله يثقل على قلب نادية، فيما ينصرف أبوها الى معاقرة الخمر.

لاحقاً، للتخفيف من وطأة الحدث، تصطحب نادية أباها الى المصيف حيث تعرّفه الى صديقة لها وتقرّب بينهما - وليلاحظ القارئ هنا، أن هذا السياق الحدثي يكاد يكون هو نفسه سياق رواية فرانسواز ساغان «صباح الخير أيها الحزن» التي ظهرت كالحدث الصاخب في الحياة الأدبية والاجتماعية الفرنسية قبل ذلك بفترة يسيرة! -. لكن المشكلة هذه المرة سرعان ما تبدو أكبر: يرتبط الأب بالصديقة، لكن نادية تكتشف أن هذه الصديقة، مستهترة وغير وفية للرجل الذي اختارها الآن واقترن بها. لكن ما العمل ونادية لم تعد قادرة على تكرار ما فعلت من افتراء في المرة السابقة؟... لا يسعها أمام حيرتها هنا، إلا أن تلجأ الى عمها كاشفة له عن الحقيقة كي يتدخل، لا سيما أن «خطيبة» الأب أتت معها الى المنزل بعشيقها الذي يريد الزواج بنادية كي يستمر في العيش هنا قرب عشيقته والتمتع بثروة الأب. وبالفعل، ينتهي الأمر بتدخل العم، لكن نادية تحترق وهي في ثوب الزفاف نتيجة سقوط شمعة يوم عقد قرانها. وتنقل مشوهة الى المستشفى وهي تعترف بكل ما فعلت.

كان قاسياً في حينه هذا الفيلم، لا سيما على فاتن حمامة نفسها، التي لم تكن معتادة على مثل هذا النوع من الأدوار. ومع هذا، اعتبر الفيلم من الجمهور والنقاد نموذجاً جيداً على سينما «أخلاقية» تكاد تكون وعظية، وهو أمر يفرّق بالتأكيد بين مغزى عمل إحسان عبدالقدوس وذاك الذي يحكم رواية فرانسواز ساغان. ومها يكن هنا، فإن «لا أنام» كشف أكثر من هذا، عن قدرة صلاح أبو سيف على رسم الأبعاد السيكولوجية لشخصياته. بل ربما يصح القول في هذا السياق، أن «لا أنام» كان واحداً من أول الأفلام الاجتماعية المصرية التي وصل فيها التعمق في سبر روح الشخصيات ودوافعها في تصرفاتها الى ذلك المستوى المتميز من التحليل، حتى وإن كان في مقدورنا اليوم، وربما حتى في ذلك الحين، أن نأخذ على الفيلم مبالغته في رسم شخصية نادية، ورسم غفلة الأب وسوء تصرفاته وحماقة ردود فعله.

ترى أفلا يمكّننا هذا من اعتبار صلاح أبو سيف، في هذا الفيلم، كما في بقية اشتغاله على الأعمال المقتبسة من عبدالقدوس بدورها، من «أنا حرة» الى «النظارة السوداء».... المخرج المصري الذي عرف كيف ينقل الى الشاشة السينمائية أحوال بورجوازية مصرية صغيرة كانت تعيش ذروة تكوّنها في ذلك الحين، فيما لا تتوقف عن الشكوى من بقائها خارج التكوّن في الإبداع الفني والأدبي في هذا البلد؟ فهذه البورجوازية الصغيرة التي كانت قد «وُلدت» وازدهرت مع صعود الاقتصاد الوطني على يد طلعت حرب وشركاته ومن ساروا في ركابه من كبار الاقتصاديين الوطنيين المصريين، وقد عبّر عنهم «حزب الوفد» ومشتقاته، كانت تفتقر الى تعبير إبداعي حقيقي عنها يبتعد من تلك الحكايات العواطفية والميلودرامية التي كانت تقدمها للجمهور (من أعمال محمود تيمور الى «دعاء الكروان» لطه حسين الى «شجرة اللبلاب» لأحمد عبدالحليم عبدالله، مروراً ببعض ما أصدره يوسف السباعي، الذي ستكون روايته عن «الحارة»، «السقا مات» من أفضل ما كتب وليس روايات البورجوازية الصغيرة كما حاول صياغتها أحياناً...). وفي يقيننا أن هذا التعبير وجد ضالته لدى إحسان عبدالقدوس الذي من الواضح أنه كان من أكثر الكتاب المصريين في ذلك الحين إدراكاً لكم أن ثورة 23 تموز (يوليو)، التي كان منتمياً إليها بكل جوارحه وجهوده - بل حتى صاحب إحدى الشرارات التي أطلقتها، عبر فضح مقالاته في «روز اليوسف» صفقات الأسلحة الفاسدة التي تسببت في هزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين -، كما أن تلك الثورة أتت لتربط، في توجهاتها الأولى و»طبقية» معظم قادتها، بين إنجازات البورجوازية الوطنية (طلعت حرب) وضرورات دخول زمن العالم لطبقات مدينية ها هي الآن تحاول أن توجد مكاناً لها تحت الشمس يتّسع لأخلاقياتها وتطلعاتها. وفي يقيننا أن هذا الجانب الذي يصوره «لا أنام» خير تصوير، لا يزال في حاجة الى أن يُدرس بعمق.

ابراهيم العريس

عن موقع جريدة الحياة

جريدة الحياة

“الحياة” صحيفة يومية سياسية عربية دولية مستقلة. هكذا اختارها مؤسسها كامل مروة منذ صدور عددها الأول في بيروت 28 كانون الثاني (يناير) 1946، (25 صفر 1365هـ). وهو الخط الذي أكده ناشرها مذ عاودت صدورها عام1988.

منذ عهدها الأول كانت “الحياة” سبّاقة في التجديد شكلاً ومضموناً وتجربة مهنية صحافية. وفي تجدّدها الحديث سارعت إلى الأخذ بمستجدات العصر وتقنيات الاتصال. وكرست المزاوجة الفريدة بين نقل الأخبار وكشفها وبين الرأي الحر والرصين. والهاجس دائماً التزام عربي منفتح واندماج في العصر من دون ذوبان.

اختارت “الحياة” لندن مقراً رئيساً، وفيه تستقبل أخبار كل العالم عبر شبكة باهرة من المراسلين، ومنه تنطلق عبر الأقمار الاصطناعية لتطبع في مدن عربية وأجنبية عدة.

تميزت “الحياة” منذ عودتها إلى الصدور في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالتنوع والتخصّص. ففي عصر انفجار المعلومات لم يعد المفهوم التقليدي للعمل الصحافي راوياً لظمأ قارئ متطلب، ولم يعد القبول بالقليل والعام كافياً للتجاوب مع قارئ زمن الفضائيات والإنترنت. ولأن الوقت أصبح أكثر قيمة وأسرع وتيرة، تأقلمت “الحياة” وكتابها ومراسلوها مع النمط الجديد. فصارت أخبارها أكثر مباشرة ومواضيعها أقصر وأقرب إلى التناول، وكان شكل “الحياة” رشيقاً مذ خرجت بحلتها الجديدة.

باختصار، تقدم “الحياة” نموذجاً عصرياً للصحافة المكتوبة، أنيقاً لكنه في متناول الجميع. هو زوّادة النخبة في مراكز القرار والمكاتب والدواوين والبيوت، لكنه رفيق الجميع نساء ورجالاً وشباباً، فكل واحد يجد فيه ما يمكن أن يفيد أو يعبّر عن رأيٍ أو شعورٍ أو يتوقع توجهات.




عرّف بهذه الصفحة

Imprimer cette page (impression du contenu de la page)